بسم الله الرحمن الرحيم
رد الشيخ عيسى منون الفلسطيني تعالى على الشيخ عبد المتعال الصعيدي في مسألة عقوبة المرتد
هذه صفحة أخرى من صفحات المساجلات العلمية بين فقهاء المسلمين وعلمائهم في العصر الحديث ، وبين مشايخ المدرسة التنويرية ، وإن شئت فقل : بين المدرسة المحافظة والمدرسة التنويرية ، وقد سبق أن عرضت السجال الذي دار بين الشيخ محمود شلتوت وبين المشايخ في زمانه في مسألة رفع عيسى .
وقضية قتل المرتد لها شأن خطير ، إذ هي مصادمة لأحد المفاهيم الغربية التي يتبناها التنويريون ويبذلون جهداً جهيداً في سبيل تطويع الشريعة لها - وهي حرية الاعتقاد - ، تارة بالطعن في أصول الشريعة من السنة والإجماع ، وتارة بالبحث في دواوين الإسلام عما يمكنهم التستر به من الآثار والأخبار ، إما بالافتراء الصريح أو بالتمسك بأخبار محتملة ، وتارة بتغيير مفهوم الردة ليضموا إليه أوصافاً ما جاء بها عقل ولا نقل ولا سمع بها أحد من أئمة الإسلام وفقهائهم .
والمقال الذي بين أيدينا هو جزء من سجال دار بين الشيخ الفقيه عيسى منُّون الفلسطيني (المتوفى سنة 1376 هـ = 1957 م ) ، أحد فقهاء الشافعية في العصر الحديث ، وقد ترجم له تلميذه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تعالى ترجمة حافلة في كتابه (تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي ) ، وبين الشيخ عبد المتعال الصعيدي تعالى أحد شيوخ المدرسة العقلية الحديثة المقتفين لأثر الشيخ محمد عبده .
ولهذه المساجلة قصة ذكرها الصعيدي في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام ) فلتراجع هناك ، وهذا المقال هو حلقة من هذا السجال ، أحببت نشره منفرداً لأهميته من جهة منزلة كاتبه ومن جهة جودته العلمية ، وقد نشر في مجلة الأزهر شعبان 1375 هـ = 1956 م .
حكم المرتد في الشريعة الإسلامية
كنت كتبت مقالاً بعنوان : متى يجوز الاجتهاد ومتى لا يجوز ؟ بمناسبة ما نشره الشيخ عبد الحميد بخيت في إباحة الفطر وشروطه ، وقد نشر هذا المقال في مجلة الأزهر وجريدة الجمهورية ، ثم اطلعت على كتيب مطبوع بعنوان : اجتهاد جديد للشيخ عبد المتعال الصعيدي ، الأستاذ في كلية العربية ، وقد ذكر فيه مقالي المشار إليه ، وعقب عليه بأمور خمسة مهد لها بتمهيد رماني فيه وأمثالي من غالب علماء الأزهر بالجمود ، وأننا سبب ضعف المسلمين ، وقال : إن خطأ الشيخ بخيت يهون في جانب خطئهم وجمودهم .
ولما كان مسلكه في هذا التعقيب لا يجوز غض النظر عنه ، رأيت من الواجب عليَّ تنبيه المسلمين إلى ما فيه من الخطورة على أحكام الشريعة ، فإنه لو اتحذ هذا المسلك في أي حكم شرعي متفق عليه بين المسلمين لأمكن إنكاره والقول بخلافه ، ذلك أنه لم يبال بإجماع الأئمة ، ولم يراع ما تقرر في العلو م الشرعية والعربية ، حتى البديهي منها الذي لا يجهله صبيان المكاتب ، وقد تشبث بشبه لا تخلو الأدلة من مثلها .
وإني أبدأ التعقيب الثاني لأنه أهمها وأخطرها ، قال ما نصه :
" وهو ثانياً يرى أن حكم المرتد القتل ، لأنه المشهور عنده وعند أمثاله من علماء الأزهر ، وهو المقروء في الكتب الأزهرية ، وهو الذي قال به الأئمة الأربعة ، ولا قيمة لقول غيرهم في ذلك عندهم ، وإن كان هو المناسب لروح الشريعة الإسلامية ، فيجمدون على هذا ولا يرون شيئاً خلافه ، لأنهم لم يدرسوه في كتبهم ، مع أن المرتد فيه أقوال كثيرة ، منها : أنه يستتاب أبداً ولا يقتل ، وقد استدل من ذهب إليه بما روي عن أنس بن مالك أن أبا موسى الأشعري قتل جحينة الكذاب وأصحابه . قال أنس : فقدمت على عمر بن الخطاب فقال : ما فعل جحينة وأصحابه ؟ قال : فتغافلت عن ثلاث مرات ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، وهل كان سبيل إلا القتل ؟ فقال عمر : لو أتيت بهم لعرضت عليهم الإسلام ، فإن تابوا وإلا أودعتهم السجن .
