الشرح المختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل
[الحلقة 19]

نستكمل بعون الله ما سبق من الشرح على هذه الروابط:
http://vb.tafsir.net/tafsir32461/

[تابع باب فُعِل]

[197- وَنُتِجَتْ نَاقَتُهُ وَالْفَرَسُ ..... تُنْتَجُ مِثْلُ نُفِسَتْ وَتُنْفَسُ]

تقول (نُتِجَت الناقةُ) بضم النون وكسر التاء في الماضي على صيغة المبني للمفعول كما سبق معنا في أول الباب أن جميع الأفعال المذكورة فيه مبنية للمجهول إلا ما ذكر استطرادًا أو تنبيها.
والمضارع (تُنتَج) بضم التاء الأولى وفتح التاء الثانية، وهذا قياسٌ مطرد في المبني للمفعول؛ كما تقول: ضُرِب يُضرَب، كُسِر يُكسَر، فُتِحَ يُفتَح، مُلِئ يُملَأ، وهكذا.
هذا ما يتعلق بتصريف الفعل، أما معناه فسيأتي في البيت القادم، وقولُ الناظم (مثل نُفِست وتُنفَس) يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المقصود به مجرد الوزن.
الثاني: أن يكون المقصود به بيان معنى الفعل.
والاحتمال الأول بعيد فيما أرى؛ لأن الباب كله معلوم الوزن والتصريف، وقد أُشِير إليه مرارًا، فلماذا يحتاج الناظم إلى النص عليه هنا بهذا التطويل؟
وعليه فيكون المراد أن معنى (نُتِجت) في الحيوان مشابه لمعنى (نفست) في الإنسان.
وقوله (ناقته والفرس) ليس من باب ضرب المثال؛ لأن المثال يكفي فيه واحد، فالمقصود به الإشارة إلى قول بعض العلماء: إن النِّتاج يستعمل في الناقة والفرس فقط، وما سوى ذلك قبيح، وقال غيره: يستعمل في جميع الدواب، ويستعمل (الوِلَاد) في الغنم.
وسيأتي استعمال الناظم (للولاد) في البيت (199).
وسيأتي استعمال الناظم (للنتاج) في البيت (227)

[198- وَأَهْلُهَا تَقُولُ: يَنْتِجُونَهَا ..... يَلُونَ ذَاكَ فَيُوَلِّدُونَهَا]

كما تقول (كُسِرَ الزجاج، وكَسَرَه فلان)، فكذلك تقول (نُتِجت الناقة ونَتَجَها أهلُها)، وعليه فالفعل جارٍ على القياس؛ لأن المبني للمفعول منه (نُتِج) مشتق من المبني للفاعل (نَتَج)، وهو مستعمل في كلام العرب، وقوله (يَنتِجونها) بفتح الياء وكسر التاء، فهو مثل (ضرَب يضرِب)، وقوله (يلون ذاك) معناه (يتولون هذا الأمر ويقومون عليه).
فقولهم (نتَج الإنسانُ الناقةَ) أي ولِيَها وقام عليها حتى وضعت، وقد يتعدى إلى مفعولين فتقول (نتج الرجلُ الناقةَ ولدًا) أي ولَّدها ولدًا.
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: النهي عن بيع حبَل الحَبَلة، وهو أن تُنتَج الناقةُ ثم تَحمِل التي نُتِجت، فنهاهم رسول الله عن ذلك.
وفي معلقة زهير بن أبي سلمى:
وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ ......... وما هو عنها بالحديثِ المرجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ......... وتضْرَ إذا ضرَّيتُموها فتَضرَمِ
فتَعرُكَكم عرْكَ الرحى بثِفالها ......... وتَلقَحْ كشافًا ثم تُنتَجْ فتُتئِمِ
فتُنتَجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كلُّهم ......... كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِع فتَفطِم
فشبه الشرور والمهالك التي تنشأ عن الحرب بالنتاج المشؤوم الذي ينشأ عن النوق التي تلقح كشافًا أي مرتين في السنة وتأتي بتوأمين إشارة إلى كثرة الشر!

[199- وَأَنْتَجَتْ إِذَا الْوِلاَدُ حَانَا ..... وَأَنْتَجَتْ إِنْ حَمْلُهَا اسْتَبَانَا]

هذا البيت استطراد من الناظم لم يشر إليه ثعلب، وفيه بيان معنيين متعلقين بالفعل (أَنتَج) المبني للفاعل، فتقول (أنتجت الناقة) إذا ظهر الحمل بها، وتقول (أنتجت الناقة) أيضا إذا جاء وقت الولادة.
وقد وقع في المطبوع (وأُنتِجَت) بالبناء للمفعول في الموضع الأول وبالبناء للفاعل في الموضع الثاني، والصواب بناؤهما جميعا للفاعل، ومن الأدلة على ذلك أن في بعض نسخ الموطأة (ومثلُه إن حملها استبانا)، وقد قال ابن الطيب الفاسي (سياق الناظم يقتضي بناء الجميع للمفعول وفاقا لابن القطاع، والذي رواه الجماهير بناء الاثنين للفاعل).
وقد ضبط الموضعان في بعض المخطوطات بالضم، وضبطا في بعضها بالفتح.

