بسم الله الرحمن الرحيم

هذا مثل الكافرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الأمثال، التي ضربها الله تعالى للكافرين في كتابه الكريم، وضرب للمنافقين المثلين المذكورين في أوائل سورة البقرة، وهو دليل واضح على ما ذكرت في مثل المنافقين، مع ما ذكرت هناك من أدلة، ليست من قول فلان، ولا قول علان؛ وإنما هي أدلة من القرآن والسنة، وكلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم.. فلينظر أبو عبد المعز وغيره: هل خالفت في هذا المثل علماء النحو والتفسير والبلاغة؟

[قال الله تعالى في حق الكافرين:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } (البقرة:171)


هذا مثل ضربه الله تعالى لكل كافر مشرك بالله، ما دام على كفره وشركه، ويدخل في عمومه اليهود؛ لأن الآية نزلت فيهم.. وهو جملة استئنافية، واردة لتقرير ما قبلها؛ وهو قوله تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ }(البقرة:170).
عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: أنها نزلت في طائفة من اليهود0 دعاهم رسول الله  إلى الإسلام، فقالوا:{ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا }.. فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم ضرب لهم هذا المثل، فقال جل شأنه:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً }.
والجامع بين الآيتين: أن الأولى لبيان حالهم، والثانية تمثيل لتلك الحال. فهؤلاء الكافرون: مثل، والذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء مثل آخر، وبين المثلين تشابه في الأحوال، دلت عليه كاف التشبيه.
وعن مجاهد- رضي الله عنه- قال: هذا مثل ضربه الله للكافر، يسمع ما يقال له، ولا يعقل؛ كمثل البهيمة، تسمع النعيق، ولا تعقل.. وعن قتادة- رضي الله عنه- قال: مَثلُ هذا الكافر، مَثلُ هذه البهيمة، التي تسمع الصوت، ولا تدري ما يقال لها؛ فكذلك الكافر، لا ينتفع بما يقال له.
وعلى ذلك يكون المعنى: حال هؤلاء الكافرين، في دعائهم وندائهم إلى الإيمان، يشبه حال البهائم السارحة، في دعائها وندائها إلى المرعى، التي تسمع الصوت، ولا تدري ما تحته، وتسمع الدعاء، ولا تعقل ما وراءه.. كذلك حال هؤلاء الكافرين، يدعوهم رسول الله  إلى الإسلام، ويحثهم على عبادة الله وحده، فلا يسمعون من دعائه وندائه، إلا مجرَّد الصوت.
ويفهم من تشبيه حالهم بحال البهائم، تشبيه حال داعيهم إلى الإيمان- وهو محمد - بحال الراعي، الذي ينعق بالبهائم، فلا تفهم من نعيقه أكثر من الصوت. وهذا ما أشار إليه القرطبي بقوله:” شبه تعالى واعظ الكفار، وداعيهم- وهو محمد- بالراعي، الذي ينعق بالغنم، والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول.. هكذا فسره ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، والزجاج، والفرَّاء، وسيبويه. وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه: لم يُشبَّهوا بالناعق؛ إنما شُبِّهوا بالمنعوق به. والمعنى: مثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم، التي لا تفهم0 فحذف لدلالة المعنى“0
وقال الزركشي:” اختلف الشارحون في فهم كلام سيبويه، فقيل: هو تفسير معنى. وقيل: هو تفسير إعراب. فيكون في الكلام حذفان: حَذفٌ من الأول: وهو حذفُ: داعيهم، وقد أثبت نظيره في الثاني، وحَذفٌ من الثاني: وهو حذفُ المنعوق، وقد أثبت نظيره في الأول“.
وقال السيوطي:” وفي(الغرائب) للكرماني: التقدير: مثل الذين كفروا، معك يا محمد، كمثل الناعق، مع الغنم؛ فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر، وله في القرآن نظائر؛ وهو أبلغ ما يكون في الكلام “.
وقال السيوطي أيضًا:” وهو من ألطف الأنواع، وأبدعها، وقلَّ من تنبَّه له، أو نبَّه عليه من أهل فنِّ البلاغة، وذكره الزركشي في( البرهان )، ولم يسمِّه هذا الاسم، بل سماه: الحذف المقابلي “.. ثم نقل عن الأندلسي قوله في شرح( البديعية ):” من أنواع البديع( الاحتباك )؛ وهو نوع عزيز، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول؛ كقوله تعالى:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً }. التقدير: ومثل الأنبياء والكفار، كمثل الذي ينعق والذي ينعق به؛ فحذف من الأول( الأنبياء ) لدلالة( الذي ينعق ) عليه، ومن الثاني ( الذي ينعق به )؛ لدلالة ( الذين كفروا ) عليه “.
وهكذا الشأن في كل تمثيل مفرَّق كان، أو مركَّب- كتمثيل المنافقين بقوم مخصوصين، ذهب الله تعالى بنورهم، وحرمهم الانتفاع به، وتمثيل رسول الله  بالذي استوقد نارًا. ثم تمثيلهم بقوم آخرين، أخذتهم السماء في ليلة ممطرة، وتمثيل القرآن الكريم بصيِّب من السماء.
قال ابن قيِّم الجوزيَّة:” ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركَّب، وأن تجعله من التشبيه المفرَّق. فإن جعلته من المركَّب، كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم، بالغنم، التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا، غير الصوت المجرَّد، الذي هو الدعاء والنداء.
وإن جعلته من التشبيه المفرَّق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاءُ داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي يُنْعَق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النَّعْق، وإدراكُهم مجرَّد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرَّد صوت الناعق.. والله أعلم! “.
ونقرأ الآية الكريمة:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً }، فنجد لمحة من لمحات الإعجاز، في هذا التخالف بين جزأي الصورة، في المشبَّه، والمشبَّه به؛ حيث كان الظاهر أن يُقال: مثل الذين كفروا كمثل الذين ينعقون بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
ولكن هذا يفسد المعنى؛ لأنه يقضي أن تكون المشابهة بين حال الكافرين، وحال الذين ينعقون بأغنامهم. وهذا لا يصح، إلا على قول من ذهب إلى أن المراد من هذا المثل، هو تشبيه حال الكافرين، في دعائهم وندائهم للأصنام، بحال الراعي، في نعيقه بأغنامه. ولهذا قالوا: لمَّا كان المراد تشبيه حال بحال، جاز تشبيه الجمع بالمفرد.
وقد سبق أن ذكرنا، أن المراد بـ{ الَّذِينَ كَفَرُوا }: طائفة من اليهود؛ لأن الآية نزلت فيهم، ولم تكن اليهود أهلَ أوثان، يعبدونها، ولا أهلَ أصنام يعظمونها، ويرجون نفعها، أو دفعَ ضرِّها؛ حتى يُشبَّه حالهم، في دعائهم وندائهم للأصنام، بحال الراعي، في نعيقه بالبهائم؛ وإنما المراد- كما ذكرنا- هو تشبيه حالهم في دعائهم إلى الإيمان، بحال البهائم، التي ينعِق بها راعيها، فلا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول، وتشبيه حال داعيهم، بحال داعي البهائم، وحذف من المشبه( داعيهم )؛ لدلالة{ الَّذِينَ كَفَرُوا } عليه، وحذف من المشبه به ( البهائم )، لدلالة{ الَّذِي يَنْعِقُ } عليه.
ولهذا قال الله تعالى:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ }، فأضاف لفظ( مَثل )- في طرف المشبه- إلى الذين كفروا، وأضافه- في طرف المشبه به- إلى{ الَّذِي يَنْعِقُ }.. وهذا هو سرُّ الإعجاز في هذا التركيب، ونحوه، في البيان الأعلى!
والنعيق: الصياح والزجر. يقال: نعَق الراعي بالغنم ينعِق نَعْقـًا ونُعاقـًا ونَعيقـًا ونُعْقانـًا: صاح بها وزجرها؛ ويكون ذلك في الضأن والمَعْز. وفي الحديث: أن النبي  قال لنساء عثمانَ بن مظعون، لما مات:” ابكين! وإياكن، ونعيق الشيطان“. يعني:الصِّياح والنَّوْح. وأضافه إلى الشيطان؛ لأنه الحامل عليه (9)0
وفي قوله تعالى:{ يَنْعِقُ }- إشارة إلى أن الكلمات، التي يهتف بها الهاتف إلى هذه الدواب، هي بالنسبة إليه نعيقـًا.. ولهذا عبَّر عنها بما هي صائرة إليه، لا بما كانت عليه عند النطق بها.. فتأمل!
وأما قوله تعالى:{ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً } فالمراد به: نفْيُ سمْع الفَهْم عن الكفار، وإثبات سمْع الصوت المجرد لهم. وبذلك جعل الله تعالى سمع الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة. أي: يسمعون مجرَّد الأصوات كسَمْع الحيوان.. لا يسمعون- ما فيها من تأليف الحروف المتضمنة للمعاني- السَّمْعَ، الذي لا بد أن يكون بالقلب مع الجسم.
وذلك- كما قال الشيخ ابن تيميَّة- لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون، إذا زال الغطاء، الذي على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.. فإنهم لا يسمعون لذلك المعنى المشتق منه؛ وهو الكفر. فما داموا هذه حالهم، فهم كذلك. ولكن تغيُّر الحال ممكن؛ كما قال:{ إلا أن يشاء الله } (الكهف:24) ، وكما في الواقع.
ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه، يحصل الهدى، ولو كان أكمل الناس. وأن الداعي- وإن كان صالحًا ناصحًا مخلصًا- فقد لا يستجيب المدعو، لا لنقص في الدعاء؛ ولكن لفسادٍ في المدعو.
وأما الدعاء والنداء فهما في الأصل مصدران لـ( دعا يدعو)، و( نادى ينادي )، ثم أقيم كلٌّ منهما مقام الاسم، تقول: سمعت دعاءً ونداءً؛ كما تقول: سمعت صوتـًا، أو كلامـًا، أو قولا.
وقد يقال كلٌّ منهما للصوت المجرَّد؛ كما في قوله تعالى:{ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً }. وقد سبق أن ذكرنا أن المعنى المراد من هذا المثل: مثل الكفار مع محمد  كمثل الناعق مع المنعوق به. شبههم بالغنم، التي تسمع نعيق الراعي، ولا تفهم منه إلا الصوت المجرَّد. وكذلك هؤلاء الكفار، يسمعون الدعاء والنداء، فلا يفهمون منهما إلا الصوت المجرَّد، دون المعنى، الذي يقتضيه تركيب الكلام.
ويقال كلٌّ منهما للصوت المركب، الذي يفهم منه ذلك المعنى؛ نحو قوله تعالى:{ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ }(الفرقان:77)، وقوله تعالى:{ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا }(مريم:3).
أما قولهم: إن الدعاء كالنداء، وأنه قد يستعمل كلٌّ منهما موضع الآخر، كما في آية البقرة السابقة فليس بشيء.. والدليل على ذلك أن الله تعالى، قد غاير بينهما، فقال :{ دُعَاءً وَنِدَاءً ً}. فلو كان ما قالوه صحيحًا، استغنِيَ بأحدهما عن الآخر؛ وإلا لكان تكرارًا، لا مبرر له، ولا مسوِّغ.. فتأمل!
وقال تعالى:{ إلا دعاء ونداء }، فقدَّم الدعاء على النداء. وسر الإعجاز في ذلك يتجلَّى لنا في أمور، نذكر منها:
1- أن النداء عام، والدعاء مختص بالله تعالى.
2- أن النداء مختص بالجهر، والدعاء غير مختص به.
3- أن النداء مختص بالبعد، والدعاء غير مختص به.
4- أن النداء إجابة الصوت، والدعاء طلب الفعل.
أما قوله تعالى على لسان زكريا :{ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا }(مريم:3- 4) فإن زكريا- عليه السلام- أشار بالنداء إلى الله تعالى؛ لأنه تصوَّر نفسه بعيدًا منه بذنوبه، وأحواله السيِّئة؛ كما يكون حال مَن يخاف عذابه. وهذا بخلاف قوله تعالى:{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى }(آل عمران:38). فجاء- هنا- بفعل الدعاء؛ لأنه  كان في مقام، يكون فيه العبد أقرب إلى ربه عز وجل من أي مقام آخر.
فثبت بذلك أن النداء أعم من الدعاء؛ إذ كل نداء دعاء، وليس كل دعاء بنداء. ولهذا قُدِّم الأخصُّ على الأعمّ.. ولهذا أيضًا فسر الزمخشري النداء بالدعاء، في قوله تعالى على لسان نوح { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ }(هود:45)، فقال:” نداؤه ربَّه: دعاؤه له؛ وهو قوله:{ رَبِّ }، مع ما بَعده من اقتضاء وعده في تنْجيَة أهله.
وقال تعالى- هنا- :{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }، فسلب العقل عن الكفار؛ لأنهم لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان. وقال سبحانه في مَثل المنافقين:{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ }، فسلب الرجوع عن المنافقين؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا، فلم يرجعوا إلى الهدى بعد أن باعوه بالضلالة. أو: عن الضلالة بعد أن اشترَوْها بالهدى. أو: إلى حيث ابتدءوا منه. والكل محتمل؛ لأن المراد، بنفي الفعل: مطلق الفعل، دون قيد.. فتأمل!

‏الاثنين / 2 / أيار‏ / 2005م محمد إسماعيل عتوك