اكتشاف مخطوط:
"زينة الكَتَبَة" لأبي بكر الرازي (311هـ)

تاريخ الإضافة: 8/11/2012 م - 23/12/1433 هـ
"كثيرًا ما تحوي مجاميع المخطوطات على دُررٍ ونوادرٍ!"
(المجموع: مجلد يحتوي على أكثر من كتاب)

في إحدى مهام فهرسة مجاميع المخطوطات في دار الكتب المصرية، أمسك أحد المفهرسين مخطوطًا كُتب عليه "زينة الكَتَبَة" للرازي، وتسائل دون أن يدرك قيمة ما بيده، عن التصنيف الذي ينبغي إدراج المخطوط ضمنه؟! كان ذلك مفاجأة مثيرة، أن يُعثر بهذه الصُدفة على أقدم نص متخصص في صناعة المخطوط العربي!
كان يُمكن للصدفة أن تكمل عملها ويتوارى المخطوط تحت أي تصنيف دون الإلتفات إليه. لكن شاء القدر أن يتم العثور على المخطوط وتقديره، فكان أن تلقفتُه وطفقتُ أقلب أوراقه، وكان أقصى آمالي أن يكون نصًا متأخرًا يتناول ملاحظات حول صناعة المخطوط العربي. فإذا بي أمام نص كامل يُعد أقدم النصوص التي وصلتنا في الموضوع، منسوب لمؤلِّف شهير، لم تتناوله أيٍّ من الدراسات المعاصرة، بل لم يذكر كمصدر تراثي مفقود، سواء تلك الدراسات التي اعتنت بالموضوع أو المؤلِّف.
(زينة الكَتَبة) مخطوطٌ أصيلٌ صغير الحجم (6 ورقات) كبير الفائدة. وهو نَصٌّ صحيح النِّسبة إلى مؤلِّفه أبي بكر محمد بن زكريا الرَّازي، الطبيب والكيميائي المعروف، المتوفى سنة 312 هجريًا / 925 ميلاديًا. والنَّص إلى جانب قيمته الفكرية والتاريخية، يمتاز بكون مؤلفه أحد الأعلام المشهورة المتخصصة، مقارنة بأغلب النصوص المتأخِّرة عنه، التي يتراوح مؤلِّفيها ما بين جهالة أسمائهم إلى عدم شهرتهم وتخصصهم.
ورد اسم (زينة الكَتَبة) في المخطوط (في العنوان، والمقدمة، وحرد المتن colophon)، بينما أوردت المصادر اسم (زينة الكُتَّاب) كما جاء في كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لابن ابي أُصَيْبِعَة، و"هدية العارفين" للبغدادي، وربما يكون هو نفسه (حيل الكُتَّاب) الذي أورَده البيرُوني في فهرسه لكتب الرَّازي.
وهذا المخطوط فريد لا تٌعرف له نسخ أخرى إلى الأن، سوى هذه النسخة المحفوظة في دار الكتب المصرية، تحت رقم (331 مجاميع طلعت). لكن من يدري، لعل الأيام تأتي لنا بنسخ أخرى أو بنصوص أخرى مجهولة تكشف المزيد حول صناعة المخطوط العربي، خاصة أن المصادر تورد عناوين مفقودة مثل "تنويق النطاقة في علم الوِرَاقَة" وغيره.
قدَّم الرَّازي رسالته هذه للكُتَّاب واحتياجاتهم المتخصصة، وبدأ بتفصيل أنواع الأحبار المختلفة، فذكر منها ما يصلح لأنواع من حوامل الكتابة دون غيرها، ومنها ما يُستخدم مباشرة بعد الصُّنع، وآخر للحفظ الطويل ورحلات السَّفر. والطريف أن من ضمن هذه الوصفات التي بلغت 18 وصفة، 11 وصفة لصُنع وإظهار الأحبار السرية التي يبدو أنها كانت منتشرة في كتابات ذلك الوقت. من هذه الأحبار حبر يظهر في الليل فقط، وآخر يختفي بعد فترة، وطرق للكتابة بالدخان، إلى جانب حيل أخرى طريفة.
ويفيدنا النَّص أن المواد الأكثر استخدامًا في صناعة الأحبار عند العرب في ذلك الوقت هي: العَفْص، والزَّاج (كبريتات النّحاس)، والصَّمْغ العربي. كما لم ترد من أدوات الصناعة سوى أدوات الكتابة الرئيسة: القَلَم، والدَّواة (المَحْبَرة)، واللِّيِقَة (وهي قطعة من الصُّوف تُتَّخَذ لتلَقِّي الحبر في الدَّاوة).
أمَّا عن حوامل الكتابة التي كان العرب يكتبون عليها في ذلك الوقت فهي: الرَّق (الجلد الذي يُرقَّق ليُكتب عليه)، والقِرطاس (البَرْدِي)، والكَاغَد (الوَرَق). وقد أورد المؤلِّف وصفات خاصة بسَقْي الورق وتسميكه ولصقه، إضافة إلى كيفية تجهيز الرَّق بمحو ما عليه لإعادة الكتابة عليه، وهو ما يُسمَّى بـ (الطَّرْس) أو (الطَّلْس). كما تعرَّض إلى طرق تعتيق الورق (أي معالجته لإظهاره كالقديم) وهو ما كان يُستخدم في تزوير المخطوطات والوثائق.
ومن الموضوعات التي أستوعبت جزءًا كبيرًا من نَّص المخطوط معالجات قلع (إزالة) آثار الأحبار من الورق والثياب، وأيضًا قلع آثار الأصباغ والفاكهة بأنواعها، ومختلف المواد الطبيعية والصناعية، فقد زادت الوصفات المذكورة عن 50 وصفة. إلى جانب هذا تعرَّض النَّص لموضوعات عامة مثل خِضاب الشَّعر (صباغته)، وسَن السكين والسيف، وغيرها من المسائل الصناعية والحياتية.
وتُعدُّ مثل هذه المعارف ضرورية في معرفة مكونات المخطوطات العربية التي وصلتنا، وكيفية دراساتها، وصيانتها وترميمها، وهي تجيب عن سؤال: كيف كان العرب يصنعون الكتب فعليًا؟ دون تصورات أو افتراضات نظرية. هذا فضلاً عن التوثيق الحضاري والتاريخي لبواكير تاريخ "الوِرَاقَة" العربية التي تقابل في العصر الحديث "إنتاج الكتب".
ويُبرز المخطوط جانبًا مهمًا من جوانب الحضارة العرب الإسلامية، التي لم تهتم فقط بالعلوم الدينية والمعارف العقلية، وإنما اهتمت كذلك بالعلوم البحتة والتطبيقية وبالصناعات اليومية، فضلاً عن عنايتها المعروفة بالفنون والآداب. ومن أهم هذه الصناعات-والتي ترتبط أيضًا بالفنون- صناعة الكتاب؛ مخزن المعارف وسِجِل التجارب والخبرات في الحضارات الراقية.

تنويه متكرر: المواد المنقولة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الناقل.