وكذلك استدل بما رواه ابن مسعود في الرجل القائل : إن رسول الله لم يعدل ، ولا أراد وجه الله فيما عمل ، فإن هذا كفر وردة ، ومع هذا لم يمكّن مَن أراد قتله من أصحابه من قتله .
وقد رويت أخبار في مثل هذا من الكفر والردة ، ولم يرد في شيء منها أن من ارتد تاب من ردته ، ولا أنه قتل ، ولا أنه سجن ، ولا أنه استتيب ، ولنا أن نأخذ من هذا أنه لا يستتاب أيضاً .
وقد ذهب الحنفية إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل ، واستدلوا بما ورد عن النبي من النهي عن قتل النساء ، لما رأى المرأة مقتولة وقال: ما كانت هذه لتقاتل . ويمكننا أن نأخذ من هذا أن من ورد في الأحاديث قتله من المرتدين كان مقاتلاً ، فيكون قتله لأنه مقاتل ، لا لأنه مرتد .
ويمكن أيضاً حمل ما ورد من قتل المرتد على من يرتد من العرب ، لأنهم خاصة لا يقبل منهم إلا الإسلام ، وكان هذا لسبب سياسي لا ديني ، لأنه اريد جعل جزيرة العرب وطناً خاصاً للمسلمين ، حتى يقضى على كل أسباب الفتن فيها ، وتكون ملجأ للمسلمين إذا أصيبوا في غيرها .
ولا شك أن عدم قتل المرتد هو المناسب لما جاء به الإسلام من الحرية الدينية ، لأن الدعوة فيه إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا بقتال أو غيره من وسائل الإكراه ، وقد نفى القرآن الإكراه في الدين نفياً صريحاً بقوله في الآية (256) من سورة البقرة : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ، وقوله في الآية (29) من سورة الكهف : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
ولكن علماء الأزهر لا يزالون يصرون إلا النادر على أن هذا منسوخ بآيات القتال .. " .
إلخ ما قال مما لا فائدة فيه .
هذا ما قاله الأستاذ بالحرف ، وإني سأذكر ما قيل في شأن المرتد من مواطن الخلاف وموطن الوفاق ، مقتصراً في مواطن الخلاف على مجرَّد الحكاية ، من غير تعرض لمدارك الأئمة فيها ، وأما موطن الوفاق فسأذكر في شأنه كلام الأئمة في حكاية الإجماع ، وأبين الشبه التي يشتم منها رائحة الخلاف في هذا الحكم المجمع عليه ، والتي تشبث بها هذا المجتهد الجديد ثم أبطلها ، ثم أذكر الأدلة الشرعية التي استند إليها جميع الأئمة ، مع الإشارة إلى ما حاوله من تحويلها عن مجراها الطبيعي ، ثم أذكر الشبه التي تشبث بها ، والتي يشتم منها رائحة المعارضة لهذه الأدلة ، ثم أكرُّ كرَّاً عنيفاً على ما ادعاه من الحكم المخالف للإجماع .
ما قيل في شأن المرتد :
أجمع أئمة المسلمين من صحابة وغيرهم على أن الرجل المرتد عن دين الإسلام يقتل بردته ، واختلفوا في المرتدة : فذهب الجمهور إلأى أنها تقتل كالمرتد ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة وابن علية إلى أنها لا تقتل ، وروي ذلك عن ابن عباس .
واختلفوا أيضاً : فقيل : يقتل المرتد مطلقاً حالاً من غير استتابة ، وقيل : لا يقتل مطلقاً إلا بعد استتابة ، وقيل : إن كان زنديقاً يقتل من غير استتابة ، وإن كان غير زنديق لا يقتل إلا بعد استتابة .
واختلف القائلون بالاستتابة : فقيل : يستتاب مرة ، وقيل : ثلاث مرات ؛ قيل : في مجلس واحد ، أو في يوم واحد ، أو في ثلاثة أيام ، وعن علي أنه يستتاب إلى شهر ، وقيل : أكثر ، وعن إبراهيم النخعي : يستتاب أبداً . وسنذكر ما فيه .
حكاية الإجماع على قتل الرجل المرتد :
أولاً : قال ابن عبد البر في التمهيد في الكلام على حديث : من بدل دينه فاقتلوه : " وفقه هذا الحديث أن من ارتد عن دينه حل دمه وضربت عنقه والأمة مجتمعة على ذلك وإنما اختلفوا في استتابته " وبعد أن ذكر الخلاف في الاستتابة وفي المرتدة قال : " وروى عثمان بن عفان وسهل بن حنيف وعبد الله بن مسعود وطلحة بن عبيد الله وعائشة وجماعة من الصحابة عن النبي أنه قال : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس .
فالقتل بالردة على ما ذكرنا لا خلاف بين المسلمين فيه ، ولا اختلفت الرواية والسنة عن النبي فيه ، وإنما وقع الاختلاف في الاستتابة ، وفيما ذكرنا من المرتدة " اهـ .
ثانياً : قال صاحب المغني من فقهاء الحنابلة : وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعاً " اهـ .
ثالثاً : قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة : " فراق الرجل بالردة عن دينه سبب لإباحة دمه بالإجماع ، واختلف الفقهاء في المرتدة " اهـ .
هذا بعض ما قيل من حكاية إجماع المسلمين - لا الائمة الأربعة فقط – على وجوب قتل المرتد .
ما يشتم منه رائحة الخلاف في قتل المرتد :
أولاً : نقل عن النخعي أنه قال : يستتاب المرتد أبداً ، فيفهم من ظاهر كلامه أنه يرى أن الرجل المرتد لا يقتل .
وقد اغتر بهذا الظاهر صاحب المغنى فقال – بعد أن حكى الإجماع كما سبق - : " وقال النخعي: يستتاب أبداً ، وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبداً ، وهو مخالف للسنة والإجماع " اهـ
وكذلك اغتر به ابن حزم في المحلى : " وقالت طائفة : يستتاب أبداً ولا يقتل " ، ورد عليه بقوله : ولو صح هذا لبطل الجهاد جملة ، لأن الدعاء كان يلزم أبداً مكرراً بلا نهاية ، وهذا قول لا يقوله مسلمٌ أصلاً ، وليس دعاء المرتد - وهو أحد الكفار - بأوجب من دعاء غيره من أهل الكفر الحربيين ، فسقط هذا القول " اهـ .
ويظهر أن المجتهد الجديد اغتر بكلام ابن حزم ، فحكى ما حكاه من الخلاف ، والتحقيق أن هذا الظاهر من كلام النخعي غير مراد ، لأنه لا معنى للاستتابة الدائمة ، إذا لم يترتب على عدم الإجابة شيء ، فيتعين حمله على أنه يستتاب أبداً كلما رجع إلى الردة ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : " وعن النخعي يستتاب أبداً ، كذا نقل عنه ، والتحقيق أنه فيمن تكررت منه الردة " اهـ
يعني : أنه إذا ارتد يستتاب ، فإن لم يتب قتل ، فإن تاب ترك ، فإن رجع وارتد ثانياً يستتاب ، فإن لم يتب قتل ، وإن تاب ترك ، وهكذا ، وهذا هو المعنى المعقول من كلام النخعي .
وقد روى البيهقي في السنن الكبرى بسنده هذا المعنى عن النخعي ، أي أنه قال : المرتد يستتاب كلما رجع .
والدليل الصحيح الواضح على مراد النخعي ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم : " وقال ابن عمر والزهري وإبراهيم – أي النخعي - : تقتل المرتدة " اهـ .
فإن كان النخعي يقول بقتل المرتدة التي فيها خلاف ، فهو يقول بقتل المرتد من باب أولى ، على أن الحافظ ابن حجر حينما بين أئمة الحديث الذين وصلوا هذا التعليق ظهر منه أن بعض الروايات عن النخعي بهذا النص : " وإذا ارتد الرجل والمرأة استتيبا ، فإن تابا تركا ، وإن أبيا قتلا " اهـ ، فلا حاجة بنا إلى القياس الأولوي على المرتدة ، فيتعين ما ذكرناه أن النخعي كغيره يقول بوجوب قتل المرتد إن لم يتب ، وأن معنى ما نقل عنه من قوله : " يستتاب أبداً |" ؛ أنه يستتاب كلما رجع ، والله أعلم .
ثانياً : ما رواه البيهقي في السنن الكبرى وابن عبد البر في التمهيد وابن حزم في المحلى عن أنس بن مالك أن نفرا من بكر بن وائل ارتدوا عن الإسلام يوم تستر ، ولحقوا بالمشركين فلما فتحت قتلوا في القتال ، فأتيت عمر بفتحها فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ فعرضت في حديثه لأشغله عن ذكرهم ، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ قلت : قتلوا ، قال: " لو كنت أخذتهم سلماً كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من بيضاء أوصفراء . فقلت : وهل كان سبيلهم إلا القتل ؟ ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين . فقال : أعرض عليهم أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه ، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم ، وإلا استودعتهم السجن " .
وهذا لفظ رواية ابن عبد البر ، واللفظ الذي أورده المجتهد الجديد لفظ ابن حزم .
وظاهر هذه الرواية عن عمر أنه يرى عدم قتل المرتد في الحال ، ولكن لم يبين في هذه الرواية غاية سجنه : هل يسجن مدة معينة فإن لم يتب بعدها يقتل ؟ أو يخرج من السجن من غير قتل ؟ أو يسجن مؤبداً فلا يخرج من السجن إلا إن تاب ؟ كل محتمل .
وقد ورد عن عمر ما يعين مدة سجن المرتد بثلاثة أيام ، فإن تاب وإلا قتل ، فقد روى مالك في الموطأ قال : قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري ، فسأله عن الناس ، فأخبره ، ثم قال له عمر : هل كان فيكم من مغربة خبر؟
فقال: نعم ، رجل كفر بعد إسلامه .
قال: فما فعلتم به ؟
قال: قربناه ، فضربنا عنقه .
فقال عمر : أفلا حبستموه ثلاثاً ، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً ، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ؟ اللهم إني لم أحضر ، ولم آمر ، ولم أرض ، إذ بلغني .
وفي رواية كما في التمهيد لابن عبد البر قال : " قدم وفد أهل البصرة على عمر فأخبروه بفتح تستر ، فحمد الله ثم قال : هل حدث فيكم حدث ؟ قالوا : لا والله يا أمير المؤمنين ، إلا رجل ارتد عن دينه فقتلناه . قال : ويلكم ! أعجزتم أن تطينوا عليه بيتاً ثلاثاً ثم تلقوا إليه كل يوم رغيفاً ، فإن تاب قبلتم منه ، وإن أقام كنتم قد أعذرتم إليه ؟ اللهم إني لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغني " اهـ
فهذا يدل على أن عمر يرى وجوب الاستتابة ، وإمهاله ثلاثة أيام مع سجنه فيها ، فإن تاب وإلا قتل ، فتحمل الرواية المطلقة على ذلك .
وقد استدل ابن القصار - كما في فتح الباري – بهذا الأثر عن عمر لِمَا قاله الجمهور من وجوب الاستتابة ثلاثة أيام وادعى أن عمر قاله بمحضر من الصحابة ، ولم ينكر عليه ، فكان إجماعاً اهـ .
هذا ما يمكن أن يتخيل فيه وجود خلاف بين المسلمين في وجوب قتل المرتد ، وقد تشبث به حضرة المجتهد الجديد ، ففهم منه الخلاف تبعاً لابن حزم الذي اغتر بما نقل عن النخعي ، وكان الواجب استيفاء البحث ليوفق بين وبين من نقل الإجماع .
الأدلة الشرعية التي تعتبر سنداً للإجماع :
أولاً : قوله : " من بدل دينه فاقتلوه " ،أخرجه البخاري وأصحاب السنن ، وكلهم أخرجوه في ضمن قصة إحراق عليٍّ لبعض الزنادقة ، إلا ابن ماجه ، فاقتصر فيها على اللفظ .
ثانياً :قوله : " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة ، وقال ابن عبد البر في التمهيد كما تقدم : " ورواه عثمان بن عفان وسهل بن حنيف وعبد الله بن مسعود وطلحة بن عبيد الله وعائشة وجماعة من الصحابة " .
ثالثاً : ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أن رسول الله بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل ، فلما قدم عليه ألقى إليه وسادة ، قال: انزل . وإذا رجل موثق عنده ، قال : ما هذا ؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تهود . قال : اجلس . قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، فأمر به فقتل . وفي رواية زيادة بعد قوله : " قضاء الله ورسوله " هي قوله : " إن من رجع عن دينه - أو قال : بدل دينه – فاقتلوه " .
هذه بعض الأدلة الشرعية التي تعتبر سنداً للإجماع ، ومن المعلوم أن الصحابة عملوا بمقتضى هذه الأدلة ، فإن أبا بكر حارب أهل الردة باتفاق الصحابة ، وذلك معروف مشهور ، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد : أن عليا أتى بالمستورد العجلي ، وقد ارتد عن الإسلام فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله . وأخرج أيضاً أن علياً أخذ رجلاً من بكر بن وائل تنصر بعد الإسلام ، فعرض عليه الإسلام شهراً فأبى ، فأمر بقتله .
ثم إن هذه الأحاديث الدالة على وجوب قتل المرتد وآثار الصحابة تفيد العمل بمقتضاها ليس فيها ما يشتم منه رائحة حملها على المرتد المقاتل ، ولا على المرتد من العرب الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام ، كما يقول حضرة المجتهد الجديد .
ومن الواضح أن المقاتلين سواء كانوا مرتدين أو كفاراً أصليين أو مسلمين بغاة يجب قتالهم على الوجه المقرر في الشريعة ، وهذا حكم آخر بأدلة أخرى غير هذه الأدلة التي وردت في من بدل دينه وكفر بعد إيمانه ، ولو كان فرداً واحداً لم يقاتل .
والمرتد الذي نفذ في القتل أبو موسى الأشعري لطلب معاذ كأن أصله يهودياً ، فأسلم ثم ارتد ، فلم يكن من العرب الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام .
ما يتخيل في المعارضة لهذه الأدلة :
أولاً : ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود أن قال : لما قسم النبي قسمة حنين قال رجل من الأنصار : ما أراد بها وجه الله ، فأتيت النبي فأخبرته ، فتغير وجهه فقال : رحم الله موسى ، لقد أوذي بأكثر من هذا .
ثانياً : ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري أنه قال : بينا النبي يقسم ، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي ، فقال: اعدل يا رسول الله ! فقال: " ويحك ! ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ قال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه ، قال: " دعه ، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " .
وجه المعارضة : أن الذي صدر من هذين الرجلين في حق الرسول يعتبر كفراً وردة ، ومع ذلك لم يأمر النبي بقتلهما ولا باستتابتهما ، ومنع عمر من قتل الثاني ، فدل ذلك على أن المرتد لا يقتل ، بل ولا يستتاب ، كما رآه حضرة المجتهد الجديد .
والجواب عن ذلك : أما عن الرجل الأول من المنافقين ، واسمه معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف ، ومن المعلوم أن الرسول كان في بدء الإسلام بتغاضى عن المنافقين وعما يحصل منهم من إيذاء ، حتى لا يعرف عن أنه يقتل أصحابه ، فتنفر الناس عن الدخول في الإسلام ، وكان يرجو أن يهديهم الله إلى الإيمان كغيرهم ويعاملهم معاملة المؤمنين ، ويصلي على من مات منهم ، ولما استقر الإسلام وظهر أمره بجهادهم كمظهري الكفر ، فقال تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ، ونهاه عن الصلاة عليهم ، قال تعالى : " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره " .
هذا ، واعلم أن ابن حزم في المحلى ذكر المنافقين وما كان يحصل منهم في حق الرسول على أنه شبهة لمن يقول بعدم قتل المرتد ، وأطال الكلام في ذلك ، وخلاصة ما أجاب به أن المنافقين أقسام : منهم من لم يكن يعرف الرسول عينه ، ومنهم من كان يعرفه ولكنه تاب ، وأما من كان يعرفه وظهر منه وكفر ولم يقتله فلأن ذلك كان قبل تشريع قتل المرتد .
وقد علمت أن مأخذ ابن حزم في حكاية هذا القول هو ما نقل عن النخعي ، وسبق تحقيق القول فيه .
وصاحبنا المجتهد الجديد تبع ابن حزم في حكاية هذا القول والشبه التي أوردها ، ولم يتبعه في رأيه فيها ، بل زاد عليه القول بعد استتابة المرتد أيضاً ، مع أن ابن حزم حكى الإجماع على ذلك ، وعبارته : " الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه ، فمن قائل : يكره ولا يقتل ، ومن قائل ، يكره ويقتل " اهـ .
وأما عن الرجل الثاني فإن الرسول أخبر عنه بأنه رأس الخوراج ، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومآلهم وأمر بقتلهم وقتالهم ووقع كما أخبره ، وذلك من دلائل نبوته ، إلا أن صدور هذا الكلام من هذا الرجل رئيسهم كان قبل أن يستقر الإسلام ، فكان الحال داعياً للتآلف ، لئلا ينفر الناس عن الإسلام ، وقد ورد في بعض طرق الحديث أنه حينما أراد عمر قتله ومنعه الرسول ، قال عليه الصلاة والسلام : " ولا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي " ، وفي رواية : " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " ، ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث تحت ترجمة : " باب ترك قتال الخوارج للتألف ، ولئلا ينفر الناس عنه " .
وقد صح عن أبي سعيد الخدري راوي هذا الحديث أن النبي بعد أن استقر الإسلام بعث إلى هذا الرجل على بن أبي طالب ليقتله ، فلم يجده . والله أعلم .
تنفيد الأدلة التي تخيلها من بنات فكره على ما ادعاه من مخالفة الإجماع :
أما قوله : " ولا شك أن عدم قتل المرتد هو المناسب لما جاء به الإسلام من الحرية الدينية " فغير صحيح على إطلاقه ، لا بالنسبة للمسلمين ولا بالنسبة للكفار ، أما المسلمون فقد تقرر في الشريعة عقوبات رادعة في الدنيا من حدود وتعازير لكل من تعدى منهم حدود الله ، فتارك الصلاة يعاقب بالقتل أو الحبس ، ومانع الزكاة تؤخذ منه قهراً ، فإن كان له منعة وقاتل يقاتل ، وهكذا ، فأين الحرية الدينية ؟
وأما الكفار فإن كانوا من أهل الكتاب وأمثالهم فالمطلوب منهم إما الإسلام وإما دفع الجزية ، احتراماً لأصل دينهم ، وأما من غيرهم فالمطلوب منهم الإسلام فقط ، فأين الحرية الدينية المطلقة لهم ؟
وأما قوله : " لأن الدعوة إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة " ، فهذا صحيح على الجملة ، لكن إن لم تفد الحكمة والموعظة الحسنة وعاند الكافر ولم يسلم ولم يدفع الجزية – إن كان من أهل الكتاب – أو وقف في سبيل الدعوة على الرأي الحديث ، فماذا يكون الحال ؟ أيترك حراً ولا يقاتل أم يقاتل ؟
وأما قوله : إن القرآن نفى الإكراه في الدين نفياً صريحاً واستدلاله بالآيتين ، فهذا من عجائب الأفكار ، وغرائب الأفهام ، أم الآية الأولى فكلام الأئمة فيها مشهور : فمنهم من قال : إن معناها لا إكراه من الله تعالى في الدين ولا إلجاء ولا قسر بعد أن تبين الرشد من الغي ، وإنما جعل الأمر موكولاً إلى اختيارهم أحد النجدين : طريق الهدى والرشاد ، وطريق الغي والضلال ، ليتحقق الابتلاء والامتحان في دار الدنيا ، ثم هو يجازي كاً حسبما فعل باختياره ، وربما يتوهم أن هذا المعنى إنما يتمشى على مذهب المعتزلة الذين يقولون بخلق العبد أفعاله الاختيارية ، وليس بصحيح ، بل يجري على مذهب أهل السنة أيضاً ، لأنهم يقولون : إن للعبد كسباً واختياراً هو مناط التكليف .
ومنهم من قال : إنه خبر بمعنى النهي ، والمعنى : لا تكرهوا أحداً على الإيمان ، وهي خاصة بأهل الكتاب ، فإنهم مخيرون بين الإسلام ودفع الجزية ، وسبب نزولها يؤيد هذا الرأي .
وهناك أقوال أخرى ، وكلها لا تمت إلى لمرتد بنسب ولا سبب .
وأما الآية الثانية : فالجواب عنها هو مجرد تلاوتها بتمامها ، قال الله تعالى : " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً " .
ولا شك أن العامي الذي يسمع تلاوتها كل حين من قارىء سورة الكهف يفهم منها أن الغرض التهديد من الله تعالى للكافرين ، ولا يخطر في باله أن المعنى على الإباحة والتخيير ، إذ لا معنى للوعيد الشديد حينئذ .
وقد رأيت كتاباً صغيراً يدرس لتلاميذ المدارس الأولية أو الإعدادية ، فيه التمثيل للأمر الوارد للتهديد بهذه الآية ، فكيف يغيب عن أستاذ اللغة العربية ما لم يجهله صبيان المكاتب ؟ فإذا كان هذا مبلغ إدراكه في اللغة العربية فكيف يصح أن يؤتمن على تدريسها ؟
هدانا الله وإياه إلى سواء السبيل .