كُن إيجابياً

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأسعد الله أوقاتكم وجُمعتكم بكل خير. اليوم أحب أن أشارككم في موقف حدث معي وأنا في بداية الفصل الدراسي الجديد مع طلابي في الجامعة. مادة الحضارة الإسلامية مادة اعتاد الطلبة في مختلف المعاهد والمراكز والجامعات أن يتوقعوا من دراستها مجرّد سرد للأحداث التاريخية ولإنجازات المسلمين الحضارية في مختلف فروع العلم والمعرفة من طب وفلك ورياضيات وما شابه. ولكن في الحقيقة كان لي تصوراً آخر يختلف عن هذا، ما كنت قد وضعته من أهداف في مادة الحضارة الإسلامي أن يخرج كل طالب وطالبة بمشروعه الحضاري الخاص به علنا نستطيع أن نبني ولو لبنة واحدة في إعادة بناء وإحياء الحضارة الإسلامية من جديد عوضاً عن التغني بأمجادها وإنجازاتها السابقة.

دخلت القاعة وبدأت أشرح للطلبة المشروع الحضاري الذي أتوقع منهم أن يقوموا به وكيف أننا سنقوم بإنجازه من خلال فصل كامل على مدى خطوات وكل خطوة تقاس وتحسب ويحسب فيها مدى النجاح. وجدت فتوراً شديداً بين معظم الطلبة، تساءلت: لِمَ هذا الفتور؟! فوجئت إلى حد كبير بحالة الحزن والسلبية التي وصلت بهؤلاء الشباب، العديد منهم، الغالبية منهم إلى حد عدم الرغبة في عمل أي شيء! سلبية وصلت إلى الحد الذي يمكن أن نسميه عجز حقيقي وعدم رغبة في القيام بالعمل. وحين ناقشت المسألة أثار عدد منهم تساؤلات مشروعة تماماً: ما فائدة أن أعمل وغيري يهدم؟! ما فائدة أن أشيّد بنياناً مهما بلغ من القوة والرصانة والمتانة ثم يأتي أحدهم في طرفة عين ليهدم ما بنيت؟! ليهدم ما أفنيت فيه من ساعات عمري وشبابي وجهدي وطموحي ومالي وقدراتي ومواهبي، ما فائدة البناء؟!

أثار العديد منهم مسألة الشرّ وكيف أن أهل الشر أو كما يقال أهل الحرام وأولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال شيئاً يُذكر فالساحة مفتوحة للشر وأهله، لشياطين الجن والإنس يرتاعون فيها كما يشاؤون وثمة مساحة محدودة جداً وضيقة ينافسون عليها أهل الخير ويحاصرونهم من كل مكان. لِمَ أهل الشر قد استحوذوا على كل شيء؟! لِمَ أهل الشر يترقّون في المناصب ويتسلقون عليها؟! لِمَ أهل الشر يمتلكون السلطة والنفوذ والمال؟! لِمَ يتحكّمون في مصائرنا؟! لِمَ يتحكمون في مصائر العديد من الشعوب والمؤسسات والمجتمعات ويحرّكونها وفق أهوائهم وشهواتهم ونزواتهم؟! أكيد الأسئلة في غاية المشروعية، لا غبار على ذلك! ولكن أعتقد - ولا أدري إن كنتم تشاركوني هذا الرأي أم لا – أن القرآن العظيم حين يحدّثني عن قصص الأقوام السابقة ومواقف الأنبياء ومواقف أقوام الأنبياء وردود أفعالهم مع هؤلاء الأنبياء ومع المُصلحين كقاعدة عامة يحدّد لي أن وجود الشر والفساد مع الخير في صراع إنما هو جزء من الامتحان والابتلاء. لا قيمة لفوز فريق في كرة القدم على نفسه دون أن يكون هناك فريق آخر ينافسه، يتحدّاه، يوجه له الضربات في مرماه لكي يقوّي عنده الدفاع ويصدّ عنه الهجوم. وجود الشر، وجود السواد إلى جانب البياض في المجتمع أمرٌ لا بد منه، هو جزء من هذا الابتلاء، هو جزء من مدى امتحان قدرتي وصلابتي على الثبات أمام الشر. خير بدون شر لا يمكن أن يُعرف معناه ولا تُعرف قيمته. أبيض بدون سواد أو ألوان أخرى مختلفة لا يمكن أن يُعرف ولا تُعرف قيمة الصفاء الموجودة في اللون الأبيض. وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن أبحث عن الشر وأصنعه لا، ولكن هذا يعني أني حين أواجَه وأجابَه في واقع الحياة وفي المؤسسات التي أعمل فيها في جامعة في مدرسة في شركة في أي مجال حين أواجَه وأجابَه من قبل قوى الشر المختلفة على تنوع أشكالها وأشخاصها لا أصاب بصدمة، لا أصاب بإحباط وإنما بالعكس يمكن أن يكون هذا نوع من أنواع المقوّيات لأجهزة الدفاع لديّ، هذا ضروري جداً في مسيرة الحياة. في نفس الوقت أنا مطلوب مني أن أقوم بعمل، أنا أُساءل على عملي كفرد، أنا لا أُساءل عن أهل الشر ماذا فعلوا وماذا صنعوا؟ ولكني أُساءل أمام الله عما فعلته تجاه أهل الشر والفساد، عن مدى سعيي وعملي على هذه الأرض لإيقاف مدّ الشر والفساد، لإيقاف مظاهر الفساد التي بدأت تستشري في المجتمع حتى كأنها سرطان في مراحله المتقدمة. أنا لا يُطلب مني الاستسلام، أنا لا يُطلب مني الإحباط، نفسية المُحبَط لا يمكن أن تكون نفسية إنسان فاعل ولا مُنتِج في واقع الحياة! في نفس الوقت أنا مطالب تماماً بأن أراجع العمل الذي أقوم به وأتأكد أني أقوم بخطوات صحيحة وأحدد الهدف الذي أريد.

ودعونا نكون على شيء من التواضع والتبسيط في تحديد أهدافنا. على سبيل المثال أنا لما أطلب من الطلبة ومن الشباب أن يحدد هدفه في مشروعه الحضاري على هذه الأرض لا أطلب منه مشروعاً حضارياً خارج إمكانياته المادية أو العقلية أو أو، لا، أنا لا أطالب الطالب بما يطالَب به أستاذ على سبيل المثال، ولا أطالب موظف صغير في شركة بما يطالب به رئيس حكومة أو رئيس دولة، هذا غير ممكن. ضمن الإمكانيات، ضمن الحدود التي أمتلكها أنا وأنت. دعونا نتحرك ضمن الإطار الموجود المتوافر لدينا

