الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين واصحابه المنتجبين الى قيام يوم الدين وبعد :

الاخوة الافاضل اضع بين ايديكم دراسة التنغيم ودلالته في القران الكريم المبحث الثاني



المبحث الثاني
وظيفة التنغيم
لا شك ان للتنغيم وظائف منوعة في التحليل اللغوي وفي عملية الاتصال الاجتماعي بين المتكلمين ومن هذه الوظائف :
1- وظيفة دلالية سياقية :
" حيث ينبئ اختلاف النغمات ، وفقا لاختلاف المواقف الاجتماعية ، عن حالات او وجهات نظر شخصية في عملية الاتصال بين الافراد وهذه النغمات تؤدي دورها في الشان بمصاحبة ظواهر صوتية اخرى من ظواهر التطريز الصوتي ... وظواهر خارجية لغوية ... تتعلق بالظروف والمناسبات التي تلقى فيها الكلام "[1] .
ويظهر ذلك جليّا في حالات القبول والرضا ، والزجر والتهكم والنهي والغضب ، والتعجب والدهشة ، والدعاء حيث تاتي الكلمة او الجملة بانماط تنغيمية مختلفة .
واورد الدكتور كمال محمد بشر مثالا على ذلك جملة (لا يا شيخ) – بالعامية المصرية – اذ درج اللسان العامي على ادائها بصورة نغمية مختلفة ، وفقا للحال ومقصودها التعبيري المعين [2].
ثم يقول الدكتور كمال محمد بشر : " وفي هذه الحالة تاتي النغمات المختلفة مصحوبة بسمات صوتية اخرى ، كالنبر القوي لبعض المقاطع وتطويل الحركات مع بعض الحركات او الإشارات الجسمية أيضا ، كرفع اليد او الحاجب ، او هز الكتف ، او الابتسام او تقطيب الوجه ، او رفع الصوت او خفضه الخ ، وكلها من أنماط التنغيم المختلفة تقود الى الاختلاف او التباين في المعنى السياقي ... لهذه العبارة الواحدة حسب مقتضيات المقام او السياق الاجتماعي "[3] .
2- وظيفة اجتماعية :
يشير اليها جل علماء اللغة الاجتماعيون اذ يرون ان للتنغيم وانماطه دورا في تعرف الطبقات الاجتماعية والثقافية المختلفة في المجتمع ، حيث لاحظوا ان هذه الطبقات تختلف فيما بينها في طرائق اداء الكلام ، وان اطار موسيقى الكلام عندهم يختلف من طبقة الى اخرى وفقا لمواقع كل طبقة في المجتمع ومحصولها الثقافي [4].
اذ طريقة القاء رجل البادية تختلف عن طريقة القاء رجل الريف ورجل المدينة ؛ بحكم الاجواء والظروف التي تحيط به فيميل دائما الى القوة والخشونة والصلابة .
وهذه اشارة ذكية تحتاج الى دراسة اوسع واعمق ، " لتعرف مدى العلاقة بين البنية اللغوية والبنية الاجتماعية ، الامر الذي يسهل على الدارسين الكشف عن واقع اللغة ومالحقه ويلحقه من تغيرات او اختلافات في المجتمع اللغوي المعين "[5] .
3- وظيفة نحوية :
هذه الوظيفة هي الوظيفة الاساسية للتنغيم ، اذ هي العامل الفاعل في التمييز بين انماط التركيب ، فنجد في بعض الكلمات صيغتين متماثلتين من الناحية الصوتية ولكن كلاً منهما تنطق بنغمة مخالفة فيكون لكل منهما معناه[6] ، ومن ثم يمكن للدارس تحليل مادته تحليلا علميا دقيقا حسب اطارها الصوتي وكيفيات ادائها الفعلي[7] .
فالتنغيم بانماطه المنوعه عامل اساسي في بيان هيكلية الجملة المنطوقة هل هي تامّة في مبناها ومعناها ام غير ذلك .
وهذا بدوره يظهر بوضوح في الجمل الشرطية ، كما في قولنا ان تات ، تجد مايفرحك .
حيث تنتهي جملة الشرط بنغمة صاعدة ، دليلا على عدم تمام الكلام ، فتمامه يحصل بجواب الشرط الذي ينتهي بنغمة هابطة ، دليلا على الاكتمال في المبنى والمعنى معا [8].
والتنغيم هنا يقوم بوظيفة الترقيم في الكتابة غير ان التنغيم اوضح من الترقيم في الدلالة على المعنى الوظيفي للجملة[9] ، وقد اشرنا الى ذلك في مثالنا هذا بموضوع الفاصلة [،] في الجزء الاول ، والنقطة [.] في الجزء الثاني ، اذ الفاصلة دليل استمرارية المنطوق كما تعني ارتباط هذا الجزء من المنطوق وتعلقه بما يكلمة ، فكانت النقطة في النهاية دليلا على الاكتمال[10] .
ومن وظائف التنغيم النحوية دوره في تصنيف الجمل الى انماط مختلفة ، من تقريرية ، واستفهامية ، وتعجبية ، وسخرية ، وتاكيدية ، وتحذيرية ، وغير ذلك من المواقف الانفعالية[11] .
ويمكن التمثيل لذلك من اللغة العربية المعاصرة بالامثلة الاتية :
أ- لا : اذا نطقت بنغمة هابطة تكون جملة تقريرية بمعنى (لا اوافق) .
واذا نطقت بنغمة صاعدة هابطة تدل على الدهشة او الاستنكار .
واذا نطقت بنغمة صاعدة هابطة تكون توكيدية [12].

ب- والجملة العامية : (شفت اخوك) جملة اثباتية اذا نطقت بتنغيم خاص ، ولكنها تكون استفهامية اذا نطقت بتنغيم من نوع اخر[13].
ت- والجملة العامية : (نجح محمد ؟) كاستفهام تختلف نغمتها عن اختها التقريرية : نجح محمد[14] .
وكذلك لاشك ان الامثلة العربية القديمة التي وردت للنداء بدون حرف النداء او الاستفهام بدون اداة الاستفهام كانت تعتمد على التنغيم للدلالة على هذا المعنى المعين . ويكون وجود التنغيم في هذه الحالة هو المميز الوحيد بين عضوي (الثنائي الاصغر) بخلاف ما اذا ذكر حرف النداء او الاستفهام[15] .
ويمكن ان نعطي مثالا تقريبي لما حُذف منه حرف الاستفهام ، كقوله تعالى : (َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[16] ، ذكر جماعة من المفسرين ان التقدير (أتبتغي) ، اشارة الى ان همزة الاستفهام محذوفة ، وهي الدالة على الاستفهام[17] .
اذاً فالتنغيم عنص مهم من عناصر الاداء ، وعدم اتقانه يؤدي الى عدم الوضوح . وقد يحدث ان يتحدث إليك من لا يتقن اللغة ولا يجيد أداءها فلا تعرف مايريد ان يقول ؛ والسبب في ذلك يعود إلى انه لا ينطقها بما هو متعارف عليه من التنغيم . ان حس الأداء لا يأتي الاّ باتباع سنن اهل اللغة في النطق ، والاهتمام بالجانب التطبيقي ، والتعود على مجاراة الفصحاء ، والسماع للقراء المجودين ، فالقراءات التي نسمعها من القراء من وقف ، ومد ، وسكت هي التنغيم . هذه الجوانب المشرقة في تراثنا يجب ان نضع أيدينا عليها ، لان حسن الاداء ووضوح المعاني من اهم ما سعى اليه علماء العربية والتجويد .




[1]كمال محمد بشر ، ص 540 .

[2]ظ: المصدر نفسه ، ص 540 .

[3]المصدر نفسه ، ص 540

[4]ظ: المصدر نفسه ، ص 540 .

[5]المصدر السابق ، ص 540 .

[6]ظ: محمود السعران ، علم اللغة مقدمة للقارئ العربي ، (بيروت : بلات ، دار النهضة العربية) ، ص 225 .

[7]ظ: كمال محمد بشر ، ص 541 .

[8]ظ: المصدر نفسه ، ص 541 -542 .

[9]تمام حسان ، مناهج البحث في اللغة ، ط: الثانية ، (بلام : بلا ت ، الدار البيضاء) ، ص 226 .

[10]ظ: كمال محمد بشر ، ص 542 .

[11]ظ: برتيل مالمبرج ، ص 209 ؛ فوزي الشايب ، محاضرات في اللسانيات ، (عمان: 1999م ، وزارة الثقافة) ، ص 257 .

[12]ظ: احمد مختار عمر ، ص 366 – 367 .

[13]ظ: كمال محمد بشر ، ص 545 .

[14]ظ: احمد مختار عمر ، ص 367 .

[15]ظ: المصدر نفسه ، ص 367 .

[16]سورة التحريم ، الاية : 1 .

[17]ظ: كمال محمد بشر ، ص 544 .