[align=justify]بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد:

إن محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة، إما عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة، فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هو محبة الله ، ومحبة العبد لله لا تكمل؛ إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله (1).

ولما كان من المشاهد كثرة الدعاوى في هذا الباب حيث لا يوجد منتسب إلى الإسلام؛ إلا وهو يدعى محبة الله ورسوله وأوليائه، مما يجعلنا نبحث عن المظاهر والعلامات الحقيقية التي تؤكد لنا مدى صدق كل شخص في دعواه المحبه، ومن أهم مظاهر المحبة الشرعية (2):

1) أن يكون الله أحب شيء إلى العبد، وتعرف هذه المحبة بالعلامات التالية:
أ. أن تسبق محبة الله إلى القلب كل محبة.
ب.أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته، فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول، وغيره محبوباً تابعاً لحبه كما يطاع تباعاً لطاعته، فهو في الحقيقة المطاع المحبوب.

2) طاعة رسوله وتقديمها على طاعة كل أحد، وإن كان أحد الوالدين، أو أكثر المشايخ مهابة وجلالة في العيون، وإن كان النفس والهوى، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. فهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فمن ادعى محبة الله، ولم تظهر ذلك في طاعة رسوله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فدعواه كاذبه.

تلك أهم مظاهر محبة الله ورسوله ، وأكبر سمات المحبين المحقين، وهي بمثابة الميزان والمحك الذي يمكن به التمييز بين مدعي المحبة وهو كاذب، وبين من ادعاها وهو صادق.

إذاً محبة الله ورسوله تقتضي فعل محبوباته، وترك مكروهاته، والناس تتفاضل في هذا تفاضلاً عظيماً، فمن كان أعظم نصيباً من ذلك كان أعظم درجة عند الله، ومن كان أقل نصيباً كان ذلك سبباً في نزول درجته ومنزلته، وأما من كان غير متبع لسبيل النبي فكيف يكون محباً لله (3).

وينقسم الناس في محبتهم للنبي إلى ثلاثة أقسام (4)، هي:

القسم الأول: أهل الإفراط:

وهم الذين بالغوا في محبتهم بابتداعهم أموراً لم يشرعها الله ورسوله ، ظناً منهم أن فعل هذه الأمور علامة المحبة وبرهانها.

القسم الثاني: أهل التفريط:

وهم الذين قصروا في تحقيق هذا المقام، فلم يراعوا حقه في وجوب تقديم محبته على محبة النفس، والأهل، والمال، كما لم يراعوا ما له من حقوق أخرى، كتعزيره، وتوقيره، وإجلاله، وطاعته، واتباع سنته، والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك من الحقوق العظيم الواجبة له.

القسم الثالث: أهل الوسط بين الإفراط والتفريط:

وهم السلف من الصحابة، والتابعين، ومن سار على نهجهم، الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكماً، وقاموا بمقتضاها اعتقاداً، وقولاً، وعملاً. فأحبوا النبي فوق محبة النفس، والولد، والأهل، وجميع الخلق، امتثالاً لأمر الله، وأمر رسوله ، فجعلوا أولى بهم من أنفسهم تصديقاً لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الأحزاب: 6].

وإن دراسة سيرة النبي من أشرف العلوم، وأعزها، وأسناها هدفاً ومطلباً، وبها يعرف المسلم أحوال دينه ونبيه، وما شرفه الله تعالى به من أرومة الأصل وكرم المحتد، ثم ما أكرمه به من اختياره للوحي والرسالة، حمل عبء الدعوة إليه، وإلى دينه، ثم ما قام به من بذل الجهود المتواصلة، وما عاناه من البلاء والمحن في هذا السبيل، وما حظي به من نصرة الله وتأييده بجنود غيبه المكنون، وملائكته البررة الكرام، وبتوجيه الأسباب، وإنزال البركات، وخوارق العادات، وغير ذلك (5).

وقد اخترت موضوع ولادة النبي لدراسته من جميع النواحي، حيث سأتحدث بعد هذه المقدمة عن الأمور التالية:

1) ولادة النبي .
2) تاريخ الولادة.
3) أول من احتفل بالمولد النبوي.
4) أقوال العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي.

ولادة النبي (6)

ولد سيد المرسلين بشعب بني هاشم بمكة، ولما ولد خرج نور أضاءت له قصور الشام، وقد أرسلت أمه بعد ولادته إلى جده عبد المطلب لتبشره بحفيده، فجاء مستبشراً، ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، وسماه محمد، رجاء أن يحمد، وهذا الاسم لم يكن معروفاً في العرب، وعق عنه، وختنه في السابع من يومه، وأطعم الناس، كما كان العرب يفعلون.

وأول من أرضعته من المراضع – وذلك بعد أمه بأسبوع – ثويبة مولاة أبي لهب، بلبن ابن لها، يقال له مسروح، وكانت حاضنته أم أيمن (بركة الحبشية)، مولاة والده عبد الله، وقد بقيت حتى أسلمت، وهاجرت، وتوفيت بعد النبي بخمسة أشهر أو بستة أشهر.

وقد رويت العديد من القصص والأخبار التي لم تثبت صحتها عن ولادة النبي ، منها:

1) أن أمنه أم النبي لم ترى أخف، ولا أيسر حملاً منه ، وأنها كانت تلبس التعاويذ من حديد فيتقطع، وأنها رأت في منامها بشارة بجليل مقامه، وأمرت بتسميته بمحمد، ورأت عند استيقاظها صحيفة من ذهب فيها أشعار لتدعو له بها.

2) أنه وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه، رافعاً رأسه إلى السماء، وأنه وضع تحت قدر من حجر، فانفلقت عنه ليبقى بصره شاخصاً إلى السماء، وأنه ولد مختوناً أو ختنه جبر يل .

3) وأن الجان هاتفوا في ليلة مولده، تبشيراً به.

4) وأن بعض الأصنام في المعابد الثونية بمكة انتكاست.

5) وأن إيوان كسرى ارتجاس وسقطت أربع عشرة شرفه من شرفه، وخمدت نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة، وتنتشر في بلاد الفرس.

تاريخ ولادة النبي (7)

لقد اختلف علماء السير في تحديد تاريخ ولادته ، فمنهم من قال: في ربيع الأول، وهو المعروف، ومنهم من قال: كان مولده في رمضان. وهذا القول موافق لقول من قال: أن أمه حملت به في أيام التشريق. ويذكرون أن الفيل جاء مكة في المحرم، وأنه ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوماً.

والجمهور على أن ذلك كان في ربيع الأول، واختلفوا أيّ يوم هو منه؟ على أقوال:

1) ولد في اليوم الثاني من ربيع الأول، وهو قول ابن عبد البر، مستندًا على رواية الواقدي عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني.

2) ولد في الثامن من ربيع الأول، وهو قول ابن حزم، وفيه رواية مالك عن محمد بن جبير بن مطعم، ونقل ابن عبد البر في الاستيعاب تصحيح أهل الفلك له، وهو المقطوع به عند الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي، ورجحه الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير.

3) ولد في العاشر من ربيع الأول، وهو قول الشعبي وأبي جعفر محمد الباقر.

4) ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، نصّ عليه ابن إسحاق، وفيه رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس وجابر، وهو المشهور عند الجمهور.

5) ولد في السابع عشر من ربيع الأول، وهو قول الشيعة.

وليس المقصود التحقق في يوم مولده ، وإنّما الإشارة إلى أنّ العلماء لم يتفقوا على أنّ مولده كان في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول؛ إلا أن القول بأنه كان الثامن من ربيع الأول أقوى وأرجح لعدَّة أمور:

1) أنه الذي نقله مالك وعقيل ويونس بن يزيد ـ وهم من هم ـ عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم.

2) أنّ هذه الرواية أكدتها حسابات الفلكيّين الدقيقة، كما نقل ذلك عنهم ابن عبد البر.

3) أنّ هذا القول رجَّحه جمع من أهل العلم المحققون منهم، كابن حزم والحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي والحافظ ابن دحيَّة في كتابه (التنوير في مولد البشير)، وهو أول كتاب صُنِّف في استحباب المولد.

ولكن وقع أيضاً في شهر ربيع الأول حدثان عظيمان آخران، هما أهمّ من حدث المولد ألا وهما: موت النبي ، وهجرته إلى المدينة.

[align=center]أول من احتفل بالمولد النبوي (8) [/align]

إن الناظر في السيرة النبوية، وتاريخ الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وتابع تابعيهم، بل إلى ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة هجرية لم نجد أحداً، من العلماء، أو من الحكام، أو حتى من عامة الناس قال بالاحتفال بالمولد النبوي، أو أمر به، أو حث عليه، أو تكلم به .

