صدر حديثا ( أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية ) لأبي عبد الرحمن محمد بن محمود بن إبراهيم عطية ، عن مكتبة السنة بالقاهرة .
وهذا ملخص البحث :
ملخص
أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ؛ أما بعد :
فالحرب شطر العلاقات الخارجية لأي دولة ؛ إذ العلاقة بين الدول إما سلم أو حرب ؛ وتعد الحرب أهم ركني العلاقة ، إذ على إثرها تتغير أحوال الدول سلبًا أو إيجابًا حسب نتيجة الحرب .
وللحرب علاقة بالجهاد في الإسلام ، فالإسلام لا يخوض حربًا إلا في سبيل الله ، والقتال في الإسلام له ضوابط وأخلاق ؛ هي من دين الله كما أن الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين .
وأحرى بمن يتناول الحديث عن ( أخلاقيات الحرب ) أن يتحدث أول ما يتحدث عن تلكم الأخلاقيات التي علمها النبي  جيشه الذي خرج ليقاتل في سبيل الله ، فيخوض حروبا ما عرفها التاريخ من قبل ، حروبا على شدتها وضراوتها تحمل أخلاقًا لا تتعداها ، فيفتح المسلمون قلوب أهل البلاد بتلكم الأخلاق ، قبل أن يفتحوا بلادهم بسيوفهم .

ولما كان الكلام في أي مبحث يحتاج إلى بيان لمفرداته لتتضح معالمه وتظهر أبعاده وتكتمل صورته ، كان لابد من تمهيد يتحدث عن المفردات الأربعة ( أخلاقيات – حرب – سيرة – نبي ) .
ثم لما كانت الحرب تشكل شطر العلاقات الخارجية للدول ، كان لابد أن نتحدث عن أصل هذه العلاقة بين الدول في الإسلام ، فكان الحديث في الباب الأول عن ( علاقة دولة الإسلام بغيرها من الدول ) .
ولأن للحرب علاقة بالجهاد في الإسلام ، فقد جعلت الباب الثاني في الحديث عن ( الجهاد في الإسلام ) .
ثم كان الباب الثالث ( أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية ) بعد أن اتضحت الصورة وانجلت أبعادها .

وقد تناولتُ في التمهيد الحديث عن الحرب وأسبابها ، وأنواع الحروب ، وهل لابد من الحرب ؟ ومعنى أخلاقيات ، ومعنى الحرب ، وأخلاقيات الحرب ، ومعنى السيرة ، ومعنى النبي .
ولما كان الباب الأول في الحديث عن العلاقة الدولية بين دولة الإسلام وغيرها من الدول ، كان لابد من الحديث عن عالمية الدعوة ، وأن الله تعالى شاء أن تكون الدعوة الإسلامية التي أنزلها على نبينا محمد  دعوة عالمية ورسالة خاتمة للرسالات السابقة ؛ أراد الله تعالى لها أن تكون دعوة إنسانية موجهة للبشر جميعًا ، لا تخاطب أقوامًا بأعيانهم ولا جنسًا بذاته ، رضيها الله تعالى للناس دينًا ، فكانت هي الدين الكامل الذي أتمَّ الله تعالى به علينا النعمة فقال : اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا  ( المائدة : 3 ) ، وقد تواردت النصوص الشرعية بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام وعالميتها منذ بداية الدعوة ؛ وسيرى القارئ في هذا الفصل بيانا شافيا لهذا الموضوع بإذن الله تعالى .
وكان الفصل الثاني من هذا الباب في بيان أن الأصل في علاقة دولة الإسلام مع غيرها من الدول هو ( الدعوة ) أي عرض الإسلام عليهم عرضًا صحيحًا يقيم الحجة ويقطع العذر ، هذا أصل العلاقة التي ينبني عليه السلم أو الحرب في الإسلام .

فإن كانت العلاقات الدولية الوضعية – في القديم والحديث – تقوم على الأنانية وحب الذات والمصلحة الخاصة ، ولا تقيم وزنا للقيم الأخلاقية ولا المبادئ الإنسانية ولا المعاهدات والمواثيق الدولية .
فإن علاقة دولة الإسلام بغيرها من الدول تقوم في الأصل على الدعوة إلى الله تعالى الذي ينبني عليها علاقة الحرب أو السلم ، فإن هم قبلوا الإسلام وأذعنوا لرب الأرض والسماء كانوا من المسلمين ، وإن أبوا ودفعوا الجزية ولم يحاربوا دين الله ولم يصدوا عن سبيله  ، كانوا أهل ذمة معصومي الدم والمال ، وإن عقدوا عهد هدنة مدةً لا حرب فيها ، كانوا أهل عهد ، وإن أبوا إلا حرب الإسلام ورفضوا الانصياع لأمر الله تعالى وصدوا عن سبيله ، فهم أهل حرب .
فعلى هذا أقام الإسلام قواعد العلاقات الدولية بين الناس على افتراض أنهم إمَّا مؤمنون ، وإما معاهدون ، وإما لا عهد لهم ؛ وإنما اتضحت هذه العلاقات بعد ظهور موقف هؤلاء من الدعوة الإسلامية ؛ فعلاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى - على اختلاف ألوانها ولغاتها وأديانها - ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب ابتداءً ، وليس الأصل هو السلم مطلقًا ، وليس هو الحرب مطلقًا ، وإنما هي علاقة دعوة ؛ وإنما تكون العلاقة بعد ذلك علاقة سلم أو حرب ، ويكون الأصل هو السلم أو الحرب ، بعد تحديد موقف الأمم والدول الأخرى من دعوة الإسلام قبولاً أو رفضًا . ولذلك يقول الدكتور الغنيمي : إن علاقة الدولة الإسلامية بأيٍّ من دول دار المخالفين تتوقف على سياسة تلك الدول من الدعوة الإسلامية ؛ وتلك لعمر الحق بدهية من بدهيات السياسة الدولية .
وفي هذا الفصل عرضٌ فيه بيان لهذه المسألة بفضل الله تعالى .

ثم كان الحديث في الباب الثاني عن الجهاد ومعناه وعلاقته بالحرب ومراتبه وحكمه وحقيقته وأطواره وأنواعه وأهداف القتال في الإسلام ، ثم الحديث عن القتال في التوراة والإنجيل والقرآن ، والرد على شبهات وافتراءات يوردها أعداء الإسلام على فريضة الجهاد ؛ وبيان أن الطعن الدؤوب في الجهاد من أعداء الإسلام أخذ أشكالا عديدة ؛ منها محاولة إبطاله بالكلية ؛ ومنها ادعاء أن الجهاد لم يكن الباعث عليه الدين وإنما كان مصالح اقتصادية ومغانم دنيوية ؛ كما حاول البعض قصر الجهاد على الدفاع فقط ؛ وأخيرًا الفرية المشهورة المتجددة ( الإسلام انتشر بالسيف ) ، وقد حاولت جهدي أن أعرض للشبهة ورد علماء الإسلام عليها ، ونقلت ما أمكن نقله من ردود المنصفين غير المسلمين ؛ لنقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .
ثم كان الباب الثالث وهو بيت قصيدنا ولم يكن ما قبله إلا تمهيدًا له وجلاء لأمره وبيانًا لشأنه وهو ( أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية ) الذي هو بيان لجزء من رحمة الإسلام ؛ فحتى في الحرب والتي يعتقد كثير من الناس أنه لا أخلاق لها ولا رحمة فيها ؛ ففي الإسلام لها أخلاق ، وفيها مع شدة وقعها نشر للعدل وإزاحة للطغيان الذي يمنع وصول الحق للناس ؛ وفي ذلك - بلا شك - رحمة ؛ فإن رفع الظلم وإزاحة الظالم رحمة للمظلومين .
والمراد بأخلاقيات الحرب تلك الأخلاقيات التي تشكل مبادئ وقواعد إنسانية في أوقات الحرب ؛ من احترام للعقود والمواثيق ، وحسن معاملة الأسرى ، وعدم قتل النساء والأطفال ومن لا يقاتل أو يشارك في القتال ... إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وليس غريبا على الإسلام أن يكون له أخلاقيات في الحرب وإن لم يعرفها أعداؤه ... إنه دين الله الذي جعل الأخلاق أصلا من أصوله ليست مادة ترف ، يلوكها من يلوكها بلسانه .. إنها منهاج حياة .
فقد انتشر الإسلام في ربوع العالم واعتنقته الشعوب طواعية لا عن إكراه ، شهد بذلك الموافق والمخالف ؛ يقول المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه ( حضارة العرب ) وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده  وفى عصور الفتوحات من بعده : إن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن ، فقد ترك العربُ المغلوبين أحرارًا في أديانهم ، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلامَ واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين ، ولما عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفونها من قبل .
قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة ، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول ، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها .. ولم يكن الإسلام أقل انتشارًا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط ، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها ، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا في الوقت الحاضر . ويقول في موضع آخر : فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ، ولا دينا سمحا مثل دينهم ؛ ويتحدث عن صور من معاملة المسلمين لغير المسلمين فيقول : وكان عرب أسبانيا - خلا تسامحهم العظيم - يتصفون بالفروسية المثالية ؛ فيرحمون الضعفاء ، ويرفقون بالمغلوبين ، ويقفون عند شروطهم ، وما إلى ذلك من الخلال التي اقتبستها الأمم النصرانية بأوربا منهم مؤخرًا .
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه : العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام ، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود - الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها - سمح لهم جميعا دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم ، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى ، أوليس هذا منتهى التسامح ؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى ؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الأسبان واضطهاد اليهود ؛ إن السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجوا أنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية ، فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب : إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتة وهم لا يستخدمون معنا أي عنف .ا.هـ .
فهذا هو الإسلام ، وتلك حضارته في واقع التاريخ ، وفي كلام مخالفيه .
شهد الأنام بفضله حتى العدا والفضل ما شهدت به الأعداء

إنَّ القتال في الإسلام - كغيره من التشريعات الإسلامية - يقوم على أسس أخلاقية تربى عليها قادة وجنود جيش المسلمين ؛ أخلاقيات تظهر فيهم أنفسهم ، وفي علاقتهم بعضهم ببعض ، وأخرى تظهر مع من يحاربونهم قبل القتال ، وفي أثناء القتال ، وبعد القتال ؛ وسيرى القارئ في هذا الباب ما يجعله يندهش من أخلاقيات الإسلام حتى في الحروب مع أعدائه .