[200- وَعُقِمَتْ هِنْدُ إِذَا لَمْ تَحْمِلِ ..... وَهْيَ عَقِيمٌ، وَمِنَ الْعُقْرِ قُلِ:]

تقول (عُقِمَت المرأة) بضم العين وكسر القاف، أي أصابها العُقْم وهو مرض يمنع الحمل، والصفة منه (عقيم) بغير تاء؛ لأن وزن (فَعِيل) إذا كان بمعنى المفعول لا تلحقه التاء؛ كما قال ابن مالك:
ومن فعيل كقتيل إن تبع ........ موصوفه غالبا التا تمتنع
ومن ذلك (الريح العقيم) لأنها لا تلقح شجرا ولا تنشئ سحابا أو مطرا، ويقال (رجل عقيم وامرأة عقيم)، والجمع (عُقْم) كما قال أبو دهبل الجمحي:
عُقِم النساءُ فما يلِدن شبيهَه ...... إن النساءَ بمثله عُقْمُ
ومراد ثعلب بهذا أن قولهم (عُقِمت المرأة) أفصح من قولهم (عَقَمت) و(عَقِمت) و(عقُمت)، وكل ذلك محكي عن بعض العلماء.
وقوله (ومن العُقْر قل) يأتي بيانه في البيت الذي بعده.

[201- قَدْ عَقُرْتُ تَعْقُرُ فَهْيَ عَاقِرُ ..... وَالْوَصْفُ مِنْهُ لِلرِّجَالِ نَادِرُ]

سبق في البيت الماضي: أن اشتقاق الفعل من (العُقْم) هو (عُقِمت المرأة) بالبناء للمفعول، ولما كان (العُقْر) بمعنى (العُقْم) أشار ثعلب إلى اشتقاقه لتمام الفائدة؛ لأنه مخالفٌ له في الاشتقاق فيحتاج إلى التنبيه عليه حتى لا يختلط الفعلان على المتعلم، وسيأتي تنبيه الناظم على هذا المعنى في البيت الذي بعده.
فتقول (عقُرت) المرأة بفتح العين وضم القاف، فهو مبني للفاعل وليس مبنيا للمفعول مثل (عُقِمت).
ومن العجيب أن أكثر النسخ المخطوطة ضبطت هذا الموضع بفتح القاف أو كسرها من (عقرت) مع أن ثعلبا نص على الضم في الفصيح. والفتح والكسر كلاهما جائز، لكن المقصود بيان الفصيح الذي نص عليه ثعلب.
ولعل الذي ضبطها بالفتح أو الكسر استشكل الضم؛ لأن الوصف منه (عاقر) على وزن (فاعل)، ومعلوم من علم الصرف أن فعُل لا يأتي الوصف منه على (فاعل) إلا شذوذا، لكنهم نصوا على أن هذا الفعل من الشواذ، وهي (شعُر فهو شاعر، وطهُر فهو طاهر، وحمُض فهو حامض).

[202- وَهَذِهِ مَبْنِيَّةٌ لِلْفَاعِلِ ..... أَدْخَلَهَا فِي الْبَابِ لِلتَّشَاكُلِ]

هذا البيت تنبيه مهم من الناظم ليبين السبب الذي جعل ثعلبًا يدخل هذا الفعل (عَقُر) في هذا الباب مع أنه ليس مبنيا للمفعول، فقوله (هذه) أي هذه الكلمة (عقُرت) ليست مبنية للمفعول، ولكنها (مبنية للفاعل)، ولكن ثعلبًا (أدخلها في) هذا (الباب للتشاكل) أي لأنها متعلقة بالفعل (عُقِم) من جهة المعنى، ومشاكِلةٌ له من جهة الحروف أيضا.
ونتعلم من هذا البيت أدبا مهما جدا في التعامل مع العلماء، وهو التماسُ العذر لهم مهما أمكن، والجمعُ بين أقوالهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وعدمُ ضرب بعضها ببعض، واجتنابُ لَمْزِهم ورميِ كلامهم بالتناقض؛ وقد أشار إلى ذلك ابنُ عاصم في مرتقى الوصول بقوله:
وواجبٌ في مشكلاتِ الحكم .... تحسينُنا الظنَّ بأهل العلم
ويوشك طالبُ العلم الذي دأبُه الطعنُ في العلماء ولمزُهم والتماسُ الزلل في كلامهم وإشاعةُ الطعن فيهم وإظهار العيوب عندهم؛ أن يُبتلى بمثل ذلك ممن يأتي بعده ولا سيما من تلاميذه؛ وهذا من بِرِّهم به؛ لأنه هو الذي رباهم على هذا المنهج!