وإن أول من ابتدع ذلك هم ملوك الدولة الفاطمية في القرن الرابع الهجري، ومن تسمى منهم باسم (المعز لدين الله) ، ومعلوم أنه وقومه جميعاً إسماعيليون زنادقة، متفلسفون. أدعياء للنسب النبوي الشريف، فهم من ذرية عبد الله بن ميمون القداح اليهودي الباطني، وقد ادعوا المهدية، وحكموا المسلمين بالتضليل والغواية، وحولوا الدين الى كفر وزندقة وإلحاد.

فهذا الذي تسمى (بالحاكم بأمر الله)، هو الذي ادعى الألوهية، وأسس جملة من المذاهب الباطنية الدرزية أحدها، وأرغم المصريين على سب أبي بكر وعمر وعائشة وعلق ذلك في مساجد المسلمين، ومنع المصريين من صلاة التراويح، ومن العمل نهاراً إلى العمل ليلاً، ونشر الرعب والقتل، واستحل الأموال، وأفسد في الأرض، مما تعجز المجلدات عن الإحاطة به.

وفي عهد هؤلاء الفاطميين أيضاً وبإفسادهم في الأرض أكل المصريون القطط والكلاب وأكلوا الموتى، بل وأكلوا أطفالهم، وفي عهد هؤلاء الذين ابتدعوا بدعة المولد تمكن الفاطميون والقرامطة من قتل الحجاج وتخريب الحج، وخلع الحجر الأسود.

وقال تقي الدين المقريزي: «كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي موسم رأس السنة وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي r، ومولد علي بن أبي طالب ، ومولد الحسن ومولد الحسين ، ومولد فاطمة الزهراء ، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه... » اهـ.

وقال الشيخ محمد بن بخيت المطيعي: «مما أحدث وكثر السؤال عنه الموالد، فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله.. الخ» اهـ.

وقال الشيخ علي محفوظ: «قيل أول من أحدثها - أي الموالد- بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي ، ومولد السيدة فاطمة الزهراء ، ومولد الحسن والحسين ، ومولد الخليفة الحاضر...الخ» اهـ.

[align=center]حكم الاحتفال بالمولد النبوي (9)[/align]

اعلم أيها القارئ الكريم أن الاحتفال بالمولد النبوي، لم يدل عليه دليل من الكتاب، ولا من السنة، ولا الإجماع، ولا القياس الصحيح، ولا حتى دليل عقلي يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، ومن جملة الأدلة التي تدل على عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، هي:

الدليل من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة:3].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

وقال: ﴿اتَّـبـِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف : 3].

وقــال:﴿وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [ الأنعـام : 153].

وقال أيضاً: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:100].

والآيات في هذا المعنى كثيرة، فكيف يكون الاحتفال بالمولد النبوي قربة تقربنا إلى الله، ولو كانت قربة لدل الدليل على ذلك، وإلا فإن مقتضى الاحتفال بالمولد النبوي أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تتعلمه.

بل أكمل الله الدين، وبلغ الرسول البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة ، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبيَّنه الرسول للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه ، فلما لم يقع شيء من ذلك، علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول منها أمته.

الدليل من السنة النبوية:

قال النبي : «من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (10).

وقال : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (11).

وقال : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » (12).

بأبي وأمي أنت يا رسول الله ، قد حذرتنا من الاختلاف، والابتداع، وأوصيتنا بسنتك، وسنة الصحابة وأرضاهم، أي خير سيأتنا من الاحتفال بالمولد النبوي، وهو أمر لم يفعله الرسول ، ولم يفعله الصحابة ، ولم يفعله التابعون، بل فعله أقوام في القرن الرابع هجري، يعني بعد مرور 400 عام، ونأتي ونقول أنها بدعة حسنة.

أقوال العلماء:

لقد صرح جماعة من أهل العلم بإنكار الموالد والتحذير منها؛ عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات؛ كالغلو في رسول الله ، وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنها من البدع الحسنة.

والقاعدة الشرعية : رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله، وسنة رسوله محمد ، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:59]، وقال تعالى :﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:10].

وقد رددنا هذه المسألة إلى كتاب الله سبحانه، فوجدنا يأمرنا باتباع الرسول فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك - أيضاً - إلى سنة الرسول فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به ولا فعله أصحابه ، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.

وساذكر فيما يلي بعض أقوال السلف الصالح في هذا الشأن:

1) قال الشاطبي في ((الاعتصام)) بعد أن عرف البدعة بأنها :طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه : (وقوله في الحد: [تضاهي الشرعية] ، يعني : أنها : أنها تشابه الطريقة الشرعية ، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك ، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة ، منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد ، ضاحياً لا يستظلّ والاختصاص في الانقطاع للعبادة ، والاقتصاد من المأكل والملبس على صنف من غير علَّة .
ومنها : التزام الكيفيات والهيئات المعينة ، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد ، واتخاذ يوم ولادة النبي عيداً ، وما أشبه ذلك ... إلخ ) (13) أ.هـ .

