الحلقة الخامسة

الخليفة الأول (الصديق 3)


في الحلقة السابقة تم العرض لبعض الجوانب من حياة الصديق مع النبي صلى اله عليه وسلم من حديث طويل حوى كثيرا منها وفي هذه الحلقة يُتبع العرض لبعض تلك الجوانب : فمنها خوفه على النبي ؛ ومن الأمثلة على ذلك ؛ وضع قدمه على منفذ في الغار لعله جحر دب تخوف أن يخرج منه ما يؤذي النبي ففداه بنفسه ... ومنها استدامة التفاته أثناء الطريق وهما يغذان السير من مكة إلى المدينة عند هجرتهما ؛ فقد كان يتلفت إلى كل جانب وأحيانا يسبق خوفا من الرصد وأحيانا يتأخر قليلا خوفا من أن يأتي على النبي ما يكره ؛ لقد كان الوضع الأمني حرجا جدا كيف لا يكون حرجا وقد رصدت قريش جائزة كبرى لمن يأتي بالنبي حيا أو ميتا ... وعليك أن تتخيل ذلك الموقف . ومنها خوفه عليه من الشمس حيث كان يظلله منها عند اشتدادها ...

وفي الحديث الآتي يظهر لنا بعض الجوانب من مكانة أبي بكر عند النبي فإنه شهد له بتصديقه حين كذبه الناس وواساه بماله ونفسه عند ما خذله الناس ، ومنها صفاء قلبه على المسلمين وسرعة إعادة الصفا إلى ما كان إذا حدث ما يؤثر عليه ، ودعاء النبي له ثلاثا بالمغفرة وقد جاء الحديث على النحو الآتي وقد حرصت على مجيء الأحاديث مسندة لبيان ميزة السند في وصول الحديث سليما من الجهالة في السند ما يؤثر في النص فالسند من الدين وهو نطام علمي عالمي لا يستطيع أحد ممن يحترم العلم والعقل أن يرده :

حدثني هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن عائذ الله أبي إدريس عن أبي الدرداء قال كنت جالسا عند النبي e إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي e أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال إني كان بيني وبين بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر فقالوا لا فأتى إلى النبي e فسلم فجعل وجه النبي e يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي e إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها (

[1]

وفي الحديث الآتي يظهر مكانته في الحب بين الأصحاب في سؤال عمرو بن العاص أي الناس أحب إلأيك فقال :عائشة قال من الرجال قال أبوها وقد جاء في سبب سؤال عمرو أنه قال لقد كان النبي يبش في وجهي حتى ظننت أني أحب الناس إليه فسألته طمعا وتأكدا مما أجده في الناس فما يزال يذكر غيري حتى سكت خوفا لئلا أجد نفسي في مؤخرة الركب في هذا . وهو يدل على ترتيب الصديق في نفس النبي صلى الله عليه :

حدثنا إسحاق أخبرنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبي عثمان أن رسول الله e بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل قال فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال عمر فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم [2]

وهنا لفتة وهي حسن خلق النبي وحسن استقباله للناس وبشاشته وابتسامه مما يجعل المستقبل له يحبه ويقبل على ما جاء به عليه الصلاة والسلام .

والحديث الآتي يدل على شهادة النبي على تقواه وورعه وإخلاصه لله تعالى وبعده عن الصفات التي لا تليق مثل الخيلاء وكفى بها شهادات من المعصوم .

حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي e قال من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة قال أبو بكر يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال النبي e لست ممن يصنعه خيلاء[3]

هذه الجوانب حرصت أن تكون من أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لتكون أوقع في النفس في التذكير بمكانة أعظم رجل بعد النبي صلى عليه وسلم .

يتبع



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - صحيح البخاري 3/ 1239رقم [3461] . وانظر : التجريد 2/ 56.

[2] - المرجع السابق 4/ 1584. رقم 4100 . وكذلك التجريد نفس الجزء والصفحة .

[3] - المرجع السابق 5/ 1812رقم 5447 . وكذلك التجريد نفس الجزء والصفحة .