فلا يَأْخذ العدو على غرة قبل أن ينبذ إليه على سواء ؛ فلا يغدر بعهدٍ عقده معه ؛  وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ  ( الأنفال : 58 ) . ونهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ ومن لا يقاتل من المدنيين ؛ بل ويرتفع الإسلام بالمسلم إلى ذروة الإنسانية حين يأمره بأن يعمل على توفير الأمن للمشرك الخائف وحمايته وإيصاله إلى بلده ومأمنه :  وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ  ( التوبة : 6 ) .
هذه أحكام الإسلام في القتال وهي أحكام -كما ترون- أخلاقية عادلة ، ولا توجد أية شريعة تضاهيها خلقًا وعدالة ، ومع هذا نجد هناك محاولات من الغرب لتشويه الجهاد الإسلامي بغرض إلغائه وإلغاء حق المقاومة المشروع في دنيا يشيع فيها قانون الغاب ، ويراد للمسلمين فيها أن يظلوا الشياة لمطامع الذئاب .

إن الناظر بعين الإنصاف إلى حروب الإسلام يجد أن للحرب في الإسلام أخلاقيات لم ترق إلى معشارها دساتير العصر الحديث ، ولا اتفاقية جنيف ؛ فقد تقدم الإسلام بخطى واسعة في هذا المجال ولا يمكن أن يدركه قانون أو يقترب منه تشريع .
إن جميع الحروب في الإسلام لم تكن تعشق الدم أو تحب القتل أو تسعى في هدم أو دمار ، فلا اغتصبت امرأة على مدار التاريخ الإسلامي ، ولا أهين رجل بغير وجه حق ، ولا انتهكت حرمة فتاة ولا عبث فيها بذوات الخدور ، لم تُدمر الديار ولم يُرتكب عار أو شنار ، ولم تُزهق النفوس البريئة ، ولا ضرب حجر في غير موضعه فأصاب آلاف الأبرياء ؛ ولم يكن للفاتحين المسلمين سجون يعذب فيها أحد بألوان العذاب .
الله الله في حروب الإسلام ، إن التاريخ ليزهو والزمان ليفتخر أن كان ثمة مسلمون مقاتلون .
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ؛ ثُمَّ قَالَ : " اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تَمْثُلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ؛ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ " ؛ وكان  فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : " انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ ؟ " فَجَاءَ فَقَالَ : عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ ؛ فَقَالَ : " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ " وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : " قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا " ، وهكذا فعل خلفاؤه الأشاوس والتابعون وتابعوهم ، وهذا صلاح الدين الأيوبي يوم فتح القدس أمَّن أهلها على دورهم وأرواحهم ، وأمر بالبحث عن طفل ضاع من أمه - فهي تبكي بكاء مرًا - حتى أحضره إليها وطمأن قلبها .
شُرع الجهاد في الإسلام رحمة بالضعفاء ، ونصرة للمظلومين ، وعدالة للمغلوبين ، وهداية للحائرين ؛ وإذا كنا قد سمعنا أو شاهدنا جرائم أعداء الإسلام في حق الشعوب المسلمة قديمًا وحديثًا فإننا نجد في المقابل صورًا رائعة من سمو أخلاق الفاتحين المسلمين حين ملكوا وقادوا :
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
فلا عجبًا هذا التفاوت بيننا ... فكـل إناء بالذي فـيه ينضح
يكاد يجمع أهل العقول على أن الأزمات والنكسات التي تعرضت وتتعرض لها البشرية من جراء الحروب إنما هي وليدة أزمة أخلاق ، إذ الأخلاق هي النظام الأساس في حفظ حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليهم ، واعتبار آدميتهم حتى إذا نشبت الحرب .
وهذا ما جاء به الإسلام الحنيف للبشرية جميعا ليضع حدًّا لما وصلت إليه المجتمعات الجاهلية من خرق لكافة القيم الإنسانية بالقتل والسلب وإهلاك الحرث والنسل .
لهذا نرى الإسلام قد وضع قواعد وأسس أخلاقية عامة يمكن من خلالها الحد من نشوب الحروب ، وإمكانية التقليل من الخسائر حتى عند اشتعالها .
ألا ما أبأس البشرية في حياتها بعيدة عن منهج السماء .. ألا ما أحوج البشرية اليوم وهي قلقة حائرة ، شاردة في متاهات المادية ، وجحيم الحروب ، وجفاف الأرواح والقلوب إلى أن تتنسم رحمة الإسلام وتعي منهج رسالته .
هذا ملخص يجد القارئ تفصيله في هذه الرسالة التي أسأل الله تعالى أن يتقبلها مني وأن يجعل لها القبول في الأرض ، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها وناشرها والدال عليها إنه سميع مجيب ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه .
وكتبه
أفقر العباد إلى عفو رب البرية
محمد بن محمود بن إبراهيم عطية