2) وقال ابن الحاج في ((المدخل)) : (فصل في المولد : ومن جملة ما أحدثوه من البدع ، مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات ، وأظهر الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد ، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة) (14) أ.هـ.

3) وقال تاج الدين عمر بن علي اللخمي المشهور بالفاكهاني: (لا أعلم لهذا المولد أصلاً في الكتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكَّالُون) (15) أ.هـ

[align=center]الخاتمة[/align]

وفي الختام، أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها بعد هذا العرض، وهي كالتالي:

1) إن محبة الله ورسوله من أعظم الواجبات، وأكبر أصوله، وأجل قواعده.

2) من أهم مظاهر المحبة الشرعية:

أ. أن يكون الله أحب شيء إلى العبد.
ب. طاعة رسوله ، وتقديمها على طاعة كل أحد.

3) ينقسم الناس في محبة الرسول إلى ثلاثة أقسام:

أ. أهل إفراط: وهم أهل الغلو في محبته .
ب. أهل تفريط: وهم الذين لم يراعوا حقوقه .
ج. أهل الوسط، وهم الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكماً، وقاموا بمقتضاها اعتقاداً، وقولاً، وعملاً.

4) ولد الرسول بشعب بني هاشم بمكة، وأول من أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، وكانت حاضنته أم أيمن، وما يروى من قصص وأخبار أخرى عن ولادته، لم تثبت صحتها.

5) اختلف علماء السير في تحديد تاريخ ولادته ، والراجح هو 8 من ربيع الأول.

6) أول من احتفل بالمولد هم الفاطميون في القرن الرابع عشر.

7) لقد دلت آيات القرآن الكريم، وأحاديث السنة النبوية على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي.

8) أي عقل يدعون للاحتفال بالمولد النبوي، ولم يفعله الرسول ، ولا الصحابة، ولا التابعين، بل لم يتحفل بمولده إلا بعد مرور 400 عام.

9) عند اختلاف العلماء في مسألة، فلابد من رد التنازع إلى الكتاب، وسنة الرسول ، والعبرة بمن وافق الدليل، وليس العبرة بكثرة الأقوال، والرجال.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

(1) مجموعة الفتاوى [10/49 و 206].
(2) انظر: تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي [2/210-214]، ومدارج السالكين [2/183 و 3/22 وما بعدها].
(3) انظر: مجموعة الفتاوى [18/316]، وحقوق النبي على أمته في ضوء الكتاب والسنة [1/285].
(4) حقوق النبي على أمته [1/289-299] بتصرف.
(5) روضة الأنوار في سيرة النبي المختار ، ص5.
(6) انظر: الرحيق المختوم، ص71، وروضة الأنوار ص9-10، والسيرة النبوية الصحيحة، [1/98].
(7) انظر: السيرة النبوية لابن هشام [1/195]، وسير أعلام النبلاء – السيرة النبوية – المعروف بتاريخ الإسلام [1/33-37]، والملف العلمي للمولد النبوي، موقع المنبر للخطب: http://www.alminbar.net/malafilmy/maulud/1/4.htm
(8) انظر: المولد النبوي تاريخه، حكمه ، آثاره ، أقوال العلماء فيه على اختلاف البلدان والمذاهب، لناصر بن يحيى الحنيني، موقع صيد الفوائد.
وحقيقة الاحتفال بالمولد النبوي، لعبد الرحمن عبد الخالق، موقع صيد الفوائد.
و القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، لإسماعيل الأنصاري ص64-72.
والمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، لتقي الدين المقريزي، [1/490].
وأحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام، لمحمد بن بخيت المطيعي،ص44.
والإبداع في مضار الابتداع، لعلي محفوظ، ص251.
والبدع الحولية، لعبد الله التويجري، ص136 وما بعدها.
(9) انظر: حكم الاحتفال بالمولد النبوي، لعبد العزيز بن باز، موقع صيد الفوائد.
وحكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، لصالح الفوزان، موقع صيد الفوائد.
والبدع الحولية، لعبد الله التويجري، ص 199-200.
(10) رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (43) و (44).
(11) رواه البخاري (2697).
(12) رواه مسلم (1718).
(13) الاعتصام (1/39).
(14) المدخل (2/2-10).
(15) الحاوي للسيوطي (1/190-192 ) .[/align]