بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين

قال تعالى : (( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ
أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) الشعراء

و قال : (( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) الشعراء

وقال :(( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143)الشعراء

و قال :(( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162)الشعراء

و قال : (( كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178)الشعراء

و قال :(( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18)الدخان

قوله تعالى : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تضمّن أمرين : الإخبار بالرسالة و إنهم رسل الله
اليهم ، و الثاني الإخبار بأمانتهم في تبليغ هذه الرسالة ، و الإخبار بالرسالة صفة للمنقول ، و الإخبار
بالإمانة صفة للناقل ، و الإخبار بصفة المنقول بيّن جهة صدور الخبر الذي هو الله سبحانه و تعالى
و هذه مقدمة مسلمة لهم فهم لا يعترضون على الخبر متى سلّموا بصحة صدوره من الله ، لكن
يعترضون على الناقل و هم الرسل فيشككون في صدقهم ظاهرا و إن كانوا في الباطن يعتقدون
صدقهم فبيّنت الرسل إنهم أمناء فيما نقلوه اليهم من رسالة الله ، فإن قيل كيف تصدّق هذه الأقوام
خبر الرسل عن أنفسهم بالأمانة ؟ أو كيف يعدّل الإنسان نفسه ؟ قيل ما أخبر به الرسل عن أنفسهم
من كونهم أهل أمانة و صدق مما هو معروف لدى أقوامهم ، فالرسل يخبرون بصفة معروفة عنهم
مقررة عند المخبرين معروفة لديهم فهم قد عرفوا أحوال رسلهم من قبل إخبار الرسل لهم بالوحي
و ما عرفوا منهم إلا صدق القول و سلامة القصد فيكون خبر الرسل عن أنفسهم بالأمانة من باب
تقرير الحال المعروف لدى المخبرين لا من باب تعديل الإنسان لنفسه مع جهل غيره لهذه العدالة .

و قوله تعالى :(( أمين )) أي في فيما أُخْبركم به عن الله ، قال الإمام أبو جعفر الطبري :
فإني أمين على وحي الله، وعلى ما ائتمنني الله عليه من الرسالة، لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدِّل،
بل أبلغ ما أمرت كما أمرت ج12 /504 و الأمانة شرط في تبليغ الخبر كما هو معلوم من شروط
الراوي في كتب أهل العلم ، و مدارها على قوتين : القوة العلمية ، و القوة العملية ، فالقوة العلمية في
حفظ لفظ الخبر و فهم معناه ، و القوة العملية في نصح المخبر و بُعْده عن الهوى كما قال تعالى مخبرا
عن قول هود (( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ))"68" الاعراف
و متى انخرم نظام احدى القوتين خرج صاحبها عن مسمى الامانة و العدالة ، و المؤتمن في نقل
الخبر كالمؤتمن في حفظ الوديعة و إن كان ناقل الخبر الشرعي أعظم خطرا لانه مؤتمن على
حفظ أسباب مصالح الدنيا و الآخرة بينما حافظ الوديعة حفظه يكون لمصلحة من مصالح الدنيا إلا أن الجامع بينهما إن
كليهما يحفظ مصلحة لا بد للمخلوق منها ، و إذا تعرّى ناقل الخبر الشرعي عن شرط الأمانة
ألحق ضررا بلغيا بمن أتمنه على حفظ الدين فإن ضرره يعود على مصالح الدنيا و الآخرة ، و حافظ
الوديعة في هذا الجانب أقل ضررا منه فإن ضرره يعود الى مصالح الدنيا كحافظ مصالح الناس
في أمور سياستهم فأضرار هولاء تعود الى مصالح الدنيا و إن كان لبعض هؤلاء فسادا في الدين
و لكن ليس من جهة نقله .