سَتر وجه المرأة بين الفريضة والفضيلة
لا ينكر عاقل أن الوجه هو منبع المحاسن ، وبالتالي ففي تغطية النساء وجوههن فضيلة عظيمة ، لأن في ذلك حفظ المجتمع من الافتتان بالمرأة ، ومعلوم أن الفتنة بها شديدة ، ففي الصحيحين عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ " ، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ tعَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ " .
وفي ستر الوجه - أيضًا - صيانة المرأة من مرضى القلوب وأهل الريب ؛ وحفظ عفتها وكرامتها ووقارها ؛ فهو دلالة على كمالها وعلو شرفها .
ومسألة تغطية المرأة وجهها إذا خرجت لحاجة فيها نزاع قديم متجدد ، ولم يخرج هذا النزاع بين العلماء عن كون تغطية الوجه فريضة أو فضيلة ؛ بل ذهب من قال بفضيلته لا بفرضيته إلى أن المرأة إذا كانت جميلة تفتن الرجال إذا خرجت كاشفة عن وجهها ، فإنها يجب عليها أن تغطي وجهها ، فإن لم تفعل أثمت . هذا خلاصة أقوال العلماء في هذه المسألة .
وكان هذا الأمر معروفًا على مر التاريخ أنه من مكارم الأخلاق ، ومن دلالة نخوة الرجال وغيرتهم ؛ روى البهقي في ( شعب الإيمان ) عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى الرازي قال : حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي ، وقدَّمت امرأةٌ زوجَها إليه ، فادعت عليه مهرها خمسمائة دينار ، فأنكر الرجل ، فقال وكيل المرأة : قد أحضرت شهودي ، فقال واحد من الشهود : أنظر إلى المرأة ؛ فقام وقامت ، فقال الزوج : يفعل ماذا ؟ ينظر إلى امرأتي ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فإني أشهد القاضي أن لها عليَّ مهرها خمسمائة دينار كلها ذهبًا عينًا مثاقيل ؛ ولا تسفر عن وجهها ، قالت المرأة : فإني أشهد القاضي أني قد وهبتها له ؛ قال القاضي : يكتب هذا في مكارم الأخلاق [1] .
لكن العجيب ما نراه في زماننا هذا من بعض الذين يجادلون بغير علم أو بسوء قصد ، أو بهما معًا ، فإنكار أن النقاب من شرع الله تعالى جهل بلا شك ؛ ومحاولة الحط من المنقبات ووصف النقاب بما لا يليق لا يمكن أن يكون بحسن قصد ، إذ فيه محاربة للفضيلة – بلا شك - على أقل تقدير .... والله الموعد .
والعجب أن هؤلاء الذين أعملوا أقلامهم وألسنتهم في الحرب على النقاب ، لم نر منهم أحدًا ينتقد التبرج وعري النساء ، لأنهم يزعمون أن ذلك حرية شخصية .. أليس هذا مما يدعو للعجب : أن يكون العري والتفسخ حرية شخصية لا تنتقد ولا تنكر ، وأما النقاب والفضيلة فلا يعتبر حرية شخصية ، ويحارب وينتقد ؟
أإذا اختارت امرأة الفضيلة حفظًا لعفتها وكرامتها ، وطاعة لربها ؛ تحارب وتتهم ، وتهدد بما يتعلق بمقومات حياتها أحيانا ؟! إن هذا لشيء عجاب .
والأعجب من ذلك أن تنسج القصص والحكايات عن مجرم تستر بالنقاب ليرتكب جريمة ؛ أو فاجرة تسترت بالنقاب لترتكب فاحشة .
وعلى فرض صحة مثل هذه الروايات ؛ هل هذا مدعاة للحمل على النقاب ؟ هل في فعل أفراد من الفساق من ذلك شيئًا ، تنقلب الفضائل إلى رذائل ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟
لقد سمعنا وقرأنا عن من يتستر بلباس الشرطة ليرتكب جريمة ، فهل هذا مدعاة للحمل على لباس الشرطة ؟ ... اتقوا الله عباد الله !
ولله در القائل :
ويَشِيعُ بلا خَجَلٍ بأنَّ نِساءَنا ... بنقابِهنَّ أَرَدْنَ سَترَ الرَّانِ
كلا وحقِ اللهِ لَسْنَ دواعرًا ... بلْ طُهَّرًا كالرَوحِ والريحانِ
صبرًا أيا أُخْتَاهُ لا تَتَحَزَّني ... فلقد أتى في مُحْكَمِ القرآنِ
لَمَّا تَطَهَّرَ آلُ لوطٍ، وابتغوا ... عندَ الطهارةِ راحةَ الأبدانِ
قال الذين تَنَكَّبُوا سُبُلَ الْهُدى ... وأَبَوْا سوى الأقذارِ والأدرانِ
أنْ فارْحَلُّوا عنَّا فلسنا نُريدكمْ ... أو فارجعوا فيها عن الطُهْرَانِ
لقد اتخذ من لا خلاق لهم - من أعداء الفضيلة - التستر ولبس النقاب غرضًا ، يحاولون ويحاولن بكل وسيلة النيل منه ، والتأثير على المؤمنات لخلعه ، وكلما رأوا أن حملتهم لم تثمر شيئًا غاظهم ذلك ، فسكتوا على غيظ ، ثم يعودون بعد فترة ليثيروا هذه المسألة من جديد بشبهة جديدة ، ومحاولة آثمة ؛ فلتحرص الأخت المؤمنة على الفضيلة ، ولا تستمع لهؤلاء ؛ فإنهم ممن يصدق فيهم قول الله تعالى : ] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا[ [ النساء : 27 ] .



[1]- شعب الإيمان للبيهقي ( 10804 ) .