بسم الله الرحمن الرحيم

فهذه سلسلة محاضرات من كتابي النور الساطع في معرفة الخطأ الشائع حسب ترتيب المخارج
الحمد لله المنعم المتفضل الَّذِي لم يزل بصفاته وأسمائه، الَّذِي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كُلّ شيء فقدره تقديرًا، المستحق لكل أنواع العبادة، الَّذِي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا.
بيَّن فيه الحلالَ والحرامَ، وكرر فيه المواعظ والقصصَ للإفهامِ وضربَ فيهِ الأمثالَ، وشرح فيه الفرائض والأحكامَ .
أنزله بلسان عربيٍ مبين، وجعله هدى ورحمة وشفاء للمؤمنين، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم .
وبعد :
فقد اهتمَّ الكثيرُ من أئمةِ الإقراءِ على مرِّ الزمان ببيان اللَّحْن المتوقَّع لكل حرفٍ عند تلاوة القُرْءان الكريم، وبيانِ المواطن التي يصعُب أداؤها، أو يمكن استبدال أو إنقاص حروفها وحركاتها عن الوجه المطلوب، وذلك على حسَبِ ترتيب المخارج، أو على حسَبِ ترتيب الحُرُوف الهجائية.
ومن هؤلاء الأئمة: الإمامُ ابنُ الجزري الَّذِي نبه على ذلك في مقدمته "الجزرية" فيما أسماه بباب التحذيرات، وكذلك في كتابه: " النَّشر في القِرَاءَت العَشْر" وكتابه "التمهيد" والَّذِي تحدث فيه عن كُلّ اللَّحْنِ المتوقَّع لكلِّ حرف .
والإمامُ السَّخَاوِي في منظومته المشهورة الموسومة: " بنُونِية السَّخَاوِي " .
والإمامُ مَكِّي بن أبي طالب في كتابه: " الرعاية " .
والعلامةُ الصفاقيسي في رسالته: " تنبيه الغافلين " .
والعلامةُ مَكِّي نصر أبو طالب في كتابه: " نهاية القول المفيد " وقد تكلم عن اللَّحْن المتوقع لكل حرف .
والإمام أبو عمرو الداني في كتابه: " التحديد في الإتقان والتسديد في صنعة ى التجويد"، والَّذِي تحدث فيه عن اللَّحْن المتوقع لكل حرف، وغير ذلك مِن أئمة هذا الفن
ولمَّا كان هذا العمل هو درب مَنْ سَبق، رغبت في تلخيص يسير يسهِّل على معلم القُرْءان الإلمَام بأهمِّ القضايا التي تعرَّض لها السَّابقون، ولا سيَّما القضايا التي تكرَّر ذِكرُها والتنويهُ عليها، وقد ركزت على رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية .
ومِن الجدير بالذكر أن أقول: إنَّ هذه التحذيرات ليست على سبيلِ الحَصْرِ فاللَّحْنُ يختلفُ باختلافِ اللهجات والأزمان .
وكذلك إنَّ معرفة الأسبابِ، وطرقِ العلاج، ما هي إلا عوامل مساعدة تقريبية، ويبقى الأصل هو التلَقِّي من أفواه المشايخ .
سائلاً اللهَ العليَّ الكبيرَ أنْ يجعلَ ذلك في خدمة كتابه العزيز، الَّذِي لا يأتيه الباطل من بيْنِ يديْهِ، ولا مِن خلْفِه، وأن يتقبَّلَ مِنَّا إنَّه سَميعٌ قريب . وكتبه جمال بن إبراهيم القرش
القسم الأول:
اهتمامُ أئمةِ هذا الفنِّ بموضوعِ البَحث
ونماذج وأَمْثِلَة من أقوال العلماءِ في الكلامِ عن:
الهَمْزَة .
اللُّحُون المتوقعة في حرف الهَمْزة
- من اللُّحُون الجلية:
1- استبدال حرف بحرف : : نحو :
* إبدالها ياء: قَالَ العَلامَةُ الصفاقيسي: ومنها إبدال الهَمْزة ياءً في مثل: الْقَلائِدَ المائدة: 2 .