[203- وَقَدْ زُهِيتَ وَفَتًى مَزْهُوُّ ..... وَقَدْ نُخِيتَ وَفَتًى مَنْخُوُّ]

تقول (زُهِيَ فلانٌ يُزهَى) و(نُخِيَ الرجلُ يُنخَى) كلاهما بمعنى تفاخر واختال ونحو ذلك، وتصريفهما كالمبني للمفعول السابق ذكره تماما، ولذلك يأتي الموصوف منهما على وزن (مفعول)، ولما كان آخره حرف علة فإنه يدغم في الواو؛ فتقول (مَزهُوٌّ) و(مَنخُوٌّ) كما تقول (مَرجُوٌّ) و(مَتلُوٌّ) و(مَدعُوٌّ) إلخ.
وإنما ذكرهما ثعلب لأن العامة تقول (زها علينا) و(نخا علينا) أي تفاخر، وبعض العلماء حكاه لغة لكنها ليست بالمشهورة.

[204- وَالزَّهْوُ وَالنَّخْوَةُ مِثْلُ الْكِبْرِ ..... فَجَنِّبِ الْكِبْرَ وَكُنْ ذَا بِشْرِ]

في هذا البيت بيانُ المصدر من الفعل (زُهِيَ الرجل) وهو (الزهو)، وكذلك بيان المصدر من الفعل (نخي الرجل) وهو (النخوة)، وفيه كذلك بيان معنى الكلمتين، وأنهما من مرادفات (الكبر) وما يشبهه؛ وقد جمع ابنُ نبهان الحضرمي بعضها في منظومة المترادف فقال:
كالكِبر تِيهٌ بَذَخ ونَخْوةُ ...... تَجبُّر تَبَخْتُرٌ أُبَّهةُ
تَطاوُلٌ زَهْوٌ وخالٌ صَلَفُ ...... وخَيْلةٌ وخُيَلَا تَغَتْرُفُ
وقول الناظم (فجنب الكبر وكن ذا بشر) استطراد وتكميل جميل منه ، وينبغي لطلبة العلم أن لا ينشغلوا بالمسائل العلمية عن مثل هذه الآداب، فبها يكمل الإنسان ويشيع الود بين الناس.

[205- وَفُلِجَ الرَّجُلُ ثُمَّ لُقِيَا ..... بِفَالِجٍ وَلَقْوَةٍ قَدْ بُلِيَا]

تقول (فُلِج الإنسان) بضم الفاء وكسر اللام، بمعنى أصابه (الفالج)، وسيأتي شرحه.
وتقول (لُقِي الرجل) بضم اللام وكسر القاف، بمعنى أصابته (اللقوة)، وسيأتي معناها.
وقد وقع في النسخة المطبوعة (مِثْلُ لُقِيا)، وهو سهو؛ ففي جميع النسخ المخطوطة (ثُمَّ لقيا)، ولعل الناسخ سبق نظره إلى كلمة (مثل) التي في البيت السابق.

[206- وَالْفَالِجُ: اسْتِرْخَاءُ شِقِّ الرَّجُلِ ..... مِنْ خَدَرٍ وَهْوَ أَضَرُّ الْعِلَلِ]

هذا البيت من الناظم تفسير لمعنى الفالج، وهو مرض يصيب الإنسان فيسترخي منه شقه أو نصفه، وهو يشبه ما نسميه نحن الآن (الشلل النصفي) عافاكم الله، ولذلك وصفه الناظم بأنه (أضر العلل).
وإنما ذكره ثعلب لأن العامة تقول: (أُفلِج الرجل) بزيادة الهمزة.

[207- كَذَلِكَ اللَّقْوَةُ إِلَّا أَنَّهَا ..... تَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ فَقَيِّدَنَّهَا]

في نسخة (ومثلُه اللقوة)، والمراد من هذا البيت تفسير معنى (اللقوة) وأنها قريبة المعنى من (الفالج) لكنها لا تتعلق بجميع البدن أو نصفه، بل تصيب الوجه فقط.

[208- وَاسْمُهُمَا الْمَلْقُوُّ وَالْمَفْلُوجُ ..... كَقَوْلِكَ الْمَبْرُودُ وَالْمَثْلُوجُ]

قوله (واسمهما) أي واسم الشخص المشتق من الفالج (المفلوج)، واسم الشخص المشتق من اللقوة (الملقو)؛ على وزن (المبرود) و(المثلوج)، وهما من جنس الأمراض أيضًا.
وقد وقع في المطبوع (كذلك) بدل (كقولك) وهو موافق لإحدى النسخ المخطوطة، لكن أكثر النسخ على (كقولك)، ويبدو والله أعلم أن (كذلك) مصحفة عن (كقولك)، ومن الأدلة على ذلك أنه قد وقع بلفظ (كذلك) في مخطوط الشرح عند المتن، ووقع بلفظ (كقولك) عند الشرح.
وسيأتي ذكر (المثلوج) في البيت (219).



والله تعالى أعلم.
أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي