الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد
فهذا كلام نفيس للشيخ العلامة محمد الشنقيطي صاحب اضواء البيان
كأنما يتحدث عن هذه الأيام فقال بعد تفسيره لقول الله تعالى

( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ).
مسألة
((اعلم أن كل مسلم ، يجب عليه في هذا الزمان ، تأمل هذه الآيات ، من سورة محمد وتدبرها ، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد .
لأن كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد .
لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ( ) ،
وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي ( ) من السنن .
فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله : ( سنطيعكم في بعض الأمر )، فهو داخل في وعيد الآية .
وأحرى من ذلك من يقول لهم :(سنطيعكم في الأمر )
كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله ، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .
وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ، وأنه محبط أعمالهم .
فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا : ( سنطيعكم في بعض الأمر ) ))

انتهى كلامه رحمة واسعة


وهذا بعض من كلامه في تفسير الآيات لمن اراد الاستزادة

الظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ، قوم كفروا بعد إيمانهم .
وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم فصول الأعمار .
لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي .

وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون .

والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل ، أنه كافر بالله
بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك
( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ).
والإسخاط استجلاب السخط ، وهو الغضب هنا .
وقوله : ( وكرهوا رضوانه) لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله .
لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل ، فاستلزمت كراهة ما نزل ، كراهة رضوانه لأن رضوانه فيما نزل ، ومن أطاع كارهه ، فهو ككارهه.
وقوله : ( فأحبط أعمالهم ) أي: أبطلها ، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة .
واعلم أن هذه الآية الكريمة ، قد قال بعض العلماء : إنها نزلت في المنافقين .
وقال بعضهم : إنها نزلت في اليهود ، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين ( كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر )
، وهو عداوة النبي ( ) والتعويق عن الجهاد ونحو ذلك .

والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها ، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله .