بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا يليق بإله الكون وخالق الخلق أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظَّم نبيه ونفى السؤَ عنه وذكى أخلاقه، فقال -تعالى-: (وإِنَّكَ لَعَلَى خُلِقٍ عَظِيم)، وعَلِمَ –سبحانه- أن أعداءه سوف ينالون منه ويستهزؤن به؛ لأن عظمتَه فاقت عظمتَ العظماء فتكفل –سبحانه- بالدفاع عنه فقال: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الـمُسْتَهْزِئِين).
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، إمام المتقين، وسيد الأولين والأخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، مهما زاد أو بلغ حقد الحاقدين أو كيد الكائدين.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهاهي الأحداث تتكرر، والإساءة لسيد المرسلين تتجدد من أعدائه الذين يحملون له كل الحقد والبغض والكراهية في قلوبهم؛ وهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة لنبينا --.
وليس هذا الحقد والبغض بسبب ما يدعونه من أسباب واهية، من أنَّه رجلٌ كان يعشق النساءَ بشدة بسببِ شهوتِه العارمة، التي جعلته يتزوجُ بالكثير منهن، فضلاً عما ملكتْ يمينه.
أَو أَنَّه -- نشر دينَه الذي كان يدَّعيه، بالقهرِ والقسرِ وقوةِ السيفِ كما يدعون أيضًا؛ لكن الحقيقة أن كرهَهُم لرسولِ الله -- بسبِ منزلتِه وعظمتِه عند ربهِ --، هذه المنزلةُ التي لم ينلْها أحدٌ من الأنبياءِ من قبله، من لدن آدمَ حتى سيدنَا عيسى –على الجميعِ الصلاة والسلام-.
وكذلك فأمتُه -- هي خيرُ الأممِ على الإطلاق؛ فقد جعلها الله -تعالى- أمة شاهدة على صدقِ إيمانِ جميعِ الأممِ السابقةِ لها؛ حيثُ قال اللهُ -سبحانه-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...)، فأُمةُ محمدٍ -- هي التي ستشهدُ على سائرِ الأممِ بما فعلوا مع أنبيائِهم ورسلِهم، هل أطاعوا أنبيائَهم فأمنوا بربِهم ونفذوا تعاليمَ وأوامرَ دينِهم؛ أم أنهم عصوا أنبيائَهم فكفروا بربِهم، وخالفوا تعاليمَ وأوامرَ دينِهم.
فأعداءُ الإسلام هم أنفسُهم يشهدون بصدقِ نبي الإسلام، لكنهم يكفرون به جحودًا واستكبارًا، وهذا ما أخبر به ربنُا –- نبيَه -- فقال: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونِ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآيَت اللهِ يَجَحَدُون).
ولكن، وبعدَ كلِ هذا البغضِ والحقد، وكلِ هذه الكراهيةِ والسخرية، وكلِ هذا التهكمِ والاستهزاء، فإنَّ هذا كلَه لنْ ينالَ مِن قدرِ وعظمةِ رسولنا -- شئ مهما بلغ، بل ربما حدث العكس.
فأَى شخصيةٍ هذه، وأَى رجلٍ هذا الذي يظلُ أعداؤه يطاردونَه وينالون منهُ في حياتِهِ وحتى بعدَ مماتِهِ بلْ وإِلى قيامِ الساعة؟! لابد أنَّها شخصيةٌ غيرُ عادية، ورجلٌ عظيمٌ ليسَ ككلِ الرجال، بل هو رجلٌ فاقَ جميعَ أَقرانِه مِن بني جنسِه مِن البشرِ --.
وهذه الأحداثُ قد تأتي أحيانًا بعكسِ ما أُريد به مِن إهانة؛ فربما كانت سببًا في دفعِ مَن لمْ يعرفْ رسولَ اللهِ -- أَنْ يتعرفَ على سيرتِه، وأَنَّ يقرأَ في سنتِه، بل ما مِن حدثٍ مثل هذا يحدثُ، إلا ويدخلُ بعدَه عددٌ كبيرٌ من غيرِ المسلمينَ في هذا الإسلامِ الذي يسخرون منه ومِن نبيِه --، فربَ ضارةِ نافعة؛ فهذه دعايةٌ منهم لدينِ مَن يسخرون منه ومِن دينِه، فلْيَمُتُوا بِغَيْظِهِم.
ولكنَّ السؤالَ الذي لابدَ أَنْ يُطرح وأَنْ يُناقشَ الآن هو: ماهي الأسبابُ التي جعلتْ أعداءَ الإسلامِ يجددونَ الإِساءةَ لنبي الإسلامِ دونَ خوفٍ أَو تقديرٍ لمشاعرِ المسلمين؟
وإجابةُ هذا السؤالِ -مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي- تندرجُ تحتَ سببينِ رئِيسيين:
الأَول: ضعفُ المؤسساتِ الإسلاميةِ العالمية: كالأزهرِ الشريف، ومنظمةِ المؤتمرِ الإسلامي، ورابطةِ العالمِ الإسلامي، وغيرِهم مِن المؤسساتِ الإسلاميةِ العالمية، التي تتعاملُ بحالةٍ مِن الخنوعِ واللينِ المفرطِ مِنهم في الردِ على مثلِ هذه الإساءات.
فغالبًا ما يتوقفُ الردُ منهم عِند حدِ الشجبِ والإدانةِ والاستنكارِ والتنديد، دونَ اللجؤِ إِلى أَخذِ مواقفَ حاسمة رادعة سريعة فاعلة: كإعطاءِ الأوامرِ إلى حكامِ جميعِ البلادِ الإسلاميةِ بأَنْ يطلبوا مِن حكومةِ الدولةِ المسيئةِ أَنْ يأخذوا كافةَ الإجراءاتِ اللازمةِ الحاسمةِ مع مَن أَساءَ للإسلامِ أَو لنبيِه --، مع تقديمِ اعتذارٍ رسمي في جميعِ وسائلِ الإعلامِ الرسمية، وإلا فسيتمُ قطعُ جميعِ العلاقاتِ مع هذه الدولةِ المسيئة، وكذلك طردُ سفيرِها من أرضِها، مع سحبِ سفيرِ الدولةِ المسلمةِ من أرضِ هذه الدولةِ المسيئة.
وهذا هو أقلُ ردٍ يمكنُ أَنْ تقومَ به المؤسساتُ الإسلامية، وكذا الحكوماتُ المسلمةِ في مقابلِ هذه الإساءاتِ القبيحة.
أما السببُ الثاني من الأسبابِ التي جعلتْ أعداءَ الإسلامِ يتجرؤنَ على دينِ ونبي الإسلام --: هو انشغالُ المسلمينَ وغفلتُهم عن دينِهم بدنيَاهُم؛ فإذا نظرنا إلى حالِ المسلمينَ اليوم؛ لوجدنا أَنَّهم هم أولُ مَن أساءَ لنبِيهم --؛ فقد ابتعدوا عن سنتِه، وتغافلوا عن سيرتِه؛ وذهبوا وسارعوا إلى ما نهاهم عنه، وتركوا وضيعوا ما أمرهم به، بل ربما تعدى الأمرُ إلى أَنْ يسخرَ المسلمونَ أَنفسُهم مِمن أَرادَ أَنْ يطبقَ سنتَه --، مع أَنَّنا مطالبونَ باتباعِه -- في سنتِه وسيرتِه وصورتِه وسريرتِه، فنهجرُ اليومَ كلَ هذا وندَّعي أَنَّنا نغضبُ مِمن أَساءَ لحضرته؟!
هذان -فِي تَقْدِيرِي- هما السببانِ الرئيسييانِ اللذانِ جرَّأ أَعداءَ الإِسلامِ على الإِساءةِ للإِسلامِ ولنبي الإِسلامِ --.
وبعد هذا كُلِّه نقول: كيفَ ندافعُ عن نبيِنا محمدٍ -
وللإِجابةِ على هذا السؤالِ نقول: هناكَ وسائل كثيرة يمكنُ بها أَنْ ندافعَ عن حبيبِنا محمدٍ -- منها:
-ضرورةُ التعاملِ بحزمٍ مِن المؤسساتِ والحكوماتِ الإسلاميةِ مع هذه الدولِ المسيئةِ بلا رفقٍ ولا هوان.
-أَنْ نتعرفَ عليه -- مِن خلالِ دراسةِ سنتِه وسيرتِه وشمائلِه.
-أَنْ نقدمَ محبَتَه -- على النفسِ والمالِ والولد.
-أَنْ نكثرَ مِن الصلاةِ والسلامِ عليهِ --.
-أَنْ نبذلَ الأموالَ والأوقاتَ في نشرِ دعوتِه وسيرتِه --.
-أَنْ نقاطعَ بضائعَ وشركاتِ مَن يتطاولونَ عليه --.
-أَنْ نُعلِّمَ سيرتَه وسنتَه لأَبنائِنا، وجعلِ ذلك ضمن مناهجِنا الدراسية.
وختامًا أَقول:
عذرًا حبيبي رسولَ الله!
فقد قامتْ الدُنيا ولمْ تقعد؛ لأنَّ حثالة مِن البشرِ سخِروا منكَ واستهزؤا بكَ وتعمدوا إهانتَك، مع أنَّنا نحنُ المسلمين أول من قصَّرَ في حقك؛ لأنَّنا ضيعنَا سنتَك، وأعرضنَا عن شمائِلك وهجرنَا سيرتَك.
عذرًا حبيبي رسولَ الله!
فنحنُ ندَّعي محبتَك؛ لكنَّنا نستحي من تطبيقِ سنتِك، واليوم نغضبُ ممن اعتدى على عرضِك ونالَ من شريعتِك؟
عذرًا حبيبي رسولَ الله!
فنحنُ ندَّعي أنَّنا نسيرُ على خُطوتِك، ونحنُ لا نعلمُ شئً عن سيرتِك، ولا عن أهلِ بيتِك أَو صحبتِك.
عذرًا حبيبي رسولَ الله!
فتُرى كيف سنقفُ أَمامكَ وندَّعي أَنَّنا من أَبناءِ أُمتِك، ونطلبُ منكَ وننتظرُ شفاعتَك، ونحنُ الذين قصَّرنَا في حقِكَ وهجرنَا سُنتَك؟!
عذرًا حبيبي رسولَ الله!
فيكفيكَ أَنَّ ربكَ قد تكفلَ بالذبِ عن حضرتِك، وتوعدَ مَن انتقصَ مِن قدرِكَ أَو استهزءَ بشريعتِك.

ليلة الجمعة 27شوال1433م
14/9/2012م