* تحْوِيلُها إلى هاء : قَالَ العَلامَةُ مُحَمَّد مَكِّي نصر: فلولا الشِّدَّةُ والجهرُ اللذان في الهَمْزة لكانت هاءَ .اهـ(1) .
(ب)- حذفها :
حذفها : قَالَ العَلامَةُ الصفاقيسي: ومنها : حذفها وحَذْف حروف المدِّ معها في الوقف على نحو: يَبْدَأُ النمل: 64، ومِنْ شَاطِئِ القصص: 30، فليتحفظ من ذلك ولا سيَّما إن كان قبلها ساكن نحو:أَشْيَاءَ المائدة: 101.
(ج)- زيادة حرف :
تشدُيدها إذا جاءت بعدَ المَدِّ: قَالَ ابْنُ الجزري رَحِمَهُ اللهُ: ومنهم من يُشدِّدُها في تلاوته يَقْصِد بذلك تحقيقَها، وأكثرُ ما يستعملون ذلك بعد حرف المَدِّ يَا أَيُّهَا البقرة:121، اهـ(2) .
2 - من اللُّحُون الخَفِيَّة
(أ) - التعَسُّف في بيانها
قَالَ الإِمَامُ مَكِّي بْنُ أَبِي طالبٍ رَحِمَهُ اللهُ: يجب على القارئ أن يتَوسَّطَ اللفظَ بها، ولا يتعسَّف في شِدَّة إخراجها إذا نَطَق بها، لكنْ يخرِجها بلطافةٍ ورِفْق، لأنها حرْفٌ بَعُد مَخْرَجه، فصَعُب اللفظُ بها لصعوبته . اهـ، الرعاية : ص/ 145.
ونقل رَحِمَهُ اللهُ عن أَبِي بَكر بنِ عيَّاش قوله: كانَ إِمَامُنَا يهْمِز مؤصدةٌ؛ فأشتهي أنْ أسدَّ أُذُنَي إذا سمعتُه يهمِزُها. اهـ، الرعاية : ص / 146-147.
قَالَ الإِمَامُ أبوعمرو الداني رَحِمَهُ اللهُ: فينبغي للقارئ إذا همز الحَرْفَ أن يأتيَ بالهَمْزةِ سَلِسةٌ في النُطْق سهلةٌ في الذوق من غير لَكَنٍ(1) ولا ابتهار، ولاخروج عن حدِّها ساكنة كانت أو متحركة، والناس يتفاضَلون في النُطْق بالهَمْزة على مِقدارغِلَظِ طِبَاعِهم ورقَتِها، فَمِنْهُم مَن يلفظُ بها لفْظًا تستبشِعُه الأسماعُ، وتنبُوعنهُ القُلوبُ، ويثقُلُ علىالعلماءِ بالقراءةِ وذلك مكروهٌ مَعِيبٌ مَن أخذ به .اهـ(2) .
وقَالَ العَلامَةُ أبو الحسن الصفاقيسي: وقد كان العالمون بصناعةِ التجويد يَنْطِقُونَ بها سَلِسَةً، سهلةً برفْقٍ، بلا تعَسُّف، ولا تكلُّف، ولا نبرةٍ شديدةٍ، ولا يتمكن أحدٌ من ذلك إلا بالرياضةِ، وتلقِّي ذلك من أفواه أهلِ العِلْم بالقراءة، اهـ تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين: ص/47 .
(ب) - عدمُ بيانـها إذا ضُمَّت أو كُسرت
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الجزري رَحِمَهُ اللهُ: وينبغي للقارئ أن يتحفظ من إخفاء الهَمْزة إذا انضمَّت أو انكسرت، وكان بعد كُلّ منهما أو قبله ضمَّة أو كسرة، نحو قوله: إِلَى بَارِئِكُمْالبقرة: 54، :سُئِلَ البقرة: 108، اهـ،التمهيد: ص/ 109 .
(ج)- عدم بيانـها إذا تطرفت
قَالَ الإِمَامُ مَكِّي بْنُ أَبِي طالبٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويجبُ على القارئ إذا وَقَف على الهَمْزة، وهي متطرفةٌ بالسُّكون، أن يطلب اللَّفْظَ بها، وإظهارَها في وقفه، لأنَّها لمَّا بَعُدَ مَخْرَجها وضعفت وأتت في آخر الكلمة، وذهبت حركتها للوقف، وضعفت بالسكون، صعب إظهارها في الوقف، نحو:  يَسْتَهْزِئُ البقرة: 15، اهـ الرعاية: ص/ 151 .
(د)- عدم بيانـها إذا كسرت وسبقها حرفان مُشَدَّدان
قَالَ الإِمَامُ مَكِّي بْنُ أَبِي طالبٍ رَحِمَهُ اللهُ : وإذا كانت الهَمْزة مكسورةً وقبلها حَرْفان مُشَدَّدان: وجبَ أن يتحفظ ببيان الهَمْزة، لأَنَّ المُشَدَّد ثقيل وتكرُّرَه ثقيل والهَمْزة ثقيلة، والكسرة ثقيلة، فيجب التحَفُّظ بإظهار لفظ الهَمْزة برفق ولين، نحو: قوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ فاطر: 43 اهـ الرعاية: 152-153 .
(هـ)- تَفْخِيمُهَا إذا ابْتُدِئَ بها أو وليها ألف أو مُفَخَّم
قَالَ ابْنُ الجزري رَحِمَهُ اللهُ: فالهَمْزة إذا ابتدأ بها القارئ من كلمة فلْيَلفظ بها سَلِسَةً في النُطْق، سَهْلَة في الذَّوْقِ، ولْيَتَحَفَّظْ من تَغْلِيظ النُطْق بها، نحو: أَأَنْذَرْتَهُمْ البقرة: 6، ولا سيَّما إذا أتى بعدها ألِفٌ، نحو: آمِّينَ المائدة: 2، فإنْ جاء بعدها حرفٌ مغلَّظٌ كان التحَفُّظُ آكد، نحو: اللَّهُ، أو مُفَخَّم نحو: الطَّلاقَ البقرة: 227 .
فإن كان حرفًا مجانسها، أو مقاربُها: كانَ التحَفُّظُ بسهُولتها أشَدَّ وبترقيقها أوكدَ، نحو: اهْدِنَا الفاتحة 6،أَعُوذُ فكثير من الناس ينطق بها كالمتهوع، . اهـ(1) .
قَالَ العَلامَةُ الصفاقيسي: ويقع الخطأ فيها لبعض الْقُرَّاء من أوجه، منها: تفْخِيمُها، فلا بُدَّ من التحَفُّظ منه، ولا سيَّما عند حُرُوف الاستعلاء، وسواءٌ كانتْ قطعيةً أم موصولةً عند الابتداء بها، نحو:أَقَامُوا المائدة:66، وَالظَّالِمِينَ الإنسان: 31،أَصْدَقُ النساء:122. اهـ تنبيه الغافلين: ص/ 46-47 .
وكذلك، ما شابَه حروف الاستعلاءِ وهو الرَّاء نحوأَرَضِيتُمْالتوبة:38، أَرَاكُمْ هود: 29، وكذلك اللام المُفَخَّمة في لفظِ الجلالِة، نحو: اللَّهُ .
وكذلك إذا أتى بعدها ألِف، نحو : آمَنُوا العصر: 3، آيَاتِ النجم: 13 .
وبعض العجم يبالغ في تَفْخِيمهَا حتى تخرُجَ الفتحةُ إلى شِبهِ الضَّمَة، وهو لحْنٌ فاحِشٌ، لأَنَّ الهَمْزة مُرَقَّقة مطلقًا سواءٌ جاورها مُفَخَّم أو مُرَقَّق .اهـ تنبيه الغافلين: ص/ 47.
(و)- تسهيلها في غير موضع التسهيل
قَالَ ابْنُ الجزري: ومنهم من يأتي بها في لفظهِ مسهَّلةً، وذلك لا يجوز إلا فيما أحكمت الرِّوايةُ تسهِيله . اهـ التمهيد: ص/ 108 .
وهكذا يتضِحُ اهتمامُ العلماءِ بالتحذيرِ مِن مَوَاطِن اللَّحْنِ المتوقَع حدوثُه في الحَرْف، ولوحظ تِكرارُ ذِكرِ اللَّحْن، حيثُ تناقله المتأخرُ عن المتقدِم، ولِصُعُوبة إِلْمَامِ المُتَعَلِّم بمثل هذه المسائل، واطلاعه على هذه الكتب، شَرَعْتُ في هذا التلْخِيصِ، ليكونَ عَونًا للْمُعَلِّم والمُتَلقِّي في نقل خبراتِ السابقين إليهم .
وقد وضعتُ في هذا التلخيصِ اللَّحْنَ وسبَبَه، ولم أضعْ العِلاجَ اختصارًا، لأَنَّ العلاجَ غالبًا ما يستنتجُ من السَّبَبِ، فإنْ كان السَّبَبُ هو ضَيَاعَ المَخْرَج، فالعلاجُ تحقيقُ المَخْرَج، وإن كان السَّبَبُ ضياعَ صفة، فالعلاجُ تحقيقُ هذه الصفة، وإن كان السَّبَبُ صعوبةَ نُطْق الحَرْف، فالعلاج كثرة التدرب ورياضة اللِّسَان، كما قَالَ ابْنُ الجزري:
وَليْسَ بَينهُ وبَيْنَ تَرْكِهِ إلا رِيَاضَةِ امرِئ بِفَكِّهِ
وإن كان السَّبَبُ هو عدم الدراية بأَحْكَامِ الرَّسم، يكون العلاج هو معرفة أَحْكَام الرسم والرواية، وإن كان السَّبَبُ هو الإفراط يكونُ العلاجُ، التحقيقَ بدون إفراط ولا تفريط، وإن كان السَّبَبُ هو التعَسُّف في نبرة الحَرْف، يكون العلاجُ عدمَ نبرةِ الحَرْفِ نبرةً زائدة عن المطلوب … إلخ .
القسم الثاني
اللُّحُونُ المُتَوَقَّعَةُ لكلِّ حرْفٍ مُرتَّبة حَسَبَ تَرْتِيبِ المَخَارجِ لروايةِ حفصٍ عن عاصمٍ مِن طريقِ الشاطبية
أولاً: حرُوُفُ المَدِّ ( حرف الألف)
نَوْعُ اللَّحْنِ مِثَالُ وسَّبَبُ اللحن
الأول : مصاحبةُ الغُنَّة لها(1) مِثَالُ النَّاسِ وسَّبَبُ اللحن خرُوج الصوت من الأنف
الثاني : تحْوِيلُها إلـى هاء مِثَالُ الأَعْلَى وسَّبَبُ اللحن همسُ الألف
الثالث : حذفُها مِثَالُ بَنَاهَا وسَّبَبُ اللحن مجاورتها حرف خفي هو الهاء
قَالَ الإِمَامُ مَكِّي: عن الأَلِف: يجب على القارئ أن يعرف أحوالها وصفاتها، وأن يلفظ بها حيث وقعت غير مُفَخَّمة ولا ممالة، ولا يغلظ بها إلا برواية، الرعاية: ص/160-161
الرابع : إنقاصُ المَدِّ أو زيادته مِثَالُ وَالضُّحَى(2) وسَّبَبُ اللحن عدمُ المَدِّ حركتين
(2) وأكثر ما يكون من ذلك إذا كان حرف المد الطبيعي متوسط الكلمة نحو: الْعَالَمِينَ
الخامس : نُطْقُ ألف(لأَاذْبَحَنَّهُ) مِثَالُ لأَاذْبَحَنَّهُ سَّبَبُ اللحن عدمُ الدراية بأَحْكَام الرسم
الخلطُ بين قَوَارِيرَاْ الأولى و الثانية مِثَالُ كانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ(3) سَّبَبُ اللحن عدم الدراية بالحـــذف والإثبات
فالأولى تنطق وقفا لاوصلا، والثانية لا تنطق وقفًا ولا وصلا
وعلاج اللحن يكون بتفادي السبب فإذا كان السبب هو الهمس فالعلاج هو تركه واجتابه
والأصل في العلاج هو التلقي والمشافهة على يد المشايخ المهرة فبه يحسن الأداء بشكل منضبط وتظل هذه المعلومات عامل مساعد للقارئ
وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح ، ونسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدرونا