روى ابنُ حبانٍ في صحيحه عن أبي هريرة , أن النبيَّ صعد المنبر , فقال: آمين آمين آمين , قيل: يارسول الله إنك صعدت المنبر , فقلت: آمين آمين آمين! , فقال: ﴿إن جبريل أتاني , فقال : من أدرك شهرَ رمضانَ فلم يغفر له , فدخل النار فأبعده الله , قل: آمين , فقلت: آمين , ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما , فمات فدخل النار فأبعده الله , قل: آمين , فقلت: آمين , ومن ذكرت عنده فلم يُصَلِّ عليك , فمات فدخل النار فأبعده الله , قل: آمين , فقلت: آمين﴾ .
قال سعيد عن قتادة : كان يقال من لم يُغفر له في رمضان , فمتى يُغفر له ؟!
من يَقْبًلُ من رُدُّ في ليلة القدر ؟!
متى يَصْلُحُ من لا يَصْلُحُ في رمضان ؟!
من فرط في الزرع وقت البدار , لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسار

تَرَحَّل شهر الصبر وآ لهفاه وانصرما...واختُص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرًا...مثلي فيا ويحه ياعظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البدار فما...تراه يحصد إلَّا الهم والندما
قال ابن رجب : إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه , فقد وفوا ما عليهم من العمل , وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة , فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة , قُسِّمت عليهم أجورهم , فرجعوا إلى منازلهم قد استوفوا الأجر واستكملوه .
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وكماله وإتقانه , ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله , ويخافون من رده , وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ﴾
قالت عائشة : أهؤلاء الذين يكذبون ويسرقون ويزنون يارسول الله ؟
فقال : لا يابنت الصديق ؛ بل أولئك الذين يصلون ويصومون ويتصدقون , ويخافون ألَّا يتقبل الله منهم .

ومن إتمام العمل , إتمام العِدَةَ , قال تعالى : ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم﴾
فلو كان اليوم هو آخره من رمضان , فأدرك التمام , فما يدريك في أي ساعة يقبلك الله ويعتق رقبتك من النار ؟!
فلا تدري أيَّ عمل يطَّلع الله على صدق قلبك فيه , فينظر لك نظرة رحمة لا تشقى بعدها أبدًا ؟!.
فأنت اليوم يوم جمعة , ولعله في ختام وداع رمضان , وقد أخبر النبيُّ أن يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلَّا أعطاه إياه ...
روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة , قال: أن النبيَّ , قال: ﴿إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم , يسأل الله فيها خيرًا إلَّا أعطاه إياه﴾ , والمختار عندي أنها بعد العصر إلى المغرب آخر ساعات النهار المنصرم .

فحريٌ بك يا عبد الله أن تطرق بقلبك باب الذل والانكسار بين يدي العزيز الغفار , فكن ساعتها في حال المضطر , عسى أن توافق قول الله تعالى : ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ , وكأنك تشد بيديك على آخر حبات عقد رمضان المنفرطة , ألَّا تنفلت من تحت يديك إلَّا إلى ربها وخالقها , ليختم عليها بخاتم قبوله , فتكن زخرًا للك يوم القيامة عند ربك جلَّ وعلا .

أدركوا الساعات الأخيرة من رمضان , قيل : إن من علامات قبول الحسنة , الحسنة بعدها , فما بالكم بمن يجهز نفسه للمعاصي , ويعد العدة لمبارزة ربه بالمخالفات وارتكاب المحرمات , وهو لا يزال بين أظهر ساعات بقت من رمضان ؟! .
قال الحسن : أكثروا من الاستغفار , فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة .
قال لقمان لابنه : يابني عود لسانك الاستغفار ؛ فإن لله ساعات لا يُرد فيهن سائل .

وبعد إتمام العدة والوفاء في العمل والجزاء , أمرك الله بالشكر , فقال تعالى : ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشْكُرُونَ﴾ , قال ابن رجب : فحق من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام , وإعانتهم عليه , ومغفرته لهم به , وعتقهم من النار , أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته .اهـ
فبعد المغفرة يكون الشكر , فقد كان النبيُّ يقوم الليل حتى تتورم قدماه , فقيل له : أليس قد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر ؟! , فقال : ﴿أفلا أكون عبدًا شكورًا﴾ .

فلا تكن عبد سوءٍ , تترك العمل بعد استيفاء الأجر , ولا تكن مغبونًا فتترك العمل قبل استيفاء الأجر , واعلم أن الزيادة دومًا مع الشكر , قال تعالى : ﴿وَلَئِن شَكَرْتُم لَأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرْتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٍ﴾ .

ومن الشكر إحداث الحسنات بعد الحسنات , والأعمال الصالحات تلو الصالحات , وأفضل الأعمال الختاميات لشر رمضان , ما كانت من عند الله معينات , وَقَّتَ لها ربنا أوقاتًا معلومات , وأحب من عبده أن يختم بها شهره العظيم .
ومن هذه الأعمال :
1- صدقة الفطر :
روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد , قال : (كنَّا نُخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أَقِطٍ أو صاعًا من زبيب) .
وعلى المسلم في زكاة الفطر أمورًا أجملها لك فيما يلي :
- أن الله شرعها لك حتى يجبر التقصير الذي يقع في صيام العبد , فاستشعر وُدَّ الله بعباده , روى أبو داود من حديث ابن عباس , قال : (فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث) .
- بما أن النبي فرضها فهي عبادة , والعبادة كي تقبل عند الله لابد من توفر شرطين : (الإخلاص , والمتابعة) , أن تخلص لله فيها , فلا تطلب بها مراءاة ولا سمعة ولا أجرًا من أحد ولا شكرًا من أحد , فقد كانت عائشة ترسل جاريتها بالصدقات , وتقول لها : (اسمعي ما يدعون لنا به , حتى ندعو لهم بمثله , ويبقى لنا الأجر) , والمتابعة في التزام الهيئة , فلا يجوز لك أن تخرجها على خلاف ما كان النبي وصحابته يخرجونها , فلا يجوز لك إخراجها مالًا عوضًا عن الطعام , قال ابن تيمية : (إن الله فرض زكاة الفطر طعامًا , كما فرض الكفارة طعامًا) .

2- إتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال :
روى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري , عن النبيِّ , قال : ﴿من صام رمضان , ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر﴾ .
ولتكن من بعد يوم الفطر مباشرة ؛ فإنها تكون أقرب إلى معنى إتباع الحسنة الحسنة .
قال ابن رجب : (وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة) .
- أن صيام ستة من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله .
- أن صيام شوال وشعبان من قبل رمضان , كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها , فتكمل ما حصل في الفرض من خلل ونقص .
- أن هذا من الشكر بعد المغفرة واستيفاء الأجر , قال تعالى : ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ , وقال تعالى : ﴿وَلَئِن شَكَرْتُم لَأَزِيدَنَّكُم﴾.
- ومنها أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان , علامة على قبول صوم رمضان , كما قال بعضهم : ثواب الحسنة الحسنة بعدها . اهـ بتصرف كبير

وختامًا عودًا على ذي بدءٍ :
عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل , ولم يبق منه إلا القليل , فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام , ومن فرط فعليه بالحسنى والعمل بالختام , فاستغنموا منه ما بقي من الساعات اليسيرة , واستودعوه عملًا صالحًا يشهد لكم به عند الملك العلام , وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام ...

سلام من الرحمن كلَّ أوان...على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه...أمان من الرحمن كلَّ أمان
لئن فَنِيتْ أيامُكَ الغُرِّ بغتةً...فما الحزن من قلبي عليك بفان