الموازنة بين السَّدِّ والرَّدْم:
لقد طلبوا من ذي القرنين أن يجعل لهم سدًّا حاجزاً بينهم وبين يأجوج ومأجوج، لكنه رأى أن الأصلح لهم والأفضل أن يجعله ردماً لا سداً، وقد قيل الردم أبلغ من السد، إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع[1]، وهو أكبر من السد وأوثق..وهذا إسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه[2]، وإقامة السدود لمنع اعتداء قوم على آخرين شيء معهود لدى البشر، وذلك كسور الصين العظيم، وحائط برلين الذي كان يفصل ألمانيا إلى جزء شرقي، وآخر غربي، وما يفعله يهود في هذه الأيام في فلسطين من إقامة جدار الفصل العنصري شاهد على ذلك، وتلك هي عادتهم في التترس خلف التحصينات المنيعة- كالمستوطنات الآن- أو الجدُر؛ كما قال U عنهم: ]لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ[[3].
وقوله )آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً([4]، أي نحاساً مذاباً يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابة؛ وقد استخدمت هذه الطريقة- حديثاً- في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومتهوصلابته، وكان هذا الذي هدى الله U إليه ذا القرنين[7]، حيث إن الحديد النقي ليس قوياً كبعض سبائكه؛ فأنواع الفولاذ كلها هي من سبيكة الحديد مع قليل من الكربون، أو المنجنيز، أو غيره[8]..
شكل السد:
ورد في الخبر ما يشير إلى شكل هذا السدّ؛ وذلك أن رجلاً قال للنبي رأيتُ السدَّ مثل البُرْد المُحَبَّر[9]. قال r: "قد رأيتَه"[10].
أي أن هذا السد ذو خطوط مزينة، وكأن هذه الخطوط هي طبقات من النحاس المذاب، مع الحديد الذي انفصلت عنه شوائبه، وطفت على سطحه بعد انصهاره، وذلك كله إضافة إلى التراب؛ الذي هو مادة الردم الأساسية.
وعليه؛ يمكن القول أن تلك الطبقات قد اتخذت ألوان تلك المواد؛ حتى لم يجد ذلك الصحابي- الذي رأى السدَّ- وصفاً يقرِّب شكله ويوضِّحه غير ذلك؛ ويقرُّه النبي r على ذلك بما عنده من وحي معصوم.

[1] - الجامع لأحكام القرآن. القرطبي، مرجع سابق (5/563).

[2] - تفسير أبي السعود (5/245).

[3] - الحشر: 14

[4] - الكهف: 96
5] - في ظلال القرآن. سيد قطب (4/2293)
6] - الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية. أحمد مصطفى متولي، القاهرة: دار ابن الجوزي، ط1: 1426هـ-2005م (ص263).

[7 - البرد: كساء مخطط يلتحف به. المعجم الوسيط (ص48)- والمحبَّر: من قولهم: حبَّر الشيء: زيّنه ونمّقه. المعجم الوسيط (ص151)
8] - البخاري. كتاب: الأنبياء. باب: قصة يأجوج ومأجوج. وقد وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. فتح الباري شرح صحيح البخاري. ابن حجر (7/3916).