ــ القول الوجيز في قمع الزاري على حملة كتاب الله العزيز:[1]

قال الدكتور عبد الهادي احميتو في رسالته الرائعة الماتعة النافعة ' قراءة الإمام نافع عند المغاربة':
" هو كتاب كان غرضه منه رد الاعتبار لحملة كتاب الله تعالى ودحض ما شاع عنهم من رقة الدين وضعف اليقين، وقد ستهله بذكر فضائل هذه الطائفة وما جاء من الأحاديث والآثار في ذلك، وعمل على دفع اللائمة عنهم فيما قد يبدر من بعضهم ملتمسا لهم ما ينبغي من العذر، و مفندا لقول الشيخ الهبطي[2] فيهم في أبياته المشهورة:
أما الذين يقرؤون القرآن فإنهم على سبيل الشيطان
ترك الصلاة عندهم مشهور و ان تكن يفوتها الحضور
قد ضيعوا اصول هذا الدين[3] كضيعة المفروض و المسنون
ما عندهم بالاحتفال معروف إلا الذي أتى بعلم المحذوف
بانيا على أنه لم يقصد التعميم."[4]
و أنقل لك من الكتاب قوله عنه:
" وذلك السيد لم يخص أهل القرآن بغلظته بالوعظ في ألفيته تلك، و لكنه نال من الخاصة و العامة من الفقراء و أصحاب الزوايا و الفقهاء و المفتين، والقضاء والشهود والولاة وأشياخ القبائل بأفظع من ذلك، نسبهم الى الزندقة والدياثة والتمجس، على انه شرك الفقراء مع القراء في هذه النقيصة التي هي ترك الصلاة."[5]
وقد فرغ المؤلف من تأليف الكتاب عام 1207ه، فكان من آخر ما كتبه و ربما بعد أن عاد إلى فاس في زمن المولى سليمان الذي ولي سنة 1206ه، وكان لابن عبد السلام مكانة عنده، و خاصة في المصالحة بينه و بين بعض القواد الكبار بآسفي لهذا العهد كما ذكره الضعيف في تاريخه[6].
و لعل من أسباب التأليف أيضا ما أثاره المولى محمد بن عبد الله باني الصويرة في رسالته في هذا الشأن وسماها ' مواهب المنان بما يتأكد على المسلمين تعليمه للصبيان' والتي فرغ من كتابتها عام 1203ه، أي قبل هذا التاريخ الذي كتب فيه بن عبد السلام بنحو ثلاث سنوات"[7].
" انه حتك هنالك بطبقة متميزة من الطلاب المهرة الذين كانوا لا يفتؤون يطارحونه المسائل الشائكة و يستفتونه في قضايا الفن وأحوال القراء والمقرئين، ومن هنا كانت تآليفه المتأخرة تنصب على معالجة موضوعات علمية من صميم الواقع التعليمي والطلابي، وفي طليعتها كتابه القيم ' القول الوجيز في قمع الزاري على حملة كتاب الله العزيز ' الذي كان في الحقيقة جوابا عن عدد من الأسئلة صادفت عنده ستعدادا للإدلاء بتلك الآراء العلمية والتربوية والإصلاحية للفئة التي يدافع عنها كما يدل عليه سم الكتاب، ويتجلى ذلك في طليعة الأسئلة الستة التي رفعت إليه".[8]
و نص الأسئلة موضوع الكتاب كما نقلتُه منه كالآتي:
" رفعت إلي رقعة تضمنت أسئلة ستة:
· أولها: ما حكم قراء زماننا من المجازفة في الأداء، فلا يعطون الحروف حقها مخرجا وصفة، ولا يجرون في الإمالة وسائر صنوف الأداء على مقتضى ما يجب في ذلك مع ما يفعلونه من إسقاط حروف المد الثلاثة البتة؟
· الثاني: ما حكم اللاحن في الصلاة؟ وهل العامد كالجاهل والناسي؟ أو العامد لا يختلف في بطلان صلاته؟ وهل العارف المتهاون كغيره؟.
وهذا سؤال فقهي لا دخل له في القراءات، وإن كانت الأسئلة كلها داخلة في الفقه بوجه، لكني أجاريه بما أمكن.
· الثالث: ما يفعلونه في تلاواتهم من أجراء الوصل مجرى الوقف في الأداء، هل لهم في ذلك وجه؟
· الرابع: هل ما يفعله المعلمون في تعليم الصبيان من تقطيع الحروف عند التهجية، و من الوقف على المحرك، و غير ذلك مما يفعلون، هل ذلك مما يسوغ لهم أم لا.
· الخامس: هل يجب على الصبيان التجويد في ابتداء تعلمهم؟
· السادس: هل ما تمالأ عليه قراء الزمن من اشتغالهم بصناعة الإرداف و تضييعهم فروضهم المعينة كأحكام الطهارة و الصلاة و الصوم و أحكام الربا و أحكام الحيض التي يجب عليهم تعليمها لزوجاتهم و بناتهم و إمائهم صواب؟
مع كون معرفة القراءة غير مفتقرة إلى الردفة، فالتفقه في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و الأحكام الشرعية و النوازل أولى بهم من الاشتغال بما لا يعنيهم، هذا مع قول شيخ الجماعة سيدي أبي محمد عبد الله الهبطي في ألفيته:
أما الذين يقرؤون القرآن فإنهم على سبيل الشيطان
الأبيات الأربعة و ستأتي. انتهى باختصار كثير".[9]
ولم يُخف بن عبد السلام ما ظنه متفرسا بصاحب الرقعة، وأبان عن شدة وحميّة غيرةً على أهل القرآن والمشتغلين بالقراءات إذ يقول ستهلالا:
" كنت نكصت عن إجابة سؤال هذا السائل لما ظهر لي في خلال مسطوره من التعنت والإزراء على حملة كتاب الله و الطعن عليهم، و نسبتهم إلى الفسوق والفجور أو الكفور والتعصم في ذلك بقول الشيخ المذكور، ثم بدا أن أذكر ما عندي في ذلك بحسب الإمكان، خروجا مما حرَّج به في سؤاله من التوسل بوجه الله العظيم، الذي ورد فيه أأن من لم يجب السائل به ملعون"[10].
" فأقول: الظاهر عندي ألا مراد للسائل إلا في السؤال السادس، إلا انه وطأ له بالخمسة قبله لتضمنها كثيرا منه ستر مراده فيها، فلم أر إلا أن تتبع كل واحد منها بما عساه يكون فيها نافعا، ولأنف السائل قاذعا، فأقول و على الله قصدالسبيل"[11].
ثم عاد خاتمة القول الوجيز ليقرع بالسائل ويعنفه تأديبا إذ قال:
" و ما أظن السائل عن هذا سأل، و لا حام حوله ولا كان له فيه أمل، وإنما أراد تكثير العياط، حيث لم يقدر على الضرب والسياط، فإن قلتَ: هذا الجواب خرج مخرج الجدال على النفس، والدفاع عن أبناء الجنس، والبناء على الوهم في مدافعة الخصم، قلت: أجل والله متولي السرائر..."[12]

[1] ــ حققه أحمد بن عبد الكريم نجيب معتمدا على أربع نسخ:
· أولاها ضمن مجموع صار في ملك المحقق بعد شرائه من عبد اللطيف جمامار رئيس جمعية الجليس للكتبيين الحرفيين بمراكش.
· وثانيها نسخة من أصل في الخزانة الحسنية تحت رقم 11203
· وثالثها نسخة من أصل في الخزانة نفسها بالرباط تحت رقم 858.
· و آخرها نسخة من أصل في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم ك1088.
و توجد نسخة أخرى بالخزانة العامة تحت رقم د 1149.
· و اتفقت كلمتا محقق الكتاب أحمد عبد الكريم نجيب و العلامة الشيخ عبد الهادي احميتوا على وجود نسخة في خزانة السحابي بسلا. ن قراءة نافع لحميتوا 4/404 و قسم التقديم من القول الوجيز ص 31.32.

[2] ــ علق الدكتور احميتوا دافعا للإبهام رافعا للاشتباه " ليس المراد بالهبطي هنا صاحب الوقف، و إنما المراد الشيخ عبد الله بن محمد الهبطي الصوفي المتوفى سنة 968 ه، ترجمته في درة الحجال 3/60 تر 975." قراءة نافع 4/402.

[3] ــ وجدته في كتاب الوجيز: 'قد ضيعوا علم أصول الدين' ص126.

[4] ــ قراءة نافع 4/402 و ما بعدها.

[5] ــ القول الوجيز في قمع الزاري على حملة كتاب الله العزيز ص 127.

[6] ــ علق الدكتور احميتوا على هذه المصالحة قائلا:" كان قد تخلف القائد عبد الرحمن بناصر العبدي عن بيعة المولى سليمان مقدما عليه أخاه المولى هشام، فأرسل اليه المولى سليمان، و هو إذ ذاك بالرباط الشيخ محمد بن عبد السلام و علي بن المغرف الفاسي، قال الضعيف في تاريخه ص 260/261:'ووردوا عليه بآسفي في ثامن حجة وهو يوم الخميس ـ يعني سنة 1206ه ـ و في يوم الجمعة دخلوا الجامع فوجدوا العبدي عبد الرحمن = يخطب بمولاي هشام... خرجوا من الجامع و صلوا الجمعة ظهرا...ثم ذكر رجوعهم الى الرباط بلا طائل'" قراءة نافع 4/403.

[7] ــ قراءة نافع 4/402 و ما بعدها.

[8] ــ نقلا عن محقق الكتاب أحمد بن عبد الكريم نجيب الذي أحال إلى ج6/431، من أطروحة الدكتور عبد الهادي احميتوا.

[9] ــ القول الوجيز ص 40،41.

[10] ــ القول الوجيز ص 42.

[11] ــ المصدر نفسه ص 42.

[12] ــ المصدر نفسه ص 180.