سبع وثلاثون فائدة من آية الميراث في سورة النساء آية 11
دار الحديث العراقية
سبع وثلاثون فائدة من آية الميراث في سورة النساء
1- الميراث : هو وصية الله تعالى بتوزيع التركات على مستحقيها ؛ فإنَّه إذا كان للعبد وصايا في أمواله بعد وفاته ؛ فالميراث هو وصيته ووصية الله أولى بالإيجاب وأحق بالتنفيذ .
2- من الاهتمام بالآية تصديرها بـ ((يُوصِيكُمُ)) ؛ لأنَّ الوصاية هي الأمر بما فيه المأمور ، وفيه اهتمام الآمر لشدة صلاحه ، ولذلك سمي ما يعهد به الإنسان في ما يصنع لأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت وصية .
3- ابتدأ الله بالأولاد لأنَّهم أقرب الناس بالميت .
4- الولد اسم للابن ذكراً كان أو أنثى بدليل ما ذكر بعد ذكر كلمة الأولاد، وهو قوله:((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ )).
5- بعد عمودي النسب أتى بالوصية لينبه على أهميتها، والوصية : ما تعهد به غيرك في المستقبل .
6- بدأ الله تعالى بالأولاد لأنَّهم أحق بالعطف والعون لضعفهم .
7- الدين يتقدم على الوصية، لأنَّه حقٌ سابق في مال الميت ؛ لأنَّ المدين لا يملك من ماله إلا ما هو فاضل عن دين دائنه .
8- قوله : ((فِي أَوْلَادِكُمْ)) يتناول كل ولد كان موجوداً أو جنيناً في بطن أمه دنياً أو بعيداً من الذكور أو الإناث ؛ لأنَّه من التولد غير أنَّهم يرثون على قدر القرب منه ؛ ويتناول الخنثى - وهو الذي له فرجان - ، وأجمع العلماء على أنَّه يُورث من حيث يبول .
9- جهل الإنسان في مَنِ الأنفع : في الدنيا في الدعاء والصدقة وفي الآخرة قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه في الآخرة سأل الله فرفع أباه ، وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه .
10- في ذكر الأنثيين نكتة لطيفة ، هي الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر ؛ إذ كانت مهضومة الجانب ؛ فالإسلام ينادي بحظها أول ما يقرع الأسماء .
11- التعبير بالحظ إشارة إلى أن عطاء الأنثى ولو كان نصف عطاء الرجل قدر كبير لها فيه حظ ، أي : عطاء فيه كرم وسخاء ؛ لأنَّ التكليفات المالية عليها دون التكليفات المالية على الرجل بقدر كبير أكثر من النصف .
12- إن الله تعالى أرحم بالإنسان من والديه تؤخذ من ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)) ، فالذي يوصيك على الشيء أرحم به منك وأشد عناية به منك ؛ ولهذا إذا أوصى أحدٌ أحداً على أولاده فهو أرحم على أولاده منه .
13- الحكمة في توزيع الميراث أنه يشمل جميع الأولاد ليس الصغار فقط ، يعني : لا يوقف على الصغار أو ذوي الحاجة أو على من كان لا يكتسب وما أشبه ذلك ، وفي العرف الاصطلاحي تبديد الثروة أي : توزع الثروة حتى لا تنفد ، هذا المال الذي هو ملايين كان في الأول يملكه واحدٌ ، والآن يملكه عددٌ كبيرٌ ، ثم العدد أيضاً إذا مات انتقل إلى آخرين ، وهذا لا شك من الحكمة .
14- حكمة أخرى في توزيع الميراث ؛ حيث جعل ميراث الذكر مثل حظ الأنثيين ، وحكمة ذلك : اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات النفقة ، والذكر عنده مسئوليات مالية أكثر من الأنثى ، فعليه الإنفاق ، وعليه المهر ، وعليه الجهاز وعليه حقوق مالية أكثر فَرُوعِيَ في ذلك قسمة المواريث ، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ لبيان شرف الرجل على المرأة ، وأنه أحق بالتكريم منها في بعض القضايا ؛ خلافاً للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور ، وخلافاً لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئاً، بل يقولون : لا نورث إلا منْ يحمي الديار ، ويركب الخيل ويذود عن الحمى ، أما امرأة قابعة في البيت ما لها ميراث ، ولكن الإسلام جاء وأعطاها الميراث ، ولكن ليست مثل الذكر.
15- أنه ينبغي للإنسان اختيار الألفاظ الأحسن والأمثل ، وإن كان المؤدى واحداً ؛ لقوله : ((مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) ، ولم يقل : يوصيكم الله في أولادكم للأنثى مثل ما للذكر ، وحسن التعبير له أثر معلوم مثل : قصة الملك الذي رأى في المنام أن جميع أسنانه قد سقطت فدعا بعابر ليعبر الرؤيا فقال : أيها العابر عبر لي هذه الرؤيا ، قال : أيها الملك تموت حاشيتك وأهلك فارتعب الملك وأمر به فجلد ؛ لأنه روعه ، وقال : ائتوا بعابر آخر ، فأتوا بعابر آخر فقال : يكون الملك أطول حاشيته عمراً ، فقال : على الرحب هذا العابر صحيح ، وأمر له بجائزة ، والمعنى : أنهم سيموتون قبله فالاثنان واحد ، ولكن حسن التعبير يكون له أثر ، فينبغي للإنسان أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس .
16- أن ميراث النساء الخلص إن كانت واحدة فالنصف لها ، وإن كن اثنين أو أكثر فلها الثلثان، وسبق لنا توجيه قوله : ((فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)).
17- أن الإرث شامل لجميع التركة من عقار ومنقول وحيوان ومنافع وحقوق وهذا يؤخذ من قوله: ((مِمَّا تَرَكَ))، أي كل ما ترك فهو داخل في الإرث ، وهذا يجب التنبيه لمن كان لهم ورثة في غير البيت الذي هو فيه فمثلاً : لو مات ميت وترك البيت الذي هو فيه ، فإن من الناس من إذا مات له ميت وهم في بيته، ولهم ورثة آخرون خارج البيت يتمتعون بما في البيت من طعام وسكن وغيره أيضاً ، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة وإلا فإنه يخصم من ميراثه ، وكذلك تضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت لحين التقسيم.
18- أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة الإناث وهذا يؤخذ من قوله ((فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)) ، فإنه يشمل لو كنَّ مئتين.
19- الحكمة في تقديم الميراث الولد على ميراث الأبوين ؛ لأنَّ الأولاد بضع من أبيهم أو من أمهم ؛ فقدم ذكرهم على الأبوين .
20- أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث ، كان للأم الثلث والباقي للأب ؛ لقوله : ((وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)) .
21- أنه إذا وجد للميت فرع وارث ، فإنَّ للأبوين لكل منهما السدس لا يزيد إلا مع الإناث ، فإنْ بقي شيءٌ أخذه الأب تعصيباً .
22- أن للأم السدس مع جمع الأخوة ؛ لقوله: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ))، وظاهر الآية سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، بل ظاهر الآية إنْ لم يكونوا وارثين فللأم السدس ؛ لأنَّ الفاء مفرعة لما بعدها على ما قبلها .
23- أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت ؛ لقوله: ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) ولكنْ قد دلت السنة أنْ تجهيز الميت مقدمٌ على كل ذلك ، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة ، ودليل السنة أنَّ رجلاً وقصته راحلته وهو واقف بعرفة فسئل النبي عنه فقال: (( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين))، ولم يقل : هل عليه دين أو وصية ، فدل هذا على أنَّ التجهيز مقدم على الوصية والدين ؛ ولأنَّ الوصية متعلقة بذات الموصى ، أما التجهيز فمتعلق ببدن الميت فكان مقدماً على الوصية والدين كالمحجور عليه إذا أفلس ، وأمرنا عليه من يتصرف في ماله فإننا نبدأ بما تتعلق حاجته ، ولا نقول : اخلع ثيابك نبيعها ، لا بل ما تتعلق به حاجته تبقى.
24- وجوب تنفيذ الوصية ؛ لقوله: ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ)) فقدمه على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.
25- أن الرق مانع من الإرث ؛ لقوله : ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) ، ومن قوله ((وَلِأَبَوَيْهِ))، ووجه ذلك : أن (اللام) تفيد الملك والرقيق لا يملك ، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث ؛ لأنه لا يملك.
26- أنه إذا اجتمع الأبوان في الميراث فللأم الثلث والباقي للأب ، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثاً بالتعصيب ؛ لأن نصيبه لم يقدر فيكون وارثاً بالتعصيب .
27- الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الاجتهاد الصائب في العمريتين حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وذلك أن الزوج أو الزوجة إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي ، ولقد جعل الله للأب والأم إن انفردا- للأم الثلث وللأب الباقي، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه.
28- أنَّ الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب ؛ لقوله: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)) ، فعطف بالفاء الدالة على أن ما بعدها مفرع على ما قبلها .
29- أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس ؛ لقوله: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)) ، بخلاف الأبناء أو البنات فإنَّ الواحد يحجبها إلى الثلث لقوله : ((لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ))، و((وَلَدٌ)) نكرة في سياق الشرط فيعم الواحد والمتعدد والذكر والأنثى ، فإن قال قائل : كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب ألستم تقولون : لو وجدت أم إخوة أرقاء فإنَّ الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس ، أو وجدت أم وإخوة كفرة فإنَّهم لا يحجبون الأم إلى السدس يعني : إنْ هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يدينون بدين الإسلام فإنَّ لأمه الثلث ولا يحجبونها الإخوة الذين ليسوا مسلمين إلى السدس ؛ لأنهم كفار لا يرثون؟ فالجواب : أن هؤلاء محجوبون بوصف فهم ليسوا من أهل الإرث أصلاً ، وأما الإخوة الذين حجبوا بوجود الأب فهم من أهل الإرث، ولكن وجد مانع وفرق بين وجود مانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء ليسوا أهلاً للميراث أصلاً ؛ لأنَّ من شرط استحقاقهم الإرث أنْ يكونوا موافقين للإنسان الميت في دينه وأنْ يكونوا أحراراً ، لكن هنا الإخوة مع الأب مستحقون للإرث أحراراً ، موافقين في الدين ، ولكن وجد مانع وهو الأب ، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كالعادم ، والمحجوب بالشخص مجوده معتبر.
30- أنَّ الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية ؛ لقوله : ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) ، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة ، فلا يبقى للورثة شيء ، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة ؛ لأنَّ أقصى ما يمكن الثلث ، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة ، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية ، وهو أنَّ الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء ، وأما الوصية فلا يمكن أنْ تستغرق جميع التركة ؛ لأنَّ أقصى ما يمكن الثلث ، وما زاد على الوصية فيفرق بين الورثة ، وعلى هذا يفرق بين الدين والوصية ، بأنَّ الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء ، والوصية لا يمكن أنْ تستغرق المال ؛ لأنَّ ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة ، وعلى هذا لو مات شخص وخلف مئة ألف ، وعليه دين يبلغ مئة ألف ، فليس للورثة شيءٌ ، ولو مات ميت وقد أوصى بمئة ألف ، ولما مات وجدنا خلفه مئة ألف ، فلن يبقَ للورثة شيءٌ ، نقول : نرد مئة ألف إلى الثلث ما لم تجز الورثة.
31- أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى وتؤخذ من قوله : ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) والدين أوجب من الوصية وأقدم ، ولكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى ؛ كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع في سورة طه قال الله : ((بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)) لاعتبارات وهي مراعاة الفواصل ، ولا شك أن موسى أفضل من هارون ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن .
32- قصور علم الإنسان ، تؤخذ من قوله : ((آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)) ، فأقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه ، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعاً فما بالك بالبعيد ، وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان ، وقد قال الله تعالى : ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) فالروح التي بين جنبيك لا تعرفها ؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا قليلاً .
33- وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث ، وأنه فرض ، تؤخذ من قوله : (( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ )) ، وعلى هذا فيكون تعلم الحساب الفرضي فريضة ، ونقول : إنْ كان يتوقف عليه إعطاء كل نصيب نصيبه ، فهو فرض ، وإن كان لا يتوقف فليس بفرض ، فتعلم الحساب في الفرائض هل هو مقصود أم وسيلة ؟ إذا كان وسيلة ننظر إذا احتجنا إليه أخذنا به ، وإن لم نحتج فلا ، لكن في الغالب أننا نحتاج إليه وإلا لا حاجة إليه .
مثلاً : إذا جاء إنسان وقال : اقسم هذه المسألة ، زوج وأم وأخ لأم ، أقول : للزوج النصف وللأم الثلث ، وللأخ من الأم السدس ، ولكن أحياناً يتوقف القسم وإعطاء كل نصيب نصيبه على معرفة الحساب ، فإذا توقف على معرفة الحساب فريضة فهو فريضة .
34- أن أمر الفرائض إلى الله ؛ لقوله : ((فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ))، وأقول - ذلك وإن كان أمراً معلوماً ، لكن من أجل الأدب في الفتيا - : كان الإمام أحمد - مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة أو أنه حرام إلا إذا ورد به النص وإلا تجده يقول : لا يفعل .... أكره هذا .... لا يعجبني ، وما أشبه ذلك ، كل هذا من باب الورع ، أما نحن قشور الحبب تجد الواحد منا يقول : هذا يحرمه الشرع ، هذا حرام بالشرع سبحان الله وربما هذا الرجل إن بحثت معه في أدنى مسألة ما يعرفها : ويقول هذا حرم في الشرع وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام ، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهلاً للاجتهاد ، فهذه مشكلة ؛ إذن يجب على الإنسان أن يتحرَ .
35- إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والحكيم ؛ لقوله : ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) .
36- أن (كان) قد تسلب دلالتها على الزمان ؛ لأنَّها لو دلت على الزمان في قوله : ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) ، لكان الرب الآن ليس عليماً ولا حكيماً ، لكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان ، ويكون مدلولها مجرد الوصف إذا كان صفة ؛ ولهذا قال بعض السلف: (( إنَّ الله كان غفوراً رحيماً ولم يزل غفوراً رحيماً )) ؛ خوفاً من هذا الوهم ، وعلى كل حال : (كان) في الأصل تدل على زمن مضى ، ولكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان فتكون لمجرد الوصف بخبرها .
37- أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي ؛ لقوله : ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) ، فسأطمئن وأعلم أنه ما قضى قضاء شرعياً إلا والحكمة تقتضيه ، فيسلم الإنسان لربه تسليماً تاماً وينشرح صدره بقضائه وقدره وينشرح صدره بشرعه وحكمه ، ولا يبقى عنده تردد ؛ ولهذا انظر للصحابة كيف كان قبولهم للشرع لما قال النبي للنساء : (( يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار )) ماذا فعلن ؟ بدأت الواحدة تأخذ قرطها أو تأخذ خاتمها أو تأخذ سوارها ، ويقلن لبلال : أعطنا ثوبك فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال ، فحلي المرأة الذي تتجمل به لزوجها تخلعه ؛ لأنَّ النبيَّ أمرهن أنْ يتصدقن ، فهذا امتثال عجيب ، والرجل الذي نزع النبيُّ خاتمه من أصبعه وهو ذهب والذهب حرام على الرجال وطرحه فقيل للرجل : خذه ، قال : لا آخذ خاتماً طرحه النبيُّ r ، امتثال عجيب .

ولما قال النبي لأصحابه بعد غزوة الأحزاب : (( لا يصلين أحدٌ إلا في بني قريظة )) ، اليهود وجب قتالهم ؛ لأنَّهم نقضوا العهد فهل تأخروا ؟ أبداً ، وشدوا رحالهم وانطلقوا ، وماذا فعلوا ؟ بعضهم أخذ بظاهر اللفظ وقال : لا أصلي العصر إلى في بني قريظة ولو في نصف الليل وساروا حتى وصلوا إلى بني قريظة فصلوا ، والآخرون قالوا : لا إنَّما قصد النبيُّ أنْ نبادر وما قصد أنْ نؤخر الصلاة ، وقالوا : عندنا نصان أحدهما متشابه ، والثاني محكم ، المتشابه هو : ((لا يصلين أحد إلا في بني قريظة)) ، فهذا يحتمل معنى تأخير الصلاة ، أو معنى تعجيل السير والمشي ، ولكن وجوب الصلاة في وقتها قول الله تعالى : ((إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)) ، وهذا محكم ، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم ونصلي الصلاة في وقتها ولا نؤخرها إلى أن نصل إلى بني قريظة .
كاتب المقالة : الشيخ ماهر الفحل
تاريخ النشر : 14/10/2011م