دين فيه خير قريش والعرب، وخير النصارى، العصور الوسطى والحديثة، بقلم طارق منينة
و... "الأساس المشترك للإنكار"

كيف لقريش ان تصف النبي قبل البعثة بالصادق الأمين ثم تنقلب عليه وعلى شخصه صلي الله عليه وسلم لما دعاها الي الله ، فقد طعنت فيه -اللهم الا عقلاء منها أسلموا مبكرا- وعابته ورمته بالجنون والكهانة والسحر ،يقول ابن اسحاق "رموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون"السيرة النبوية لابن هشام ،دار الصحابة-ط1 ، 1995ج1ص464)، لقد كانوا يعلمون في أعماق نفوسهم أنه صلي الله عليه وسلم لم يكن جهولا ولاكاذبا فقد كان كما عهدوه منذ الصغر عاقلا صادقا أمينا ، وقد قال أحد كبارهم وهو الطاغية النضر بن الحارث-لإخوانه حتي وهو يواجه الرسول أن محمد كان أرضاهم وأصدقهم وأعظمهم أمانة، هو " أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً"(السيرة النبوية ص 377) حتي ان احدهم –"ابو جهل"-قال ايضا بعد أذيته لرسول الله -ماجعل الرسول يدعو عليه وعلي من شاركه في ذلك -"إنصرف ياأبا القاسم فوالله ماكنت جهولا"والحديث رواه أحمد ،والبيهقي في الدلائل، والطبري في تاريخه كلهم من طريق ابن إسحاق وقد صرح ابن إسحاق بالسماع(انظر تخريجه في السيرة النبوية لابن هشام ،طبعة1 دار الصحابة،1995،ج1 ص364) فهو كان يعرف شخصية الرسول ولكنه التمحل والتقلب والطغيان والإستعناء والمكانة المهلكة "كلا إن الإنسان ليطغي أن رآه إستغني" وانه ليبدو لي أن الإنقلاب غير مبرر ، إنقلاب قيادات قريش علي الرسول إنما هو عادة سيئة منحطة وسنة طاغوتية مسرفة في الكذب والبهتان والتعالي، وهي تنتشر في الأمم والجماعات والأفراد كلما إنحطت المجتمعات وطغت القيادات ، وقد تكون أسبابها الأولية إسراف مالي واستحواذ على الثروة أو انحرافات أخلاقية أو أهواء متنامية.
كلنا يعرف واقعة اليهود مع سيدهم وكيف كشف الرسول تقلبات أمزجتهم الطاغية بمثال واقعي!، اذ سألهم عن سيدهم عبد الله بن سلام فقالوا سيدنا وابن سيدنا ثم فاجأهم بسيدهم واسلامه بعد ان حكموا عليه حكما منصفا مجردا! فإنقلبوا عليه في نفس اللحظة التي مدحوه فيها بقوة وهو مازال معهم ،او بالأحرى إنقلبوا عليه في لحظة لاحقة بعد أن عرفوا بإنتقاله إلى الإسلام وتصديقه للرسول محمد، فعكسوا الصفات وقلبوا الأخلاق والأمانات وغيروا الشخصية وقلبوا الحسنات سيئات وكأنهم يتكلمون عن شخص آخر! فقالوا شرنا وابن شرنا! ،وهكذا فعلت قريش مع النبي في مكة.
روي البخاري من حديث حميد عن أنس في قصة إسلام الصحابي الجليل عبد الله بن سلام ".....إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني ، فجاءت اليهودإليه ، فقال : أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا خيرنا وابن خيرنا ، سيدنا ، وابن سيدنا ، قال: ؟ أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام قالوا أعاذه الله من ذلك ، فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، قالوا : شرنا وابن شرنا . وانتقصوه، قال : هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. "
لم يقف الهوي بقريش عند هذه الإتهامات الطائشة والتي سيتلقفها العلمانيون والمستشرقون لاحقا لإقامة سيناريوهات مزيفة ، من نتف يملئها الهوى . وعلى كل فقادة قريش المتعجرفون لم يكونوا على شيء من الجدية في كثير من سخافاتهم النقدية أو الحوارية أو التهكمية التي أطلقوها لا إتهاما للرسول في الحقيقة وإنما تكذيبا للوحي الذي فيه خيرهم وخير العالم من الناحية المادية والروحية، وغفلة عن الأخرة والحساب العسير لما إقترفوه في الدنيا من استعباد وإذلال للخلق وعدم العدل وتحكيم الهوى.
والآيات التالية تعرض حقيقة هذه النفسية (الدهرية/العلمانية/الإستشراقية)وتفضح ميولها وإرادتها وبنيتها النفسية وسبب رفضها ومصدر حنقها وتشابه قلوبها وتشكيلتها النفسية ، قال تعالي "قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بايات الله يجحدون"(سورة الأنعام: آية 33) فلو اختير غير النبي ممن يأمنونه ويحبونه لنفس الأمر ونفس الرسالة لجحدوه ولطعنوا فيه فالأمرلايتعلق بالنبي ولكن بالنبوة وحقيقة ماجاءت به وعدل رسالتها الإسلامية بين البشر ومساواتها بين الناس. والعيب ليس في المرسل من الله وإنما في طائفة ظالمة تشابهت أصولها النفسية علي مر العصور ، تقول كارين آرمسترونح -وهي مستشرقة معاصرة- كاشفة عن نفسية الغربيين الذين شوهوا حقيقة دعوة النبي واخترعوا أساطير كاذبة " إن هذه الأساطير تكشف عن إضطراب غير صحي ، وعن مرض في النفسية الغربية"( كتابها "الإسلام في مرآة الغرب، محاولة جديدة في فهم الإسلام، ترجمة محمد الجورا ،دار الحصاد-دمشق ط2،2002 ص30) وتعلل بأنه "الحقد القديم"(ص33) ودافع الكراهية ،ويقول مزنتجمري وات "إن تشويه صورة الإسلام كان أمرا ضروريا للأوروبيين لكي يعوضوا عن هذا الشعور بالنقص"(أثر الحضارة الإسلامية علي أوروبا ص 160) والغريب أن وات وكارين مع مكسيم رودنسون ذهبوا الي افكار مادية وحداثية في تفسير الوحي وتاريخ النبي فضلوا فيه وأضلوا به! ..ولذلك يمكنني أن أقول ان الوهم والتوهم الذي رسخته الترسانة اللاشعورية للإستشراق والمستنفده تاريخيا لم يعد لها بصيغتها القديمة فاعلية إلا بقدر إدماجها في المنظومة العلمانية التي تحول التهم القديمة إلي قوة دفع بعد تمريرها في الجديد من الأساطير الحداثية والتفسيرات المادية فغاية هؤلاء مقابلة فاسد قديمهم بجديدهم وكما قال ابن تيمية عن هذا الطريق"..لاحصل لهؤلاء نور الهدي ولا لأولئك وإنما يحصل النور والهدي بأن يقابل الفاسد بالصالح والباطل بالحق،..والضلال بالهدي والكذب بالصدق (درء تعارض العقل والنقل،طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1991م(1/376).فهذا التردي والجحود بآيات الله وذلك الإستكبار المتمكن من العقول والنفوس ، وهذا الإخفاق والعجز الواضح في الفكر والإرادة والحكم العادل المنصف–مهما إحتجوا بظاهر من الحياة الدنيا فهم لم يحيطوا بالظواهر كلها ولم ينتهوا الي نتيحة عقلية كلية –فضلا عن انهم حرفوا وأخفوا أمور ضرورية في المقارنة والحكم –مع التهافت علي المراكز والسعي إلى مكانة اجتماعية او اقتصادية اوشخصية أدى ذلك أو بعضه الي الضلال البعيد والإنكار البائس و الوقوع في أسر نظريات خاطئة او غضب منحط الأعمال والأقوال والأفعال، ماأوقعهم في الضلال البعيد ، ذلك أن فضل رسالة الرسول على البشرية إلى اليوم عظيم فلم تتوجه البشرية هذه الوجهة العلمية في النظر للكون وقوانينه والأسباب وفاعليتها في الآفاق الا بعد أن جاء القرآن وأدار التاريخ من جديد إلى وجهته الصحيحة بعد ان غرق في متاهات الضلالات وخلل الخيالات والأهواء ، قال تعالي " افترى على الله كذبا ام به جنة بل الذين لا يؤمنون بالاخرة في العذاب والضلال البعيد "(سورة سبأ: آية 8) وقال " ... فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون" (سورة النحل: آية 22) " ذلك بانهم استحبوا الحياة الدنيا على الاخرة وان الله لا يهدي القوم الكافرين"( سورة النحل: آية 107)" ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا "(سورة الإسراء: آية 72)" بل إدارك علمهم في الاخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون "( سورة النمل: آية 66) " كلا بل لا يخافون الاخرة"( سورة المدثر: آية 53) "بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو إتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون"(المؤمنون:71)
لقد جاء النبي بالدين والحضارة ، والعلم والعقل المنير، وحقائق الكون والتاريخ والإنسان، واستفاد من رسالته الشرق والغرب، الشمال والجنوب، في المادة والروح، في القانون والحياة.