الأسبوع الماضي تحدثنا عن قضية الفيلم الذي أُسيء فيه للنبي تحدثنا عن ردة الفعل العنيفة غير المبررة لهذا الفيلم تحدثنا عن كيف يمكن أن أحدد موقفي وتصرفاتي ولا تكون أفعالي مجرد ردود فعل. في نفس الوقت تطرق إلى سمعي العديد من التعليقات، بعض التعليقات تقول الأفضل أن لا نفعل شيئاً وأنا أقول خطأ، غير صحيح، ليس المطلوب مني أن أتفرج وأنا أنظر وأسمع بأذني إلى انتهاك ديني ورمز النبي وما يحمله من معان عظيمة ومقاصد مهمة في التشريع وفي حياة المسلمين على مختلف نواحيها وأقف أتفرج ساكناً لا أفعل شيئاً! هذه سلبية! هذا إحباط! التصرف هو الذي طرحناه كاقتراح في المرة السابقة أن أتحرك ضمن الأُطر التي ينبغي أن أتحرك فيها: نشر دعاية، إعلانات، قضايا حقوق حريات، قضايا حقوق إنسان، قضايا عدم الاعتداء على الحريات، عدم الاعتداء على الأديان، المطالبة بالمؤسسات الدولية والزخ بقوة بكل ما أوتينا من قوة معنوية وإعلامية ومادية لأجل أن نوقف الشر المترتب على أهل الشر والفساد الذي باتوا يسلّطون أقلامهم وألسنتهم وكتبهم على الأديان وبخاصة الدين الإسلامي على اعتبار أن الغالبية على المسلمين، أناس في حالة من اليأس والإحباط والهزيمة والتردي والفشل والتراجع. هذه المساحة لا ينبغي أن أتركها أمام أهل الشر، ينبغي أن أواجه بكل ما أوتيت من وسائل منطقية وفق خطط وأهداف استراتيجية. من منا فكّر في أن يكون مشروعه الحضاري على مدى العشر سنوات القادمة أن يحقق فعلاً الهدف في الصد عن الأديان بشكل عام؟ في تحقيق نوع من السقف للحرية المحدودة وليس للحرية المطلقة للفرد التي تتحول إلى فوضى عارمة تسحق أمامها كل الأديان وكل مقدسات الآخرين وتنتهك حرياتهم وأفعالهم وإراداتهم ومعتقداتهم. لم لا نجعل من فعل كهذا محفزاً قوياً لأجل أن نتحرك ويكون لنا مشاريع حضارية؟! لِمَ لا أضع أهداف قصيرة المدى بحيث أن أستطيع أن أتمكن من قياسها كما يقولون في عالم الجودة، أتمكن من قياس ما حققت وما لم أحقق ومحاولة تصحيح أنا حين فشلت ولم أحقق أهدافي لماذا فشلت؟ لم لم أحقق أهدافي؟ ما الذي يمكن أن أتلافاه؟ هذا مطلوب منا كأفراد، مطلوب منا كجماعات أما حالة اليأس والإحباط والسير على البَرَكة كما يقال فنحن من قرون ونحن نسير على البركة ولم تأت تلك البركة الموهومة بشيء من الإنجاز ولا بالخير علينا وعلى مجتمعاتنا ولا على ديننا!. آن الأوان أن نستيقظ، آن الأوان أن ننفض عنا غبار السلبية الذي عاد بالفعل يسبب لنا نوعاً من الغشاوة لا نكاد نرى فيها شيئاً ولا نرى معها حقيقة، كل شيء ضبابي، كل شيء مشتبه على بعضه البعض. دعونا نحرر أنفسنا من هذه السلبية، دعونا نعمل ما نستطيع أن نقوم به، دعونا نتحرك كما أمرنا نبينا . ديننا دين الإيجابية، ديننا دين الأمل والتفاؤل والعمل المستمر الدؤوب الذي لا يتوقف ولا حتى عندما يفارق الإنسان الدنيا. تعجبني قصص السلف الذي يروى أن أحدهم كان يحتضر وإذا به يطلب قلماً وورقة ليدوّن له بعض الكلمات، فاستغرب من حوله: أنت تفارق الدنيا وتطلب القلم والأوراق! لماذا؟! هذا النوع من والطموح والعمل الذي لا ينتهي يريد أن يكون آخر كلمة تخرج من فيه قبل أن يودع الدنيا كلمة خير علّها بذرة خير تنبت شجرة فيحصل له الثواب والأجر وتتحول إلى صدقة جارية. من أين جاءتنا هذه السلبية؟! من أين جاءنا هذا الفتور العجيب الذي بات يقمع حتى طموح شبابنا اليوم؟! الشباب ليس مرحلة عمرية فقط الشباب طاقة الشباب حيوية، الشباب هو في الواقع يوصف بشيء من التهور والاندفاع والتعجل. لم أصبحنا لا نرى التهور الإيجابي إن صح التعبير والاندفاع في سبيل الخير بيننا وفي أوساط شبابنا؟! لم؟! هذا النوع من أنوع الظواهر يحتاج إلى توقف، يحتاج إلى محاورة مع النفس ومواجهة بهذه الأسئلة.

أتمنى أن يكون الكلام الذي طرحنا قد أثار هذه التساؤلات ولنا وقفات إن شاء الله في المرات القادمة. أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله.