مقالات
الأستاذ الدكتور عبده الراجحي
أستاذ العلوم اللغوية وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة
تعالى
)1355 هـ - 1431 هـ (
مصدرة بكلمة
للدكتور كمال بشر
الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة


جمعها وأعدها:
محمود عبد الصمد الجيار
اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
نستغفر الله العظيم، الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ونتوب إليه، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا على ألا نعود إلى شيء يغضب الله ، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام.
نشهد ألا إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمد عبد الله ورسوله، وصفيه ومجتباه.
اللهم صل على سيدنا محمد النبي عدد من صلى عليه، وصل على سيدنا محمد النبي كما ينبغي لنا أن نصلي عليه، وصل على سيدنا محمد النبي كما أمرتنا أن نصلي عليه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين.



إهداء

إلى الأستاذ الدكتور عبده الراجحي..

في جوار رب كريم..







مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه، وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذا سفر وجيز جمعنا فيه ما توصلنا إليه من أعمال العلامة الراحل الأستاذ الدكتور عبده علي إبراهيم الراجحي --، وهناك أضعاف هذه الأعمال؛ غير أنه لم يقع منها تحت أيدينا شيء، وما زال البحث مستمرا في تتبع باقي تلك المقالات والبحوث، عسانا أن نعثر على بعض منها، ومن ثم نضيفه في الطبعات المقبلة إن شاء الله تعالى.
وما نقدمه اليوم من هذه البحوث والمقالات -في معظمه- يعالج قضايا تدهور العالم العربي، وبعده عن العلم الحقيقي، وتقاعسه العجيب الذي لا زال ينعم فيه؛ وفي مقدمة هذه القضايا قضية «تعليم اللغة العربية» لأبنائها ولغيرهم. وقد أخذ الدكتور عبده الراجحي على عاتقه في معالجة هذه القضايا، وذلك بوضع الخطط اللازمة للتخلص من هذه الأزمات.
وكم نبه على أنه لا طريق إلا طريق العلم، ولا علم إلا بإخلاص، وبين أن الأستاذ الحق ذلكم الذي يكون طالبا دائما للعلم، وإذ ذاك يتحول لديه مقياس الزمن إلى مقياس واحد هو مقياس الإنجاز في طلب العلم، أساتذ شق لنفسه في العلم مجرى تدفقت فيه ومنه مياه كثيرة.
ونبه على ضرورة الاتصال بالعالم ومسايرته، وبذلك نستطيع أن نفهم قديمنا فهما جيدا، ولابد من العمل الجماعي غير المنعزل عن روح الفريق. وأن دور الأديب العربي الحق هو الوصول إلى عمق الذات العربية.
كما بين أننا مقصرون في تقديم التراث، وذلك لأن معظم اهتمام المحققين -إلا قليلا منهم- ينصب على مقابلة المخطوطات دون محاولة لفهم تلك النصوص، وبذلك تكون المعالجات التي يقدمنوها عرضية بعيدة كل البعد عن جوهر ذلك التراث العظيم...، إلى غير ذلك مما تجده في هذ البحوث والمقالات.
وقد صدرت هذه المقالات والبحوث بكلمة للأستاذ الدكتور كمال بشر الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، كان قد ألقاها في حفل استقبال الدكتور عبده الراجحي عضوا جديدا بالمجمع- لما فيها من نُبذة من سيرتة وجهاده المستمر.
نسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الأعمال، ويجعلها في ميزان صاحبها. رحم الله أستاذنا الفاضل، وتغمده بواسع رحماته، وكفر سيئاتنا وسيئاته، ورفع درجاتنا ودرجاته، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، هو نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

محمود عبد الصمد الجيار
الجمعة: 22 من رجب الفرد 1432 هـ
24 من يونيه "حزيران" 2011 م
mahmoudaljayyar@hotmail
mobile: 01110012811


• الإهداء.
• المقدمة.
• الفهرست.
• كلمة المجمع في استقبال الأستاذ الدكتور عبده الراجحي.
• التجربة الإنجليزية في المعجم التاريخي وتحديات العنصر البشري.
• تعليم العربية.. إلى أين؟
• تعليم العربية.. من أين نبدأ؟
• دور الأديب العربي.
• السيوطي والدرس اللغوي.
• العرب.. لم يدخلوا عصر العلم!
• علم اللغة والنقد الأدبي "علم الأسلوب".
• فقه يساير متطلبات العصر.. كيف؟
• الاكتساب اللغوي ومستقبل تعليم العربية.
• كلمة الأستاذ الدكتور عبده الراجحي في حفل استقباله عضوا بالمجمع.
• كلمة حفل تكريم الأساتذة.
• كلمة المكرمين في الاحتفال الخمسيني لكلية الآداب جامعة بيروت العربية.
• لا توجد مدارس نحوية الآن.. وإنما لغويون مستهلكون!
• اللغة العربية والتكامل المعرفي.
• اللغة العربية في إطار متطلبات الجامعة.
• متعة كسر القواعد وعدم الانضباط.
• المجامع اللغوية ومؤسسات التعليم.
• مسايرة العالم.. مع فهم القديم فهما جيدا.
• مع اللغة العربية.. وعالم من علمائها
• النحو في تعليم العربية لغير الناطقين بها

كلمة المجمع في استقبال الأستاذ الدكتور عبده علي الراجحي
للأستاذ الدكتور كمال بشر الأمين العام للمجمع
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها السادة، كنتُ قد عَقدتُ العَزْمَ على أن آتيَ بِكلامي في هذا المَقَامِ ارتِجالاً، كَعَادَتِي منذ أكثَرَ من خَمْسِينَ عامًا في مَقَامَاتِ البَيَانِ وخِطَابِ الجَماهير. ولكنِّي (هذه المَرة وفي مرات أخرى معدودة) خشيتُ أن يجنح بي المقام فأُرَدَّ على عَقِبيّ خَاسِئًا حَاسِرًا. فَعمَدْتُ بعدُ إلى كِتَابَةِ هذه الكلماتِ القَصيراتِ ذاتِ الخطُوطِ المَحْدُودَة والقُيودِ المَمْدودة، وفاءً بِحَقِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الراجِح عقْلاً وفِكرًا وثقَافَةً وسُلوكًا، ووفاءً بِحَقِّكُم أيضًا في وجُوبِ الالتزامِ بانضباطِ التزمين، حتى لا يَنْدَمَ على حضورِه زائِر أو يتأفَّفَ ويَتَملمَلَ في مقعده شَاهد أو ناظِر. وعلى هذا أقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الأستاذ الدكتور شوقي ضيف رئيسَ المجمع:
السادة الزملاء الأفاضل أعضاءَ المجمع:
السادة الحضور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد،
فإنَّها لسعَادَةٌ غامِرةٌ أن وكَّل إليّ مجلسُ المجمع الموقَّر شَرفَ استقبال فارس من نمط فريد، تعتزّ قبيلة الشيوخ بانضمامه إلى حوزتها، وتزهو برشده وحصافته وبُعدِ نظره، في كيفيات الصولان والجولان في ميدانهم الذي يعِزّ على الكثيرين انتِسابُهم إليه أو الاقترابُ منه. ذلكم الفارس أيها السادة، هو الأستاذ الدكتور عبده الراجحي. إنه فارس ذو رياستين حظيتا بتاجين مختلفين طلاء، مؤتلفين بناء، فكان التكامل في الطبع والصُّنع، تكاملَ الإنسان على الوجهِ الذي أراده الله للأناسيّ الذين مازهم منهم، وفضلهم على سائر مخلوقاته.
أما الرياسة الأولى فقد خُلِعَ عليه تاجُها من الريف المصري العظيم. نشأ الراجحي وتربّى على «مصطبة» القرية، حيث يجلس العُمَدُ وحواريّوهم. وما أدراك من هم العُمَدُ في أيَّام الزمان الجميل الذي فاز صاحبنا بالعيش فيه لسنوات معدودات. جالسَ زميلُنا المحتفى به هؤلاء الأماجدَ ذوي الحُنكَةِ والدُّرْبَةِ، مستمعًا في البدء لما يقولون، مشاركًا بعدُ في الحوار، وإن على استحياء، حتى صلُبَ عوده واستقام بنيانه، وتفتَّحَ ذهنه ونما فكره، مزوّدًا بقيم الريف المصري الأصيل ومبادئه التي تصنع الرجال من أمثال «عريسِنا» الراجحي، الذي أبى إلا أن تكون قرينتُه هي مصر، حيث البذلُ والعطاء والنعمة والرخاء. فليقدِّمْ لها ولشبابها حقَّ الوفاء وما يسطيعه من جهد وعطاء.
وكان ما كان، انصرف الصبي إلى كتّاب القرية، شأنه في ذلك شأنُ السلالةِ الطيبة من أبناء ذوي الحصافة والرُّشد من فلاحي مصر، في تربية الأجيال. حفظ القرآن الكريم، وألمَّ بشيء من قواعد الحساب ورسوم الكتابة وضوابِط الإملاء، فتفتَّح ذهنه، وأخذ يفعّل طاقاتِه وإمكاناته في استقبال المعارف والتوليد منها، وإن بالتدريج، حتى رشحه هذا النهجُ الواعي من الاستقبال والإرسال للانخراط في ميدانٍ من المعرفة أوسعَ وأرحب، وأكثر تنوعًا.
التحق بالتعليم العام وقضّى فيه سنواتِه المقررةَ المرسومة، دون انقطاع أو ملل أو تكاسل، حتى نال الثانوية العامة بكفاية الشباب وعزم فِتيان الرجال. وكان للكتّاب أثرُه البالغ في هذا النجاح وذاك التوفيق، إذ إن «قرآنه» بإحكامِ آَيِهِ، وعمق فكره، وإجادة قراءته، وتجويد أدائه - كل ذلك قد منح الفتى الرجلَ حكمة التفكير، وحسنَ التدبير، والإفصاحَ عن كل ذلك بلسان عربي مبين، أغراه، بل دفع به دفعًا إلى حيث «العوربة»، انتماءً وفكرًا. ونموذجُها الصحيح الموثوق به، هو قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية.
انتقل صاحبنا «الراجحي» إلى الإسكندرية، مطبوعًا على «الانتماء» الذي شرب من أفاويقه على مصطبة القرية وصُبَّ في عقله صبًّا وملأ وجدانه، وأفصح عن نفسه سلوكًا وتصرفًا في دنيا الله.
وفي «عروس» البحر المتوسط، وجد العريس طِلبته، وفاز بحورته، فحلا له المُقام، الرائق المنعش، حتى يستطيع التوليدَ من فكره الخِصب، وينصرفَ في أناة وحكمة إلى رعاية ما يولّد وينتج، والدفعِ بكل ذلك إلى الميادين العربية، فارسًا من فرسانها المجلّين.
بدأ شوطَ الرياسة الثانية بآلياتها، وفعّلها على خير وجه، حتى تشقَّ له الطريقَ الصحيح وتكفلَ له إكمال المسيرة بنجاح وتوفيق، إلى أن حاز تاج التفرّد والامتياز في ميدان العلم والمعرفة بعامة، وفي ميدان الدرس اللغوي وما لفّه من ثقافات متنوعات على وجه الخصوص.
حصل على درجة الليسانس في الآداب من جامعة الإسكندرية سنة ) 1959 م( ثم عيّن معيدًا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب سنة )1961 م(، وخطا بعدُ خطواتٍ واثقةً في الدرس والتحصيل حتى نال درجَتي الماجستير والدكتوراه من هذه الجامعة، وتمّ له حصدُ هذه الدرجات العلمية جميعًا سنة )1967م(.
وفي هذا العام نفسه عمل مدرسًا بقسم اللغة العربية. وتدرج الرجل في سلم الصعود العلمي الأكاديمي إلى أستاذ مساعد فأستاذ سنة )1977م (.
ولم يقف الأمر بزميلنا الفاضل الدكتور الراجحي عند هذا الحد من المواقع الأكاديمية الفائقةِ القدْر الرفيعةِ القيمة في قوافل العلم والفكر، بل تعداه إلى ما هو أوسعُ وأرحب. رشحته عبقريته وأهّلته إمكاناته المنوّعة إلى تولّيه مناصبَ إداريةً علميةً ذاتَ شأن مقرر معلوم، في رسم الخطوط ولمِّ الخيوط، ومتابعةِ ما رُسم ونُظم بصدق وحزم. تولّى صديقنا المحتفى به عددًا كبيرًا من هذه المناصب الجامعة بين الحسنيين، نذكر منها ما يلي على ضرب من التمثيل:
عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ثم وكيلاً للدراسات العليا والبحوث بالكلية نفسها، ومديرًا لمركز تعليم اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى، ومديرًا لمعهد الدراسات اللغوية والترجمة. وقد شرفت به كل هذه المناصب (وغيرُها) في إطار جامعة الإسكندرية. ولكنَّ همة الرجل ونجاحاتِه في تسيير شؤون هذه المناصب وتصريفِ أمورها قد شاع قدرها وعلا ذكرها، وامتدّ ريحها الطيبُ إلى مناطق أخرى في العالم العربي، حيث اختير عميدًا لكلية الآداب - جامعة بيروت العربية، ورئيسًا لقسم تأهيل معلمي اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى، بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية بالسعودية.
وطار ذكرُ الراجحي، واتسعت آفاق علمه وفضلِه، فلبّى دعواتٍ متعددات متنوّعات من جامعات وهيئات علمية، عربيةٍ وغير عربية، معارًا أو زائرًا أو مشتركًا في مؤتمرات وندوات.
أعير إلى جامعة بيروت العربية مرتين، كما أعير إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. ودُعي أستاذًا زائرًا إلى جامعة صنعاء، وجامعة «إرلانجن» بألمانيا.
أما حضوره إلى المؤتمرات والندوات واشتراكُه فيها بالبحوث والمناقشات والتعليقات فأمر فائق القدر في العدّ، عظيمُ الأهمية في معناه ومغزاه، ودليلُ عالمية الأستاذ، وأمارةُ سعةِ معارفه وعمقِ فكره. ويزيد من قيمة هذا الحضور، ويؤكد شمولَ المعرفة، وخاصّةَ الانتماء الحقيقي إلى الإنسانية في عمومها، بقطع النظر عن الزمان والمكان، أن كانت هذه المؤتمراتُ والندوات مشغولةً بدراسات وبحوث ذاتِ ألوان متنوّعات تقابل ألوانَ الفكر عند الإنسان واتجاهاتِه في الحياة، مهما بعُدَ موطِنهُ أو اقتربَ في الشرق والغرب على سواء.
وتلك نماذج معدودة مما جَهِدَ الرجل نفسَه في حضور هذه المؤتمرات والندوات والأخذِ بنصيب ذي أثر فاعل فيها:
- مؤتمر مشكلات تعليم اللغة العربية بالجامعات العربية- بالإسكندرية.
- مؤتمر تقنية الحاسوب واللغة العربية- الرياض بالسعودية.
- مؤتمر العلاقات الإسلامية البيزنطية- سالونيك اليونان.
ومن نماذج الندوات:
- الندوة الأولى لتعليم اللغات- جامعة الكويت.
- الندوة الأولى للّسانيات- الرباط- المغرب.
- ندوة مشكلات تعليم اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى- كوالا لامبور )ماليزيا(.
أما المؤتمرات والندوات التي شرُفت بحضوره، مقتصرًا على المناقشات والتعليقات، من حيث
عددُها وزمانها ومكانها، فحدِّث عنها ولا حرج، وليس لدينا من الوقت ما يسوّغ لنا الكلامَ عنها أو الإشارة إليها.
السادة الحضور:
كل ما ذكر من نماذجَ أو صورٍ للنشاط الفكري المتنوع الصفات والسمات، لا يعدو أن يكون حَسْوَةَ طائر من بحر عميق. إنها مجرد لافتات تنبئ عن طبيعة البضاعة وصنوفها، وتُفْصح عن تفردها وامتيازها بالطبع والصُّنْع. وهي بضاعة أو مخزونٌ منها لا يستطيع امتلاكَها أو التصرف فيها إلا القليل من الرجال، وفي مقدمتهم زميلنا الكريم الدكتور الراجحي.
وليس هذا فقط، فلقد برزت إلى الوجود بضاعات أخرى أعمقُ تأثيرًا وأكثرُ انتشارًا ونفعًا. بضاعاتٌ ذات طعوم ومذاقاتٍ متنوّعةٍ، تلبّي حاجة المتخصصين، وتمنح مفاتيح المعرفة اللغوية والثقافية للجماهير العريضة. طرحها صاحبنا المحتفى به على هؤلاء وأولئك في صورة كتب مؤلفة ومترجمة، ودراساتٍ وبحوث كثيرة.
ولسنا بقادرين في هذا المقام على أن نقف عند كل هذه الآثار وقفات خاصة. وتكفينا الإشارةُ إلى نماذج منها بذكر عناوينها، وهي أمارة مضامينها، والكاشفةُ عن مجالاتها، وما خُصِّصت له من البحث والدرس.
ومن اللافت للنظر -إعزازًا وتقديرًا- أن جاءت هذه الأعمال والآثار لتغطيَ مساحاتٍ واسعةً من مجالات الفكر الإنساني بصنوفه المتعددة: في الفكر اللغوي والأدبي والثقافي والاجتماعي، وحقولِ المعرفة العامة. وكان للفكر اللغوي منها النصيبُ الأكبر، وفاء بمسؤولياته في إطار اهتماماته، بحكم موقعه الذي رُسم له أو رسمه لنفسه. كتب وأجاد في الدرس اللغوي، القديم منه والحديث والعام والخاص، والنظري والتطبيقي. ولم يكن كل ذلك مقصورًا على مستوى من التحليل اللغوي دون آخر، بل غطّى مجملَ الفروع اللغوية بمنهج مقبول معتدّ به، بعيدٍ عن الاضطراب أو الخلط بين المناهج، كما نلمسه أحيانًا من بعض الدارسين المتخصصين وغير المتخصصين.
وهذه نماذج من أعماله اللغوية، مشفوعةً بأمثلة من مجالات الفكر الأخرى:
- النحو العربي والدرس الحديث.
- النحو العربي وأرسطو.
- دروس في المذاهب النحوية.
- دروس في شروح الألفية.
- فقه اللغة في الكتب العربية.
- النظريات اللغوية المعاصرة وموقفها من العربية.
- اللهجات في القراءات القرآنية.
- التطبيق الصرفي.
- التطبيق النحوي.
- علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية.
- أسس تعلّم اللغة وتعليمها. (مترجم بالاشتراك.
- مشكلة تعليم النحو لغير الناطقين بالعربية.
- كلام الأطفال.
- اللغة وعلوم المجتمع .
وفي الأدب والأسلوب:
- علم الأسلوب.
- والمواءمة.
وفي الثقافة والمعارف العامة:
- الشخصية الإسرائيلية.
- هيراقليطس فيلسوف التغير.
- عبد الله بن مسعود.
أيهاالسادة:
ماذا يعني هذا الإنتاج الغزير، والجهدُ الفائق الذي لا يعرف الكلل أو الملل؟ إنتاج متواصل الحلقات في الزمان والمكان، وجُهْد الأوفياء المخلِصين من شباب الشيوخ و شيوخ الشباب الذين اكتملت لديهم الأدوات الفاعلة من فتوّة الشباب وحُنْكة الشيوخ.
فلو اقتصرنا في هذا المقام -نظرًا لضيق الوقت- على أعماله في الميدان اللغوي العام، لأوجزنا الكلام في جملة واحدة: الدكتور الراجحي علم نادر المثال، يرود ويقود ويرشد ويوجّه. ولم يقف هذا وذاك عند فترة من الزمان محدودة، أو موقع من المكان خاص، أو جانب من الدرس اللغوي دون آخر. لقد اتسعت جهوده وامتد فكره إلى مجمل مسارات الدرس اللغوي، في فلسفته واتجاهاته ومناهجه ورجاله على امتداد الزمان المتعاقبةِ خطواتُه واتساعِ المكان المتراميةِ أطرافُه في القديم والحديث.
وفي إيجاز آخر أقربَ صلةً وأوثقَ نسبًا بموقعه في مجمع الخالدين، نقول: إن الراجحي فارس لغوي يصول ويجول في ساحات الدرس اللغوي العربيّ بعامة، بالتركيز على ميدانين افترقا في المسيرة زمنًا واتجاهًا، وائتلفا، بل تكاملا في الهدف المطلوب والقصد المرغوب، وهو خدمة اللغة العربية ونفع أصحابها.
الميدان الأول:
يتمثل هذا الميدان في محاورة الجنود لتعرف مواقعهم وجملةِ نشاطهم، ولتصنيفِ هذا النشاط من حيث صلاحيتُه وإمكاناتُه للوصول إلى الغاية المنشودة: نظر وفكّر وتدبّر في مجمل ذلك المحصول اللغوي الضخم الواسعِ الأبعاد والجنبات الذي ألقى به إلينا ذلك النفرُ من المقاتلين الأشدّاء من علماء العربية في القديم. صنع هذا كلَّه بحكمة وأناة، فألفى هذا المحصولَ غذاءً طيبًا وثمرًا نافعًا، يُزيل الجَوْعة ويصرف اللوعة ويمسح الدمعة، وإن كان يحتاج في إعداده وطرائق تناوله إلى شيء من الحصافة وبُعد النظر في اختيار ما يناسب أو يلائم الظرفَ والمناسبة من هذا الإعداد وذاك التناول.
هداه فكره إلى أن التقعيد اللغوي عند العرب، جاء مبنيًّا على منهجين متكاملين، تكامل الإنسان صاحب اللغة. بُنِيَ التقعيد عندهم على «النقل» و«العقل» معًا، فالتقى الجمعان التقاءً كاملاً مع طبيعة الإنسان وخاصته المتمثلة في الجسد والروح. يؤكد صاحبنا الدكتور الراجحي هذا المعنى بقوله: «إن النحو العربي (ويقصد به قواعد العربية في عمومها المعبر عنها حديثًا بالمصطلح Grammar ) كان صورةً للمناخ الفكري العام في الحياة الإسلامية... وإن هذا المناخ قد زوّده بالاتجاه النقلي الذي أفضى إلى منهج وصفي واضح، وزوده أيضًا بالاتجاه العقلي الذي أدى به إلى عدم الوقوف عند الوصف المحض، وإنما تعداه إلى تفسير ظواهِرِ العربية تفسيرًا عقليًّا. ويستمر قائلاً: والذي لاشك فيه أن النحو العربي بامتلاكه هذين الاتجاهين، استطاع أن يُثبت صلاحيته التي لا تنكر في فهم طبيعة العربية».
ومن الطريف حقًّا، أن هذا المعنى الذي يتضمنه مسلك العرب في التقعيد وارتضاه صاحبنا المحتفى به- هذا المعنى نفسه بالتصريح والتضمين، قد أدركه ووعى حقيقتَه بعضُ شعراء العربية في القديم. فهذا واحد منهم يقول:
إِنَّ الكلاَم لَفي الفُـؤَادِ وَإِنَّما
جُعِلَ اللِّسَانُ على الفؤادِ دليلا
ويقول آخر:
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌٌ، وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
فَلَمْ تَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ
فاللسان في البيتين (وهو الجارحة) يمثل الجسد، والفؤادُ في هذا المقام هو «العقل» فاكتمل الأمر
للإنسان، كما اكتمل المنهجُ: «منهج النقل ومنهج العقل»، وفاء بوفاء، والتقاء كاملاً بلا مراء.
وليس هذا فقط، فإن هذا المسلك الثنائيَّ المتكاملَ في تقعيد العربية يلتقي التقاء يكاد يكون مباشرًا مع ما قرره علماء اللغة الأوربيون في العصر الحديث، من أمثال «همبولت» الألماني و«تشومسكي» الأمريكي المعروف. ويقول الدكتور الراجحي راويًا ومفسرًا أفكار الرجلين في هذه القضية:
«إن اعتبار اللغة عملاً للعقل أو آلةً للفكر، والتعبيرَ الذاتيَّ، يعني أن للغة جانبين: جانبًا داخليًّا وآخر خارجيًّا. وكل جملة يجب أن تدرس من الجانبين. أما الأول فيعبر عن الفكر، وأما الثاني فيعبّر عن شكلها الفيزيقي باعتبارها أصواتًا ملفوظة». ويستمر قائلا: «وهذه الأفكار هي التي ظهرت بعد ذلك عند «تشومسكي» تحت اسم البنية العميقة والبنية السطحية، ولما كانت البنية العميقة تعبر عن المعنى في كل اللغات، فإنها تعكس أشكال الفكر الإنساني. وعلينا أن نعرف كيف تتحول هذه البنيةُ إلى كلام على السطح. ولما كانت اللغة لانهائيةً فيما تُنتج من جمل، رغم انحصار مادتها الصوتية، فإن هذا النحوَ يهتم أيضًا بدراسة النظام الأساسيِّ الذي تتولد منه قوانينُ البنية العميقة قبل تحويلها إلى كلام على السطح».
ومن هنا نحا الدكتور الراجحي باللائمة على كل أولئك الذين لم يَرُقْهم هذا المنهج، ونعتوه بنعوت تشي بعدم الرضا أو عدم قبوله جملة وتفصيلاً، ووصفوا حصيلته اللغوية (والنحوية منها بوجه خاص) بالجمود والتخليط في الأحكام نتيجة الخلط في مناهج التفسير والتحليل. ووقف وقفة خاصة عند الوصفيين الذين أنكروا بصراحة جدوى الاعتماد على الجوانبِ العقلية في التحليل اللغوي. في رأيهم أن هذا الاعتماد يستلزم الدخول في ميادين المنطق والفلسفة، وما إلى ذلك من مجالات تقود إلى الافتراضات والتخمين والحدْس،الأمرُ الذي لا يفيد كثيرًا في تحليل اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية.
وأنا بموقعي في مدرسة الوضعيين أودّ أن أطمئن زميلنا الفاضل بأن الوصفيين في جملتهم لا ينكرون الجانب العقلي للغة. إنه هناك. ولكنهم يدركون صعوبة الكشف عما يجري في هذا الجانب كشفًا علميًّا دقيقًا يعتمد عليه. ومن ثم -في رأيهم- كان الاعتماد عليه أو الأخذ به في التحليل والتفسير السليم للغة مدعاة للشك في الوقوف على أرض صلبة تنبئ عن حقيقة ما يجري في العقل وكوامنه من أسرار وأفكار. ورأوا الاكتفاء بوصف الواقع الحيّ المنطوق، على أساس أن هذا المنطوق مرآة صادقة تعكس كوامن العقل ومخزون من الفكر اللغوي. ومعناه بعبارة أخرى، أن الاكتفاء بوصف البنية السطحية لا يعني إنكار البنية العميقة، بوصفها خاصة لغوية إنسانية. هذه الخاصة الإنسانية منحة من الله ، وهي صالحة للعمل بالتفعيل والتوليد منها حسب البيئة اللغوية المعينة. والبيئات اللغوية كثيرة لا حصر لها، ومن ثم لا نعجب ولا ندهش إذا جاء هذا التوليد مختلفًا من بيئة إلى أخرى، بل من فرد إلى فرد آخر.
ويمكن توضيح هذه القضية التي حار اللغويون (وغيرهم) في تعرّف حقيقتها والكشف عن أسرارها، بالإشارة إلى «الحاسوب» (الكمبيوتر) وتقنياته وطبيعته وكيفيات تفعيله.
جهاز الحاسوب بهذا الوصف (أو Hardware) يقابل الكفاية أو المقدرة اللغوية عند الإنسان Competence، ولكن وظيفة هذا الجهاز لا تظهر ولا يكون لها أية قيمة إلا بالبرمجة Software فكذلك تلك الكفاية أو المقدرة اللغوية لا تفصح عن نفسها ولا يكون لها أي مردود إلا بتفعيلها. وهذا التفعيل يقوم به الفرد أو الأفراد أو البيئة اللغوية المعيّنة. ومعلوم أن البيئات اللغوية لا حصر لها ولا عدّ، وكذلك الحال بالنسبة لناتج التفعيل. والتفعيل مختلف من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر. ومن ثم كان اختلاف اللغات هذا الاختلاف الكبير من حيث نتائج التفعيل perfermance، وهو ما يشار إليه بالبنية السطحية، في مقابل البنية العميقة التي يشترك في امتلاكها كل إنسان سويّ. وهذه البنية العميقة، (وهي تمثل الجانب العقلي للغة)، ليس من السهل معرفتها أو الكشف عن حقيقتها. ومن هنا اكتفى الوصفيون بالنظر في البنية السطحية بالوصف، إذ هي أقرب منالاً، وأوثق واقعية وقبولاً للدرس والتحليل.
ومعنى هذا كله أن الوصفيين لا ينكرون وجود الكفاية أو المقدرة أي الجانب العقلي للغة، ولكنهم لعجزهم (وعجز غيرهم بلا شك) عن سبر أغوارها، اكتفوا بدراسة ما يتولد منها بتفعيلها (برمجتها) بمنهج الوصف.
فدراسة الواقع اللغوي الحيّ بالوصف إنْ هو إلا منهج، كما أن دراسة الجانب العقلي منهج آخر. وكل منهج له ما يسوغه ويرشح قبوله، وفقًا للهدف من الدرس والتحليل. وقد نحا تشومسكي(وغيره) هذا النحو العقلي بهدف الوصول إلى ما يعرف بالقواعد العالمية universal grammar بالاعتماد على الخاصة المشتركة بين البشر وهي الكفاية أو المقدرة اللغوية.
ومعلوم أن فكرة «القواعد العالمية» هذه كان لها وجود في القديم، حيث حاول بعض الدارسين الوصول إليها ولكنهم فشلوا، كما فشلت المحاولة، ولم يزل الأمر على ما هو عليه حتى الآن على الرغم من محاولات العقليين، ومن أهمهم في عصرنا الحديث تشومسكي.
ومهما يكن الأمر، فقد نجح الراجحي وفاق غيره من اللغويين المعاصرين في أمور مهمة ذات شأن، التبست على بعض الدارسين. من أهمها:(1) التأكيد على سلامة منهج البحث اللغوي عند الأسلاف وبخاصة المتقدمون منهم، من أمثال الخليل وسيبويه. وأزاح عنه تهمةَ القصور فيه، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء على أبعاده التي تحتاج من ذوي الاختصاص إلى تعميق النظر فيه واستيعابِ طبيعته، بدلاً من التعجّل في إصدار الأحكام غير العادلة. (2) ثبت لديه بوضوح أن هذا المنهج ليس بدعًا ولا صُنعًا مزيّفًا، وإنما هو منهج صالح متقبّل، لوفائه بطبيعة اللغة وطبيعة صاحبها أيضًا، كما قرر ذلك أهل النظر من اللغويين المحدثين، كما أشرنا إلى ذلك قبلاً، وهكذا التقى القبيلان: القديمُ والحديث.
وفي هذا الذي نقول ما يُسلمنا فورًا إلى مزيد بيان عن جهوده المتواصلة في خدمة اللغة العربية ووصْل ماضيها بحاضرها، وهذا جُلّ ما يأمُله المخلصون، كما يتبين لنا ذلك بوضوح، بذكر شيء عما شغل به نفسَه للوصول إلى هذا الهدف.
الميدان الثاني:
هذا هو الميدان الذي يؤكد المسيرة المتواصلة من العمل العلمي الناشرِ مظلتَه من قديم إلى حديث، ومن درس نظري إلى آخر تطبيقي. شغل الدكتور الراجحي نفسه منذ وقت غير قصير بقضية ذات أهمية بالغةٍ في دنيا العرب والعربية. ذلك أنه انصرف منذ عقود من الزمن إلى قضية العمل على نشر اللغة العربية وتوسيع مجالات الوصل والاتصال بها في العالم شرقه وغربه على سواء. تلك هي قضية تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها التي يُحسب الدكتور الراجحي من أوائل اللغويين الجامعيين الذين أدركوا –بصدق- أن هذه اللغةَ لا ينبغي حبسُها في دارها،إذ هي لغةٌ ذاتُ قرار مكين تزيد من ثقافات الآخرين وتضيف إليهم آفاقًا جديدة من المعرفة،التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان،مهما بعُدت الديار ونأى المكان.
بدأ الراجحي عمله في هذا الميدان بتخطيط محكم ونظر ثاقب صائب في وضع المناسب من المقررات وكيفياتِ إنجازها على الوجه السليم، على خلاف ما كان يجري هنا وهناك بطرق عشوائية لا تفكير فيها ولا تدبير.
بدأ عملَه في هذا الشأن على استحياء مع مجموعات صغيرة من غير العرب، للتجريب وكسب الخبرة، ثم اتسعت دوائر الخبرة والتجريب، وبمبرور الزمن أسَّس أو أُسِّس له مركزٌ مستقل بجامعة الإسكندرية، ووُضِعت له النظم واللوائح الكافية لتحقيق هذا المطلب القومي النبيل وسار العمل في هذا المركز بنجاح كبير وتوفيق من الله عظيم وبفضل إدارة الراجحي له.
يؤكد ذلك حضورُ الوافدين إلى هذا المكان بأعداد كبيرة من هنا وهناك من شتى بلدان العالم. حتى صار مَعْلمًا من معالم الإشعاع اللغوي والثقافي العربي.
ساعده على هذا النجاح معرفتُه الواثقة واستيعابُه العميق لأبعاد ذلك العلم الحديث نسبيًّا، علم اللغة التطبيقي الذي كتب فيه الكتبَ والبحوث مؤلفةً ومترجمة.
ولم تقف هِمَّة ذلك الرجل الكريم عند هذا المكان المحدود؛ إذ قد سبقته معارفُه وخبراته في هذا الميدان، وطارت إلى بلدان مختلفة عربية وغير عربية، فدُعِي إليها مرات عديدة، وكان منها على ضرب من التمثيل كما سبق أن بيَّنا، إعاراتُه المتعددة إلى جامعة الإمام بن سعود للاشتراك في العمل أو الإشراف عليه، حتى انتهى به الأمرُ إلى رياسة قسم تأهيل معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها في هذه الجامعة.
وما تزال معارف الرجل وخبراته في هذا الميدان العصيِّ امتلاكُه أو الاقتراب منه، تدرج من مكان إلى مكان ومن زمن إلى آخر حتى هذه اللحظة.
بارك الله في الرجل ونفع الناس كافة بعلمه وفضله.
أيها السادة:
من كل هذا الذي مضى يمكننا القول باطمئنان: إن الدكتور الراجحي صاحبُ مدرسة لغوية عربية، لها مناهجها المتميزة وأهدافُها الواضحة، تنهض هذه المدرسة على مبدأ يؤكد أن الفكر العربي عمومًا يقع تحت خطرين:خطرِ الموت جمودًا إذا انكفأ على القديم وحده،وخطرِ الموت انسلاخًا إذا ترك القديم كلَّه وغاص في الحديث وحده. إن تجدد الحيوية يقتضي ترسيخ الجذور في التراث والاندماجَ في الوقت نفسه في حركة العصر.
وفي عبارة أخرى نؤكد ما قاله غيرُ واحد من العارفين بالدكتور الراجحي والمستوعبين لثمرات جهوده العميقة المتواصلة قالوا كثيرًا نلخص بعبارتنا بقولنا: إن الراجحي يجمع بين القديم في أصالته والحديث في جدته وطرافته. يقول الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، رئيسُ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والوزيرُ السعودي الأسبق:
«يمتاز الدكتور الراجحي في دراساته اللغوية بالجمع بين القديم والجديد وتحس عندما تقرأ له أنك تقرأ لعَلَم من أعلام اللغة والنحو القدماء. فهو متمكن من التراث اللغوي الأصيل، معتزّ به، قادر على تقديمه للأجيال الجديدة بأسلوب يجمع بين سلامة اللغة ورصانتها وبين وضوح التعبير والقدرة على إيصال المعلومات. وتقرأ له -من جانب آخر- فتجد نفسك أمام عالم لغوي معاصر، عارفٍ بكل مستجدات علوم اللغة الحديثة، ناقدٍ لها، منتقٍ منها ما يتناسب مع أساليب العربية وخصائصها. فهو لا يتنكر لتراثه اللغوي، لكنه لا يقتصر عليه». حقًّا إنه يجمع بين القديم في أصالته والحديث في جدته وطرافته.
وإني لأختتم كلمتي المتواضعة هذه بتلك الأبيات التي رواها عن أبي تمام زميلُنا الفاضل الدكتور محمود مكي عند استقباله لسميّه الدكتور الطاهر مكي:
إن يُكْدِ مُطَّـرَفُ الإخـاء فإنـنا
نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ
يختلفْ ماءُ الوِصالِ فماؤنا عذبٌ
تَحَدَّرَ مِنْ غَـمَامٍ واحـدِ
يفترقْ نَسَــبٌ، يـؤَلِّفْ بيـننا
أدبٌ أقمناه مُقـامَ الوالـدِ
إيراد هذه الأبيات وتسجيلُها هنا له ما يسوّغه ويرشّح قبولَه في هذه المناسبة الطيبة. إننا -نحن الأربعة- نشترك في سمة واحدة، هي «الفلحنة»، وإن كان للمكّيين مزيدُ اختصاص «بالصَّعْدنة». والصعدنة في حقيقة الأمر هي أمارة «المِصْرنة» التي غط مظلتُها أرجاءَ أرض الكنانة- مصرَ المحروسة.
فمرحبًا بك أيها الزميل العزيز في مجمع الخالدين، وهنيئًا لشيوخ الدار على الفوز بك، شابًّا في الحيوية والفتوّة وشيخًا في الحُنكة والخبرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كمال بشر
الأمين العام للمجمع






التجربة الإنجليزية في المعجم التاريخي
وتحديات العنصر البشري
[مجلة مجمع اللغة العربية، العدد 109، ألقيت هذه المحاضرة في الجلسة
الرابعة من جلسات مؤتمر المجمع في دورته الثانية والسبعين، يوم الثلاثاء: 21 من صفر سنة 1427 هـ، الموافق 21 من مارس«آذار» سنة 2006 م]
يعد المعجم التاريخي للإنجليزية ملحمة علمية وقومية تكاد تبلغ في بعض جوانبها مبلغ الأساطير.
لم يكن في أوربا غير معجمين كبيرين:
1- معجم أكاديمية كروسكا.
Vocabulario degli accademici della crusca.
الذي ظهر )1612م (.
2- معجم الأكاديمية الفرنسية، الذي أصدرته الأكاديمية الفرنسية L: Accademie francaise سنة )1694 (بعد خمس وخمسين سنة من العمل في تحريره، وثمانية عشر عاما في المراجعة.
وكان الإنجليز يشعرون بغصة هائلة ألا يكون لهم معجم جامع، ومن اللافت أن بعض الناشرين الإنجليز هم الذين بادروا إلى الاتصال بأحد اللغويين الكبار، صامويل جونسون الذي أخذ على عاتقه إصدار أول معجم إنجليزي حقيقي بعد ما يقرب من عشر سنوات، وذلك سنة )1755(.
بعد صدور معجم جونسون بمئة عام عقدت الجمعية الفيلولوجية الإنجليزية اجتماعا صيف )1857( باقتراح من فيرنفال F.J. Furnivall إلى العميد ترنش Trench يدعو إلى إكمال معجمي جونسون وريشاردسن بملحق يضم المفردات التي لم ترد فيهما، وتكونت لجنة من العميد وفيرنفال وهربرت كولوريدجHerber Coloridge .
وفي اجتماع 3 من ديسمبر من العام نفسه قدمت اللجنة تقريرها، ورأت الجمعية أن الملحق المقترح لا يحقق الهدف المنشود، وقررت إنجاز معجم جامع جديد أطلقت عليه: معجم الإنجليزية الجديد The New English Dicitionary وفي السابع من يناير )1858( أصدرت الجمعية عدة قرارات لتنفيذ المشروع، وكان من أهمها دعوة متطوعين للقراءة: وجمع النصوص، وقسم الأدب الإنجليزي إلى ثلاث مراحل:
1- النصوص المنشورة من )1150( إلى )1526(,)1150( أول طبعة للعهد الجديد.
2- النصوص المنشورة من )1526( إلى )1674(.
3- النصوص المنشورة من )1674( إلى )1858( (سنة وفاة ميلتون).
عين هربرت تولريدج محررا رئيسيا للمعجم وهو دون الثلاثين، وحين توفي في الحادية والثلاثين حرم المشروع من طاقة علمية عظيمة، وتولى التحرير من بعده فيرنفال وهو في السادسة والثلاثين، ثم نصحت الجمعية أن يرأس التحرير هنري سويت Henery Sweet فلم يؤثر ذلك في فيرنفال، بل ضاعف جهده في توجيه عملية الجمع والتحرير الفرعي، وأسس جمعيتين:
1- جمعية النصوص الإنجليزية الأولى )1864(.
2- جمعية تشوسر )1868(.
ولولا هاتان الجمعيتان لواجه جمع النصوص الوسيطة صعوبات كبيرة.
وقد ظل فيرنفال يكرس كل طاقاته في سبيل إنجاز هذا المعجم، ورغم أنه لم يكن المشرف الرئيسي فإنه في الواقع يقف وراء كل صفحة فيه بما نسأ الله في عمره، وقد قرت عينه حين رآه مكتملا قبيل وفاته سنة )1910( كأنه مكافأة عظيمة على هذا العمر المديد الذي أنفقه في هذا العمل العظيم.
ثم عرض على جيمس موراي James Murray ناظر مدرسة ميل هيل Mill Hill School أن يكون المحرر الرئيسي للمعجم فتردد أول الأمر لتوجسه ألا يبلغ العمل مستوى الدقة والإتقان الذي ينشده، وحين اطلع على ما أنجز من قبل اقتنع وتولى الأمر سنة )1877( بعد الاتفاق مع مطبعة أكسفورد على نشر المعجم، وقد أقام ملحقا حديديا ببيته ليكون مكانا آمنا للمواد المجموعة ومع تضخم العمل صار للمعجم محرران رئيسيان هما مواريMurray وهنري برادليHenery Bradley ثم انضم محرران رئيسيان آخران هما وليم إلكسندر Wiliam Alexander وتشارلز تالبوت أونيونزCharles Talbut Onions .
توفي موراي )1915( بعد أن ارتبطب بالمعجم ارتباطا كاملا مدة ثمان وثلاثين سنة، ثم توفي برادلي )1923(، حيث لم يكن سهلا البحث عن مشرف رئيسي فاضطرت الجمعية إلى الاعتماد على المساعدين أصحاب الخبرة إلى أن انتهى العمل أوائل )1928( بعد سبعين سنة من تفكير الجمعية الفيلولوجية في إنجاز مشروع المعجم الجديد للإنجليزية.
على أن العنصر البشري الأهم في المشروع يتمثل في القراء المتطوعين الذين انخرطوا -في دأب عجيب وإحساس بشرف الانتماء إلى اللغة الأم- في جمع النصوص القديمة وقراءتها واستخراج المفردات والشواهد.
وكانت الجمعية قد نشرت إعلانا تطلب متطوعين من قارئي الأدب يساعدون في جمع المادة فاستجاب مئة وخمسة وستون قارئا سنة )1879( بلغوا في سنة واحدة سبعمئة وأربعة وخمسين قارئا، ثم بعد سنة أخرى ثمانمئة قارئ، وقد جرى تقسيمهم إلى مجموعات ترتبط بأحد المحررين الرئيسيين أوالمساعدين، وأقرت الجمعية نظاما موحدا لطريقة الجمع وتدوين الشواهد على بطاقات من حجم محدد، ولنا أن نتصور الجهد الذي بذل في التنسيق بين هذا العدد الكبير من المتطوعين وفي تلقي بطاقاتهم ومرجعاتهما وتصفيتها وإعدادها للتحرير، وقد بلغت الشواهد التي جمعوها خمسة ملايين شاهد.
ولقد ظهرت في هذه الملحمة قصص عجيبة لعل أشهرها قصة الدكتور وليام تشستر ماينور وهو أمريكي كان يقيم في قرية كروثورن Croerthorne على مسافة خمسين ميلا من أكسفورد، وقد ظل يرسل إلى الدكتور موراي آلافا من الاستشهادات بخط يده على مدى عشرين عاما لم ينقطع فيه أسبوعا واحدا، ومع أنه واحد من آلاف المتطوعين في الطبعة الأولى فقد لفت اهتمام موراي لفتا شديدا، فدعاه غير مرة لزيارة أكسفورد تكريما له، وفي كل مرة كان الرجل يتعلل بعذر وفي سنة )1896( قرر موراي أن يذهب هو لزيارة هذا القارئ «الشبح» فإذا الرجل محكوم عليه بالسجن مدى الحياة في تهمة قتل وقد حول زنزانته إلى تلال صغيرة من البطاقات يدون فيها الشواهد التي يستخلصها من قراءاته المنتظمة التي تستغرق جل يومه.
وحين أعدت الصفحات الأولى للطبع أرسلت إلى عدد من اللغويين والأدباء والخبراء الثقات لمراجعتها، وظل ذلك ديدن العمل كله منذ بدايته إلى الآن، إذ لا يجوز طبع ورقة واحدة إلا بعد عرضها على آخرين من غير لجنة التحرير.
ولكي يبقى المعجم موكبا للتدفق اللغوي الحي، فإنه يخضع أربعة مرات للمراجعة كل عام، حيث يضاف إليه ألف مدخل كل مرة، وفي سنة )1933( نشر أونيزنز Onions وكريجي Ceigiar أول ملحق، وغير اسم المعجم إلى معجم أكسفورد للإنجليزية The Oxford English Dicitionary ثم أخذت مطبعته أكسفورد سنة )1984( تجري عملية تحديث كبيرة باستخدام الحاسوب في رقمنة المعجم، وطبع )1989( مع نسخة حاسوبية حيث يضم العمل الجديد اثنتين وعشرين ألف صفحة في عشرين مجلدا ولا يزال هذا المنهج متبعا حتى اليوم من حيث المراجعة السنوية والتحديث المستمر.
وبعد، فلعلنا نلفت إلى الحقائق التالية:
1- أن الذين نهضوا بهذا العمل منذ نشأته كانوا من العلماء الشبان إذ توفي كولريج في الحادية والثلاثين، وكان فيرنفال في السادسة والثلاثين حين أسندت إليه رئاسة التحرير.
2- أن العمل لم يبق حبيس لجنة في الجمعية الفيلولوجية الإنجليزية؛ بل خرجت الخطة إلى الناس تستنهض طاقات الراغبين في الإسهام تطوعا، ولولا هؤلاء القراء المتطوعون الذين بلغو الآلاف لما أمكن إنجاز هذا العمل.
3- أن جمعيات لغوية وأدبية قد أسست بهدف جمع نصوص معينة ودراستها مثل جمعية النصوص الإنجليزية الأولى )1864( وجمعية تشوسر )1868(.
4- أن العمل استمر سبعين سنة كاملة منذ بداية التفكير فيه إلى صدور الطبعة الأولى، لم يتخلله الملل ولا شعور بالإحباط ولا محاولة للتثبيط، بل لعل الإيقاع كله يزداد حيوية كلما تقدم العمل خطوة إلى الأمام.
5- أن المعجم لا يقبل الجمود، بل هو في حالة مراجعة مستمرة في صحبة السيولة المستمرة للغة، وهو في الوقت ذاته يستثمر ما يقدمه للعصر كل يوم من تقنيات.
وحين نتوجه تلقاء لغتنا نرى ما يلي:
1- لا توجد فى الجامعات العربية -على كثرتها- برامج علمية حقيقية عن «صناعة المعجم» Lexicography ، ومن ثم يصعب جدا توفير عدد صالح من المدربين على هذا العمل.
2- أفضت الأنظمة التعليمية في العالم العربى -على اختلاف مستوياتها- إلى ضعف شديد في الاتصال باللغة العربية وآدابها -لأسباب معروفة- الأمر الذي يجعل من فكرة الاعتماد على القراء المتطوعين أمرًا قريبًا من المحال.
3- صحيح أن الحاسوب الآن يوفر وقتا كبيرا في جمع المادة اللغوية ومعالجتها، لكن النظر في تحليل المعنى على التغير التاريخي سوف يظل منوطا بالإنسان.
4- حددت سنة )1150( بداية للنصوص الإنجليزية التي يمكن جمعها واستخلاص الشواهد منها، ومع ذلك استمر العمل سبعين سنة، فماذا نحن فاعلون والنصوص العربية تسبق الإنجليزية بما يقرب من ثمانمئة عام؟! هل نستطيع مثلا أن نكون جمعيات مستقلة لكل عصر من عصور العربية، وكيف نضع نظاما محكما للاتصال بالآخرين خارج لجنة المعجم؟ وكيف نبقي العمل على حالة مستمرة من التدفق الحي؟.. وكيف.. وكيف.. وكيف؟!
وأخيرا قد يكون مفيدا أن نذكر الناس أن معجم صامويل جونسون ظهر سنة )1755( بحسبانه أول معجم كبير للإنجليزية، وهي الفترة نفسها التي ظهرفيها معجم «تاج العروس» للزبيدي.
عبده الراجحي
عضو المجمع



تعليم العربية.. إلى أين؟
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله تعالى ونستعينه ونستهديه، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، وبعد.
فما أظن موضوع هذا المؤتمر في حاجة إلى شىء من تقديم، ذلك أن ثمة حقائق راسخة لا يجادل فيها أحد؛ منها أن العربية لغة طبيعية كغيرها من اللغات الطبيعية في العالم، لكنها في الوقت نفسه تكاد تمثل حالة «فريدة» لا يشركها فيها غيرها من اللغات؛ فهي اللغة المعاصرة الوحيدة التي اتصل تاريخها اتصالا كاملا دون انقطاع منذ وصلت إلينا نصوصها الأولى قبل ستة عشر قرنا من الزمان. ومنها أن العربية تحتل الآن مكانة بارزة في العالم المعاصر لأسباب موضوعية معروفة، ومع ذلك فإن «تعليم» العربية لا يرتقي إلى هذه المكانة، بل لا يصل إلى الحد الأدنى منها، وأراه وصل إلى مرحلة الداء العضال، ويكاد يبلغ حد الكارثة.
ويقتضينا الموقف أن نحاول «تشخيص» الحالة طريقا إلى تبين المستقبل المنشود، وقد يكون ضروريا أن نركز على العالم العربي الذي يفترض فيه أنه مسئول عن تعليم العربية وعن نشرها في العالم. ومن اليقين عندي أن وضع تعليم العربية في العالم العربي يهيمن عليه «غياب» العناصر الأساسية في التعليم اللغوي، وأشير هنا في إيجاز إلى أنواع هذا الغياب:
1- غياب التخطيط:
لا توجد في العالم العربي -ابتداء- جهة ذات كيان سياسي وعلمي تكون وظيفتها التخطيط للتعليم اللغوي، والمسألة -بأكملها- متروكة للتصورات الفردية، وللمُتوارث المتعارف عليه رغم التغير المستمر في أنماط الحياة، ومن ثم لا توجد -أصلا- لدى هذه الجهة غير الموجــودة، ولا عنــد من يحــل محلها أسئلة من مثل:
- متى يبدأ الأطفال تعلم العربية الفصيحة؟
- أيجوز أن يتعلم لغة أجنبية أخرى في سنواته الأولى؟
- إلى أي مرحلة يستمر تعليم العربية؟ إلى نهاية التعليم الثانوي؟ أم في التعليم الجامعي أيضا؟
- هل للتنوع الجغرافي والاجتماعي دور في «كم» التعليم اللغوي، وفي «نوعه»؟
- هل يكون تعليم العربية واحدا في المدارس على اختلاف أهدافها؟ التعليم المهني مثل التعليم العام؟
- هل يجب -في إيجاز- أن يكون هناك «قدر ما» مشترك يمثل نواة تعليم العربية في جميع المؤسسات على اختلافها وتنوع بيئاتها الإقليمية والاجتماعية؟ وما هذا القدر؟ وكيف نتوصل إليه؟
إذا كان ذلك كله غائبا في تعليم العربية لغة أولى فليس ثمة فرصة أن نتحدث -من داخل العالم العربي- عن تعليمها لغة ثانية.
إن أسئلة كثيرة غير هذه كان واجبا أن تشغل أصحاب «القرار» في المجتمعات العربية، غير أن غيابها يكشف عن غياب التخطيط، ومن ثم يفضي إلى كل درجات «الغياب» التالية.
2- غياب تصور علمي للتمويل:
وهذا هو المستوى الحيوي الأول الذي أدى غياب التخطيط اللغوي إلى عدم وجود تصور ما «لتمويل» تعليم العربية، بل قد لا يفكر أحد في أن يكون لتعليم العربية تمويل خاص مدروس أصلا، والتمويل الحكومي للتعليم في معظم البلاد العربية ضعيف إذا قورن بتمويل مجالات أخرى أو بتعليم اللغات في البلاد المتقدمة. ولم تتقدم المجتمعات العربية حتى الآن خطوة نحو تمويل «غير حكومي» يمكن أن يسد بعض النقص الذي ترجعه بعض الحكومات إلى دعوى «الأولويات» السياسية والاجتماعية.
3- غياب البحوث العلمية في تعليم العربية:
ونحن لا نعني تلك البحوث النمطية التي تخرجها لنا -كل يوم- كليات التربية وبعض أقسام اللغة العربية؛ فهي في معظمها تسير على نماذج «سابقة التجهيز» أعدت في الغرب في الأغلب الأعم بناء على أسس حقيقية هناك، ومهما يكن من أثر هذه الدراسات فهي في -معظمها- «تصف» حالا واقعة، وما يبدو في بعضها من «حلول» لمشكلات تعليم العربية لا يعدو أن يكون تصورات «اجتهادية» تفتقد المعطيات الأساسية التي نود الإشارة إليها.
غياب البحوث العلمية إذن شيء آخر نعني به ذلك العمل العلمي الذي «يسبق» العملية التعليمية من إعداد المعلم وتصميم المقررات واختيار المواد التعليمية وغيرها. لا يوجد في العالم العربي حتى الآن بحوث علمية حقيقية عن «اكتساب» الأطفال العرب للغتهم الأولى، ومن ثم لا يوجد تصور علمي عن «النمو» اللغوي لهم، والباحثون عندنا يطبقون -في غير تردد أو مراجعة- معايير «بياجيه» التي وضعها وفق دراسات على بيئات مختلفة مع عدم إنكارنا وجود ظواهر كلية universal وبخاصة في هذا المجال.
إن غياب مثل هذه البحوث لغياب التمويل وغياب تصور لدرجات التعليم اللغوي يترتب عليه دون شك عدم وضوح الرؤية -إن لم يكن انعدامها- فيما يجب أن نقدمه لهؤلاء الأطفال. ومن اللافت أن الأطفال الذين ينضمون منذ مرحلة «الحضانة» إلى مدارس متعددة اللغات يتقنون اللغات الأجنبية في مهارتي الاستماع والحديث في فترة وجيزة نسبيا، ولا يصلون إلى إتقان هاتين المهارتين في العربية في أية مرحلة من مراحل التعليم، وذلك يرجع جزئيا -على الأقل- إلى غياب البحوث العلمية في مجال الاكتساب اللغوي للعربية.
وليس في العربية -حتى الآن- متون لغوية Corpra في مراحلها التاريخية المتتابعة، وفي سنواتها المختلفة، مع سهولة هذا العمل الآن للتقدم الكبير في الحواسيب وقدراتها التخزينية الهائلة، وفي البرامج المختلفة التي طورها الباحثون في اللغات الأخرى؛ لأن الأمر كله يصعب إدخاله عقول أصحاب القرار في العالم العربي، وعقول أصحاب الأموال الذين قد يجدون في تمويل مثل هذه الأعمال إضاعة للمال واستجابة لأناس متخلفين لا يعيشون آليات السوق.
وغياب البحث العلمي العربي في المتون اللغوية الحاسوبية يترتب عليه ما يلي:
1- عدم وجود قوائم «للشيوع» اللغوي على مستوى «المفردات» وعلى مستوى «التركيب» وغيرها من مستويات الأداء اللغوي، ومثل هذه القوائم ضرورية جدا في «اختيار» المواد التعليمية للمراحل العمرية المختلفة, وللبيئات المتنوعة، وللأغراض الخاصة... إلخ.
2- عدم وجود «معاجم» عربية أحادية اللغة تقدم العربية وفق الاستعمال اللغوي وليس تلخيصا من المعاجم العربية القديمة. و«صناعة المعجم» Lexicography -على أية حال- لم تدخل بعد اهتمام أحد من أصحاب القرار، ومن ثم لا تجد تمويلا منهم ولا من غيرهم. ومعلوم أن صناعة المعجم صارت «علما» له إجراءاته وأدواته، من «جمع» المادة اللغوية، و«ترتيبها» و«شرحها» مما هو غائب حتى الآن في أماكن تعليم العربية في العالم العربي، ومن ثم نفتقد «العناصر» البشرية المدربة في هذا التخصيص، ويخلو الميـــدان للهـــــــواة الذين يضيـــفون -في الواقع- إلى المشكلة أبعادا أخرى نتيجة غياب الأسس العلمية.
ومعلوم -من بعد- أن «استخدام» المعجم «مهارة» تقتضي الممارسة المستمرة منذ الصغر، لذلك تعرف لغات العالم المتقدم معاجم للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، ومعاجم للمرحلة الابتدائية، وأخـــــرى للمرحلة المتوسطة، وهكذا.
وهذا كله غائب غيابا كاملا في العالم العربي؛ بل إن الطلاب المتخصصين في اللغة العربية يتخرجون دون أن يعرفوا كيف يستخدمون المعاجم العربية القديمة, وهي لا تزال المصادر الوحيدة المتاحة أمامهم، وكل ما صدر بعد ذلك من معاجم مستقى منها، إذ كيف يتصور انتاج معاجم حقيقية للعربية المعاصرة مثلا، أو معاجم للأطفال، أو معاجم لأغراض خاصة في غياب «المتون» اللغوية، وقوائم «الشيوع»؟
4- غياب المنهج العلمي في برامج تأهيل معلمي اللغة العربية:
وهو في الحقيقة غياب لتصور متكامل لهذا التأهيل، ومن اللافت أن الأقسام العلمية الجامعية التي يناط بها هذا العمل لم تفكر في تغيير برامجها نتيجة تغير أهدافها؛ بل ظلت على النحو الذي كانت عليه منذ إنشائها؛ فأقسام اللغة العربية في كليات الآداب مثلا لم يكن من أهدافها الأولى عند إنشائها تخريج معلم للعربية، ثم أصبح ذلك هدفها الوحيد تقريبا، ومع ذلك لم تحدث مواءمة بين البرامج والهدف الجديد، وازداد الأمر سوءا حين أنشئت كليات التربية وانتشرت انتشارا واسعا في العالم العربي، وضمت أقساما للغة العربية، وبدلا من أن تقدم برامج لتأهيل معلمي العربية نافست الأقسام التقليدية في كليات الآداب في الإغراق في النظريات الأدبية والنقدية والتيارات الفكرية، فإذا وضعنا ذلك كله في الإطار الغالب في التعليم في العالم العربي، وهو الإطار التلقيني الاستظهاري أدركنا أن برامج تأهيل معلمي العربية تقع في أكثر المستويات تخلفا في العالم المعاصر. وضعف التأهيل لم يدفع أحدا إلى التفكير في برامج خاصة بالتدريب «أثناء الخدمة» in service training وتُرك المجالُ للاجتهادات الفردية أو لبرامج مظهرية.
5- غياب خطط المتابعة والمراجعة:
ذلك أن ثمة شعورا مسيطرا أن تعليم العربية أمر فطري مستقر، وقد لا يتصور أحد أن مثل هذا الأمر يحتاج إلى خطط للمتابعة والمراجعة، فمثل هذه الخطط توضع للأمور «الأهم» في الزراعة والصناعة والاقتصاد وغيرها من المجالات التي يظنونها أركان التنمية وأنها تمس حياة الناس مسّّّّّا مباشرا. ومن ثم يصبح من الترف تصور خطط علمية لمراجعة تعليم العربية، ولنضرب مثالا واحدا بالمواد التعليمية -وهي عنصر واحد من عناصر التعليم اللغوي- فلا نجد عملا حقيقيا في مراجعة هذه المواد يستند إلى الأسس العلمية في هذا المجال.
6- غياب الربط العلمي بين التعليم والثقافة الخاصة:
قد يكون لازما أن نشير هنا إشارة موجزة إلى ظاهرة غالبة في العالم العربي تؤثر تأثيرا مباشرا على تعليم العربية، وهي ظاهرة تعليم المواد العلمية والطبية خاصة باللغة الإنجليزية، ورغم الدعوات المستمرة إلى ضرورة «تعريب» هذه العلوم وتعليمها بالعربية فإن أصحابها يتمسكون بأسباب غير علمية للاستمرار فيما هو قائم، ولا يشعر إلا قليل منهم أن «العلوم» يجب أن «تسكن» اللغة، وأن تعليمها بغير لغة أصحابها يجعلهم دائما «مستهلكين» لإنتاج الغير, وفي حالة «انتظار» دائم لما يقدمه الآخرون. على أن الذي يهمنا هنا أن هذا الأمر يضعف من «دافعية» تعلم العربية إذ يستقر في وجدان الطالب في التعليم العام عدم جدوى بذل الجهد في تعلم العربية، وهي لن تكون واسطة التعليم إذا اتجه إلى دراسة العلوم المذكورة.
لقد عمدنا أن يكون الحديث عن «تخطيط لمستقبل تعليم العربية» موجزا أشد الإيجاز، لأنا نرى أن التخطيط يجب أن يكون كذلك فعلا؛ بعيدا من التفصيلات الجزئية التي ترهقه والتي قد تشتت التمسك بالخطوط العامة البارزة التي تمثل حدودا حاسمة، وعلى الرغم من شعورنا المسيطر بصعوبة تحقيق الذي نراه فإنا نود أن نشير إلى بعض العناصر الكبرى التي قد تسهم في تمهيد الطريق نحو تغيير هذا الشعور، وهي عناصر ترتبط بالتاريخ والجغرافيا والموقع العام للعربية:
1- لاشك أن ارتباط العربية بالتاريخ جعلها حالة فريدة بين اللغــــــــات المعاصرة المعروفة عالميا؛ إذا لا تزال العربية متصلة الحلقات في التاريخ منذ ما يزيد على ستة عشر قرنـا منها قرن ونصــــــف على الأقل قبل الإسلام. ومثل هذا الارتباط -عند بعـــض أولي النظر- قد يحمل عنصري قوة وضعف، غير أنه -في التحليل النهائي- لا يتجاهل أهمية البعد التاريخي، بل يراه عنصرا أساسيــا في التخطـــيط للمستقبل.
2- وتأتي «الجغرافيا» لتدعم عاملي القوة والضعف في البعد التاريخي، فالعربية تعيش لغة أولى على امتداد جغرافي واسع في آسيــــــــا وإفريقيا، ولا نذكر هنا انتشارها لغة أولى علي امتداد جغرافـــــــي أوسع في القديم؛ في أوروبا، وأواسط آسيا وشرقها. وإن كنــــا لا نستطيع استبعاد هذه الحقيقة في التأثير على مستقبل تعليم العربية؛ لأن هذا التعليم سوف يرتبط -ولو جزئيا- بهذه البلاد؛ فالعربيــــة التي سوف توجه إلى باكستان، أو إيران، أو أوزبكستان، أو ماليزيـــا، وإندونيسيا، أو أسبانيا، ومالطة- لابد أنها سوف تتأثر بما خلقته العربية هناك.
3- «مركزية» العربية في الحياة العربية المعاصرة نتيجة الوجـــــــود الأجنبي المتلاحق في العصر الحديث بأشكاله المختلفة: التركيـــة، والفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، وإحساس العرب بأن هناك من يتربص بلغتهم وصولا إلى تغيير أنماطهم الثقافية، وقد ازداد هــذا الإحساس بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والدعوة الأمريكية -على وجه الخصوص- إلى «تجديد» «الخطاب» العربي فـي مجالات كثيرة مما جعل الناس يشعرون أن «عربيتهم» هي الهدف الأول في هذا «التجديد» باعتبارها «الحامل» الأكبر «للثقافة»، خاصة أنهم رأوا خطوات عملية تجري استجـابة لهـذه الدعــوة فـي بعض بلدان الخليج؛ فكان رد الفعل -كالعادة- عالي الصوت فــي ضرورة الاستمساك بالعربية في مواجهة ما يظنـونـه طوفـانا قـادما باعتبارها الحصـن الذي «يعتصمــون» به في مثــل هـذه الحـال.
من هنا تزداد كل يوم «مركزية» العربيـــة -وإن كان في أشكـال عاطفية غالبا- مما لابد من حسابه داعما للتخطيط لمستقبل تعليم العربية.
يضاف إلى هـذه العناصــر الثابتـة أو شبه الثابتــة عـدد مـن المتغيرات الحديثة التي قد تعين على تغيير الحالة غير الإيجابية التي أشرنا إليه من قبل، ولعل أهم هذه المتغيرات ما يلي:
1- النظام العالمي الجديد، وما يحمله من «ضغوط» على اللغات والثقافات الخاصة نتيجة العولمة والتطور الهائل في الاتصال والمعلومات.
وهذا المتغير -على سطوته أو لسطوته- بدأ يولد ردود فعل قوية، وبخاصة في اللغات ذات التاريخ الطويل وذات الصبغة الدينية والتراث الثقافي، ولعل العربية تمثل أبرز مثال على ذلك مما بدأ ينتج دوافع قوية جـدا نحـو الدفـاع عنها ورفـض الذوبــان في لغـة عالمـية، خـاصة حـين يـوضع الأمـر في إطــــار «صــراع» الحضارات أوحتى «حوارها». وقد يكــون هذا المتغير وحـده كافيــا لأن يفـكـر العالم العربي في الدخول إلى عصر «العلم» في تعليم العربية.
2- تنامي التيارات الإسلامية -بصورها المتعددة- سواء أكان ذلك التنامي ذاتيا أم كان رد فعل للأوضاع العالميـة المعاصـرة. وهــذا المتغيـر يصحـبـه فـي الأغلـب اتجــاه نحـو التشـتت بقيـم الماضي الذي تحمـله -في الأساس- اللغة العربية، وقد بدأت مظاهر ذلك في الانتشار في استعمال العربية الفصيحة في الحياة اليومية بين الأجيال الجديدة التي تنتمي إلي هذه التيارات، وفي الإقبال العام على تعلم العربية.
3- دخول العالم العربي منظومة الاتصال العالمي الحديث مما جعل المعرفة تقترب إلى حد ما من كل بيت. صحيح أن نتائج ذلك قد لا تظهر سريعا، لكنها تزرع نماذج معرفية أمام الجيل الناشئ بحيث يجوز لنا أن نتصور ظهور عقليـة «علميـة» فطريـة مكتسبـة نتيجة «التعـرض» المستـمـر لمخرجات الاتصال الحديث. ومثل هذا التوجه سوف يضع الأشياء على الطريق، ومنها تعليم العربية الذي لا يمكن أن يخرج على المنظومة العامة عند اكتمالها، ولقد بدأت في الأفق ظواهر واضحة بين الشباب في العـــالم العربي، إذ بالرغم من سيطرة الاتجاهات التقليدية، فإن أعدادا غير قليـــلة تتمتع الآن بالرغبة القوية في ملاحقة العصر، وأصبح استـخـدام الثقـافـــة الحديثة علامة فارقة بين الشباب يمكن استثماره في تطوير تعليم العربية في المستقبل؛ لأنه يؤسس قيما علمية تتخلص من الانطباعية والذاتية وتلتـــزم الإجراءات العلمية الموضوعية.
4- بداية ظهور بحوث علمية جديدة تتصل باللغة الإنسانية لم يكن للعالم العربي الحديث بها عهـد، مثـــل البحوث الخاصة بالاكتســاب اللغـوي، وأمـراض التخاطب، وعلم اللغة الحاسوبي، وعلم اللغة النفسي، وتحليل الخطاب...، وغيرها، وكل أولئك سوف يصب في نهر تطوير تعليم العربية؛ لأنه يؤسس اقتناعا عاما بضرورة الاهتمام بالأعمال العلمية «القبلية»، وهي تلك التي تسبق العملية التعليمية مما أشرنا إليه في موضعه.
5- بداية ظهور إحساس قوي بأهمية العلوم «البينية» interdisciplinary في العصر الحديث مما يمكن التخلص من العمل العلمي الفردي والاقتناع بضرورة عمل الفريق الذي يتكون من تخصصات مختلفة، وهذا الاتجاه الجوهري قد يستغرق وقتا حتى يكون له تحقيق بارز في الحياة العلميـــة العربية وبخاصة في تعليم لغتها، لأسباب كثيرة، ليس هذا موضع عرضها ومناقشتها.
هذه هي الصورة العامة لتعليم العربية في العالم العربي الآن، وهي الصورة التي يُفترض أننا نصدر عنها في محاولة «للتخطيط لمستقبل تعليم العربية» والذي لا شك فيه أن «تشخيص» الحالة ضروري جدا في التخطيط للمستقبل، ومن الواضح أن هذا التخطيط لابد أن يستند إلى التخلص من مجموعات «الغياب» التي عرضناها, و«استحضار» العناصر الأساسية في التعليم اللغوي.
أود أن أسرع فأقرر أن ثمة حقيقة ماثلة واضحـة غـايـة الوضوح؛ وهي أن «التخطيط لمستقبل تعليم العربية» ليس مرهونا على معرفة الحلول للمشكلات القائمة؛ فقد عقدت مؤتمرات كثيرة، وورش عمــل متنوعة، وحلقات بحــث، نوقشت فيها هذه المشكلات، ووضعت لها الحلول، ومعظم المتخصصين علي بينة من ذلك كله؛ لكنهم في الوقت نفسه يدركون أن الأمل ضعيف جدا في تحقيق شيء مما درسوه وناقشــوه، ذلك لفقـــدان «الاتجاه» في العالم العربي، وبسبب انعدام الإحساس بالمشكلة ابتداء.
ومهما يكن من أمر فإن التخطيط لمستقبل تعليم العربية يتوقف على حل واحد لا نرى الآن غيره؛ إنشاء هيئة عليـــا مـركـزية، تشبـه المجـلس البريطـــاني مثلا British Council أو الهيئات الأخرى المناظرة في لغات العالم المتقدم، يمكن أن نطلق عليه «المجلس المركزي للعربية»، أو اسما قريبا من ذلك، ويجب أن يتوافر فيه ما يلي:
1- أن يكون جهة غير حكوميـة، مستقـــلا استقــلالا كامـلا عن الأجهـــزة السياسية والإدارية في العالم العربي.
2- أن يكون له تمويل كاف مستقر يمكنه من النهوض بأعماله على درجة عالية من الكفاءة والاستمرار.
3- أن يعمل فيه متخصصون متفرغون -في مستويات مختلفة- مع التحذير من شيئين؛ أولهما عدم اللجوء إلى أساتـذة الجامعـات؛ فهـم في الأغلـب الأعم لا يصلحون لهذا العمل، أو لا يملكون الوقت الكافي اللازم للوفـاء به. وثانيهما عدم الخضوع للتقاليد السائده من تقسيم العمل وفق «أنصبة» معينة لكل بلد عربي، شأن ما هو مألوف في مؤسسات الجامعة العربية مثلا، إذ يجب ألا يشغل أي عمل في هذا المجـلس إلا مـن تتـوافر فيـــه الشروط العلمية اللازمة.
4- أن يكون له مركز رئيسي، يختار له مكان بعيد عن التأثيرات الحكومية، وتكون له فروع في داخل العالم العربي وخارجه.
وقد نرى تحديد مسئوليات هذا المركز على النحو الآتي:
1- أن يكون الجهة الوحيدة المسئولة عن تعليم العربية لغة أولى ولغة ثانية.
2- أن يضع الخطط القريبة والبعيدة في المجالين، وأن يكون لديه جهاز قوي للمتابعة والمراجعة.
3- أن يضع في صدارة مسئولياته إجراء البحوث الضرورية في تعلــــــيم اللغات مما أشرنا إلى بعضه آنفا وبخاصة فيما يتصل بالمتون اللغوية، والتغير اللغوي، وتنوعه، واكتساب اللغة، وغيرها وغيرها، ممــا هو شائع الآن في العالم المتقدم. على أن يكون ذلك عملا مستمرا متطورا يسعى إلى غرس قيم البحث الجماعي، وتأهيل معايير العلوم التطبيقية باعتبارها علوما بينية.
4- وضع البرامج الخاصة بتأهيل معلمي العربية، وتدريبهم أثناء الخدمة، والإشراف عليها.
5- الإشراف على تصميم المقررات، واختيار المواد التعليمية، ووسائل الاختبار.
6- الاهتمام بتقنيات التعليم اللغوي الحديثة، وتطويرها، واستثمارها في تقوية إسهام العربية في أوجه النشاط العالمي.
7- وضع نظام قوي لعقد المؤتمرات، والندوات، وورش العمل, وحلقات البحث بصورة منتظمة منتجة.
8- التشجيع على إنشاء رابطات لمعلمي اللغة العربية داخل العالم العربي وخارجه، تتناسق جهودها في تطوير تعليم العربية.
9- أن يكون له جهاز قوي للاتصال، يكون وسيلة سهلة سريعة متصلة بالباحثين والمعلمين والدارسين.
10- أن ينشئ مركزا قويا للنشر العلمي بأنواعه المختلفة، المكتوبة، والمسموعة، والمرئية، والإلكترونية.
وبعد, فلعل هذا الذي قـدمناه يمثــل «وجهة نظر» نابعة من قلب العـــالم العربي عن «تخطيــط لمستـقبـل تعليم العـربية»، وهي وجهة نظــر عن شخص يظن نفسه واحدا من المعنيين بتعليم العربية لغة أولى ولغة ثانية.
وهي في الوقت نفسه تمثل «الحالة العامة» في الفكر العربي المعاصر بما يتسم به من ارتباك وعدم وضوح، فهي ترى تحقيق التخطيط صعبا أو بعيد المنال، وفي الوقت نفسه ترى عناصر ثابتة، ومتغيرات حادثة قد تقلب الصورة فنرى التخطيط واقعا متحققا، وليس ذلك ببعيد!









تعليم العربية.. من أين نبدأ؟
[مجلة مجمع اللغة العربية، العدد 117، ألقيت هذه المحاضرة في الجلسة الخامسة من
جلسات مؤتمر المجمع في دورته الخامسة والسبعين، ظهر يومالثلاثاء: 11 من ربيع
الآخر سنة 1430 هـ، الموافق 7 من إبريل «نيسان» سنة 2009 م]
نحمد الله تعالى ونستعينه، ونستهديه، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد..
فيأتي هذا المؤتمر بعد تعديل قانون المجمع الأم بأن أصبح لقراراته قوة الإلزام، وقد كنا على مدى سنوات طويلة نطالب بذلك فأقر المجلس النيابي -بترحيب ومحبة وأمل- مطلبنا، فانتقلنا الآن من موقف المُطالِب إلى موقع المُطالَب، ووجبت المسؤولية وجوبا لا مشادة فيه.
والذي لا شك فيه أن تعليم العربية يقع في القلب من هذه المسؤولية، غير أن أخوف ما نخافه أن يكثر الكلام في هذا المؤتمر، وأن تتشعب بنا المناقشات في كل واد، وهذا أمر طبيعي، لأن «معضلة» تعليم العربية قد تأخر علاجها تأخرا يكاد يصل بها -مع كثرة ما قيل فيها- إلى حد الاستعصاء. ومن ثم فأرجو ألا يكون خروجا على الأعراف والتقاليد أن ندعو إلى البحث عن كيفية الوصول إلى قرارات محددة، موجزة، واضحة، نضعها أمام المجتمع، ونتعامل مع أصحاب المسؤولية في التنفيذ.
وأود أن أؤكد أن ثمة مبدأين يجب أن يكونا أصلين في كل ما نصدره الآن وفيما يقبل من الزمان:
الأول: أنه لا تنمية، ولا تقدم، ولا تحقيق للذات دون تعليم صحيح.
الثاني: أنه لا تعليم صحيح في بلادنا دون تعليم حقيقى للغة العربية.
وهذان المبدآن «كليان» Universal ينطبقان على البشر جميعا، لا يرتكنان إلى شيء من العاطفة أو الانتماء القومي والثقافي، بل يستندان إلى نتائج ودراسات علمية تؤكد أن «المعرفة» لا تكون إلا إذا«سكنت» لغة أصحابها.
غير أني أود أن أشير أيضا إلى أن «الأداء» العربي العام ليس في أسوإ حالاته كما يشيع بين الناس، بل قد يكون على مستوى من الجودة لم يكن واضحا في الماضي القريب، وذلك ما نراه من التزام معقول في الأداء الفصيح في عدد غير قليل من الفضائيات العربية، وفيما نراه من استمساك كثير من الأسر في مصر -لأسباب قديمة وحديثة- في إلحاق أبنائهم بمراكز تحفيظ القرآن الكريم مما نلحظ بعض ثماره في غير قطاع من المجتمع المصري.
ومع ذلك فإن المعضلة القائمة تؤكد أن «مخرجات التعليم» teaching outcomes أقل بكثير مما يبدو من الإنفاق البشري زمانا ومكانا...
أيها السادة:
نحن في حاجة إلى «تغيير» جوهري في التعليم وليس إلى «إصلاحه» على ما يتنادى به الناس، وهذا التغيير يستحيل أن يتحقق دون تغيير حقيقي في تعليم العربية، ولكي نكون «عمليين» كما يقال فإننا ينبغي أن نحدد«نقطة» محددة للبداية؛ فمن أين إذن تكون؟
لقد عرضت على لجنة «العربية والتعليم» في مجمعنا الموقر أن نقتصر في البدء على الصفوف الأولى للمرحلة الابتدائية، وقد يكون من الأنفع الآن نبدأ بالمرحلة الابتدائية كاملة، لأسباب موضعية كثيرة نجتزئ منها بما يلي:
1- جرى العرف في الأدبيات التربوية إلى تسمية هذه المرحلة «بالتعليم الأساسي» ومعها المرحلة الإعدادية أو المتوسطة، ومعنى ذلك أنها مرحلة «التأسيس» في التعليم، أي إنها المرحلة الأهم والأخطر في عملية التعليم بأكملها.
2- إن هذه المرحلة تنتهي حين يبلغ الطفل الثانية عشرة، وهي المرحلة التي يكاد الباحثون يتفقون أنها «المرحلة الحرجة»critical age . وهي التي يصعب إتقان اللغة إذا لم تكن قد«سكنت» في مراكزها في المخ في هذه السن.
3- إن الطفل في هذه المرحلة ينغمس انغماسا كبيرا في مجالات متنوعة من النشاط، ويتسع اتصاله بالعالم من حوله. وقد تجدر الإشارة إلى أن الطفل الآن يختلف في هذه المرحلة اختلافا جوهريا عن نظيره منذ عشرين سنة لما تمده به الحياة المعاصرة من أدوات للمعرفة والاتصال لم يسبق للبشرية عهد بها من قبل، ومن ثم فإن مقاربة هذا الطفل يجب أن تكون مختلفة، وهو ما لم نر له تحققا حتى الآن.
إذا اتفقنا على أن تكون «المرحلة الابتدائية» نقطة البداية -على أسسها العلمية- فإن السؤال المهم هو: كيف نبدأ؟
أيها السادة.. من معضلات الحياة العربية المعاصرة أننا حين نتصدى لقضية ما لا ندرسها درسا يشمل عناصرها في آن واحد، بل يغلب علينا بحث كل عنصر في صورة «منعزلة» وقد ظهر ذلك جليا في بحوث تعليم العربية مع أن تعليم اللغة عملية «مركبة» يستحيل التوصل إلى بعض أسرارها إلا في حال بحث العناصر المتداخلة بحثا واحدا على مستوى معين من الشمول؛ لأن معرفة «العلاقات» بين هذه العناصر أهم من معرفة خصائصها منفردة... وعلى ذلك نستطيع -ونحن نسعى إلى تغيير تعليم العربية- أن ندرس دراسة علمية صحيحة لعناصر المناهج، والمواد التعليمية، وإعداد المعلم، وتقنيات التعليم، وغيرها، في منهج متكامل يربط بينها؛ فذلك يقضي على التناول الفردي ويؤسس لما يعرف «بعمل الفريق» بإقرار كل تخصص أنه ليس الأهم أو الأوحد في قضية تعليم اللغة، بل هو عنصر واحد من عناصر شتى لا تؤتي ثمارها إلا باندماجها معا فيما يعرف الآن بالعمل «البينى» interdisciplinary ..
وقد نلفت كذلك -أيها السادة- إلى أمرين:
1- أن تعليم العربية جرى في العقود الخمسة الأخيرة -ولا يزال- على نماذج سابقة الصنع prefabricated لم تصدر -أصالة- عن معالجة موضوعية لخصائص «البيئة» التي تعيش فيها العربية، وكم عانى الناس ولا يزالون من الاستيراد الكامل لهذه «النماذج».
2- أن ثمة غيابا شبه كاملا «لوصف» علمي حقيقي للعربية يواكب الإيقاع العلمي لعصر الحاسوب.
أيها السادة.. قد يكون من نافلة القول أن نؤكد أن مناهج التعليم إنما هي تطبيق لمواقف «نظرية»، بعضها يناقض بعضها الآخر مناقضة كاملة في أسسها الفلسفية، وأن النظريات تبقى «تجريدات» ما لم تتحول إلى واقع فعلي يمارسه الناس ممارسة حقيقية.
وأن أفضل المناهج هي التي يستخلصها كل مجتمع بما يناسب خصائصه الثقافية والتاريخية.
ومع كل التجارب العالمية فإن الإجماع يكاد ينعقد على أن المنهج الاتصالي communicative هو الأفضل والأنفع في تعليم اللغة وتعلمها، وليس المقام هنا مقام تفصيل، لكننا نشير -فحسب- إلى أن الاتصال يعني «المواجهة الشخصية»، ومن ثم يفضي إلى أن يكتسب المجال «الوجداني» أهمية خاصة، بحيث يجعلنا نبني «علاقات»، لقد كانت الاتجاهات السابقة تمدنا أولا بالوسائل، ثم بالأهداف، ثم بالمادة التعليمية، ثم بالعلاقات الشخصية، وهو ما أنتج ما يعرف بالتعلم الدفاعي، أما الآن فنحن نبدأ بالعلاقات الشخصية، أي إننا ننحو منحى بشريا لأننا نعلم بشرا.
و«الاتصال» يعني استعمال لغة طبيعية واقعية وظيفية في قاعة الدرس، وهذا كله سوف يعلمنا كيف «نتعلم» لا أن يعلمنا مدرس من مكانه «الأعلى»؛ مدرس يقرر وحده ما ينبغي أن نتعلمه.
وعلى ذلك فإن سؤالاً لا يكف عن الإلحاح حين تعرض مشكلة تعليم العربية، ألا يجوز أن نمزج بين المنهج الاتصالي السائد، وبعض خصائصنا المركوزة فينا منذ زمن بعيد؟ وأعني بذلك أن نستثمر خاصية «الاستظهار» بقدر ما داخل المنهج المختار؟
نعم هناك تأكيد على أن المبالغة في النشاط الاستظهاري على حساب الاتصال الموقفي في الدروس اللغوية يمكن أن يخمد عملية التعليم، غير أن بعض الدراسات قد كشف مؤخرا أن الاستظهار ليس «شرا»كله، إنه يؤدي إلى الذاكرة الجيدة، وهي تعني تكوين ارتباطات متعددة لكل حقيقية نعني بالاحتفاظ بها، أي كيف ننسجها في علاقات نسقية، يقول أوزبل Ausubel عن الطبيعة الكلية للنسيان: «إن المواد التي تتعلم استظهاريا لا تتفاعل في البنية المعرفية بطريقة مادية؛ لأنها تتعلم في ضوء قوانين الاستدعاء، ومن ثم يتأثر استدعاؤها بالمؤثرات المتداخلة لمواد مشابهة.
(Ausubel, David A. 1968 – Education).
Pscycholog Cognitive view, New York, Rinehart & Winton- P. 108.
إنني أقصد هنا كيف نستثمر «حفظ القرآن الكريم» -بقدر ما- في هذه المرحلة توجيها متمايزا؟
أيها السادة.. من أين نبدأ.. وكيف نبدأ.. والآن متى نبدأ؟
لقد تلفت منا الوقت، غير أن «القضاء» مقبول إن شاء الله... والحق أن علينا -في هذا الأمر- «فرضا» واجبا ينبغي أن نؤديه لوقته الآن دون تأخير، لكني أشك شكا قويا في تحقق ذلك لأسبابه الموضوعية، إذ إنه يقتضي توافر شروط؛ أهمها إرادة سياسية قوية، قاصدة، عازمة، وتوافر موارد مالية وافية تسند تأسيس «ثقافة» علمية حقيقية في شأن تعليم العربية.
ولن نمل تكرار الاقتراح الذي عرضناه في غير مكان من العالم الإسلامي والعربي، وهو إنشاء «مجلس أعلى لتعليم العربية» يكون مستقلا عن الأجهزة الحكومية في موازنته وإدارته، يشبه «المركز البريطاني» British Council ، والأكاديمية الفرنسية Acadamie Francaise ومعهد جوته Goete Institut.
أيها السادة.. هل يجوز لنا أن نصل الآن إلى قرار محدد بأن نحدد نقطة البداية في «المرحلة الابتدائية» وأن تتوجه الجهود العلمية كلها إلى هذه المرحلة من أجل تعليم حقيقى للعربية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أ.د. عبده الراجحي
عضو المجمع









السيوطي والدرس اللغوي
[هذا البحث مستل من مجموعة أبحاث ألقيت في الندوة التي أقامها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالاشتراك مع الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، 6 – 10 مارس 1976م].
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
لا يكاد الحديث عن منهج العرب في درس اللغة يخلو من الحديث عن المصادر التي صدر عنها هذا المنهج، والأغلب ألا يخلو ذلك من البحث عن مصادر يونانية أو هندية أو سريانية. والبحث عن المصادر فى حد ذاته مسلك علمي قويم، غير أن السعي الى إرجاع كل نشاط علمي إلى مصادر خارجية قد لا يبرأ من ادعاء « الموضوعية » حين يخشى المتحدثوِن عن « الأصالة » شبهة السقوط فى شرك التعصب والهوى. «وادعاء الموضوعية» «وعدم الموضوعية» فى معيار البحث سيان، كلاهما ليس من العلم بسبب.
ولا أحسب الحديث عن السيوطي اللغوي إلا حديثا عن المنهج العربي رغم الحقيقة العلمية المهمة التي تؤكد أن الفترات الباكرة من درس اللغة عند العرب هي الصالحة لدراسة هذا المنهج. غير أن السيوطي -رغم تأخيره الزمني عن فترات النشأة والازدهار فى القرون الأربعة الأولى- يصور بأعماله اللغوية خصائص المنهج العربى فى مراحله الأولى، ثم يضيف إليها ما أضافته المراحل المتأخرة مما اتخذه بعض الباحثين أساسا للحكم على المنهج على العموم.
ولسنا هنا ندعي «الأصالة» للمنهج العربي؛ لأن «الأصالة» تعبير غير واضح وغير علمي فيما نظن، وهي على الأغلب مسألة «نسبية» وبخاصة فيما يتصل بالنشاط العلمي. ونقول هذا بمناسبة ما يلفت إليه بعض أساتذتنا وباحثينا من أن الدرس العربي للغة يستند إلى أصول يونانية أو هندية. ونحن - فى الأغلب- لا نملك ما نرفض به هذا الرأي كما لا يملك أصحابه ما يدعمونه به. ومن ثم ندعو إلى التوقف حيال القضية كما يتوقف أصحاب الحديث حيال « مجهول الحال» أو كما يتوقفون انتظارا «للمتابعة» أو«للاعتبار».
غير أن الذي نكاد نطمئن إليه أن نشأة الدرس اللغوي عند العرب تختلف عنها عند أبناء اللغات الهندية الأوروبية، لاختلاف المصادر والوسائل والغايات، وأن النهج العربي تطور تطورا «داخليا» واستوى هذا الاستواء المعروف فى القرون الأولى من «داخل» البيئة الإسلامية لا من «خارجها»،
أو هذا ما تؤدي إليه المادة المعروفة لدينا حتى الآن، وهي فى الحق مادة قليلة جدًا إلى ما تؤكده كتب التاريخ والتراجم من نشاط لغوي واسع يحتاج إلى جهد أجيال وأجيال.
والذي نراه أن خصائص المنهج العربي لا ينبغي أن نفتش عنها عند أرسطو أو عند الهنود وإنما نتحراها فى البيئة الإسلامية وبخاصة عند الفقهاء والمتكلمين.
والذي لا شك فيه أن علوم اللغة عند العرب نشأت فى ظلال القرآن، وأنها وغيرها من العلوم كانت تهدف إلى خدمة النص الكريم، فعلوم القرآن والحديث والأصول والكلام واللغة كانت متداخلة ذلك التداخل الذي تقتضيه الغية التي كانت جميعها تنتهى إليها، ومن ثم كان هذا التبادل في التأثير بين هذه العلوم ، في المنهج إحيانا، وفي المصطلح أحيانا أخرى، وفي غير ذلك من فنون البحث، وأنت لا تستطيع أن تفهم منهج العرب فى درس اللغة إلا في ضوء هذا الواقع.
والسيوطي -كما قلنا- يمثل هذه الحقيقة أصدق تمثيل، فقد توفر الرجل على معارف كثيرة، يدرسها ويؤلف فيها، وقد توافرت لديه جهود قرون طويلة من العمل العلمي المتواصل. والحق أننا لا نستغرب هذه الكثرة الواضحة فيما قدم الرجل من علوم إلا استغراب تقدير الجهد الإنسانى، لأن هذه العلوم التى تبدو مختلفة كانت تصدر عن مصدر واحد وكانت تشترك فى طرائف التناول وظواهر التأثير.
ولقد أخذ السيوطي يضرب فى كل ميدان يصل اللغة بهذه العلوم، بل إنه لا يكاد يكتب شيئا فى اللغة إلا فى ضوء هذا التأثير العام الذي ذكرناه ، ومن اليسير أن تضع يديك على ذلك فى كل ما كتب على وجه التقريب، فهو يصل اللغة بالقرآن، وبالحديث وبالأصول، وبكل ما يتصل بالدين على العموم.
1- ونبدأ بأبحاثه اللغوية عن ألفاظ القرآن التي تكاد تركز على ناحيتين، أولاهما مافي القرآن من لهجات القبائل العربية، على مايظهر فيما قدمه في «الإتقان» عن «غريب القرآن، وما وقع فيه بغير لغة أهل الحجاز»[الإتقان 1/115 - 136] وهو موضوع لغوي مهم أخذ يلفت أنظار الباحثين المحدثين لما يفيده فى معرفة العربية التي كانت سائدة قبيل نزول القرآن، وفي «وزن» هذه «اللهجات» بميزانها اللغوي الصحيح[انظر كتابنا: اللهجات العربية في القراءات القرآنية – دار المعارف بمصر 1968].
أما الناحية الثانية فتتصل بموضوع غير بعيد عن هذا الموضوع، وهو دراسة ما ورد فى القرآن بغير لغة العرب، وقد ظهر ذلك عنده فى كتابين: المتوكلي فيما ورد فى القرآن باللغة الحبشية والفارسية والهندية، والتركية، والزنجية، والنبطية، والقبطية، والسريانية، والعبرانية، والرومية، والبربرية، وهو كتيب [مطبعة الترقي في دمشق 1348 هـ] ألفه للخليفة العباسي المتوكل على الله، ورتب ألفاظه حسب اللغات؛ فبدأ بالحبشية ثم الفارسية وهكذا... والكتاب الثاني هو(المهذب فيما ورد فى القرآن من المعرب) [مخطوط بدار الكتب المصرية (85) لغة، (286 لغة)]. وهو كتيب يعرض لموضوع الكتاب السابق غير أن ترتيبه حسب الألف باء. وهذا موضوع مهم أيضا سوف يظل له مكانه في الدرس اللغوي بما يقدم للبحث من مادة تفيد فى معرفة حياة اللغة، وتطورها، «وقوانين» اتصالها بغيرها من اللغات. وإذا كان العرب لم يعرفوا «المنهج المقارن» كما هو فى البحث الحديث، فإن المادة التى قدموها - على ما بينه السيوطي- كافية في الإشارة إلى اهتمامهم العملي حينذاك، وهو اهتمام لا يزال يحظى بنصيبه فى العصر الحديث، ونعني به قضية «التعريب».
2- أما وصله اللغة «بالحديث» فهو طابع يغلب عليه، ويكاد يظهر فى كل ما كتب، وذلك أمر منطقى من رجل استغرقته دراسة «الحديث» حتى صار صاحب عقلية «حديثية» واضحة، وذلك أيضا أمر غير مبتون الصلة باللغة إن لم يكن منها بسبب وثيق، «فالرواية» و«النقل» من أسس العمل اللغوي لا جدال.
ولعل كتابات السيوطي تعد أشمل ما قدم من درس لغوي متأثر بعلوم الحديث، بل إن أبواب «المزهر» جاءت على نسق أبواب الحديث [انظر في المزهر: معرفة الصحيح الثابت، معرفة ما ورد من اللغة ولم يصح ولم يثبت، معرفة المتواتر والآحاد، معرفة المرسل والمنقطع، معرفة الأفراد... إلخ] وقد عرض الرجل فيها لما يمكن أن يكون منهجا كاملا لرواية اللغة. وعلى ذلك يفهم تأليفه فى الطبقات دليلا على تأثره «بعلم الرجال»، وهو لم يكتف بما قدم في «البغية» وإنما عرض لذلك أيضا حين تحدث عن «الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء»، وعن «الأسماء والكنى والألقاب» وعن «المؤتلف والمختلف» ، وعن « المتفق والمفترق » وعن «المواليد والوفيات» [انظر المزهر: 2/395- 458] .
ولقديكون صحيحا أن نقرر أن أعمال السيوطي جميعا متأثرة بدرسه لعلوم الحديث، يظهر ذلك فى اتجاهه إلى «الجمع» وإلى «النقل» و«والإسناد»، واستعمال «المصطلح» فى أغلب الأحيان.
3- ثم يأتي وصله اللغة «بالأصول» وهو منهج سبقه إليه عدد من علماء العربية الكبار، أشهرهم ابن جني وابن الأنباري، والحق أن هذا الاتجاه كان جديرا -لو قدر له- أن يطور الدرس اللغوي تطويرا أساسيا، ذلك أنه لم يكن يدرس بابا من أبواب اللغة أو ظاهرة من ظواهرها، وإنما كان يستهدف علم «الأصول» فى محاولة الوصول إلى منهج لاستنباط الأحكام، أي إنه كان يبحث عن «الخصائص» العامة التى تميز اللغة مما يهدي إلى وضع قوانينها وضعا «علميا» يطمئن إليه روح البحث، ولم يكن أمامهم إلا «علم الأصول» الذى سيظل -دون ريب- سمة بارزة من سمات الفكر الإسلامي.
وقد كتب السيوطي كتابه «الأشباه والنظائر» [طبعة حيدر آباد 1318 هـ] متأثراً بما قدمه تاج الدين السبكي في «الأشباه والنظائر» في الفقه، وجاءت «فنونه السبعة» على نحو ما كتب الأصوليون، فنجد المصادر العلمية في القواعد النحوية، والتدريب، وهو فن القواعد الخاصة والاستثناءات، وسلسلة الذهب فى كلام العرب، والسمع والبرق في الجمع والبرق، والطراز فى الألغاز، والتبر الذائب فى الأفراد والغرائب، والمناظرات والمجالسات.
على أن «الاقتراح في علم أصول النحو» [طبعة حيدر آباد 1359 هـ] يعد أقرب أعماله وأشهرها إلى علم «الأصول» وقد قرر ذلك هو فى صدر كتابه حين قال: «ورتبته على أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم» [ص 2]، وقد حد أصول النحو على طريقة الأصوليين بأنه: (علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث أدلته، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل) [ص 4] ولعله كان يستهدف الإمام الشافعي [حين قرر الأصول الأربعة في (الرسالة)] حين جعل هو أدلة النحو أربعة، وقد كانت عند ابن جني وابن الانباري ثلاثة، إذ رأى ابن جني أنها السماع والإجماع والقياس، ورآها ابن الأنباري السماع والقياس واستصحاب الحال ، لكن السيوطي جعلها السماع والإجماع والقياس والاستصحاب.
على أن الذي يهمنا هنا أن الشعور بالحاجة إلى علم يحدد أصول الاستنباط، أي يضع القوانين العامة للبحث اللغوي هو الذى دفع القدماء إلى الكتابة في «أصول النحو»، وكما قلنا إنهم لم يبحثوا عنه في مصادر «خارجية» وإنما أخذوه مما هو واقع بينهم كل يوم وهو أصول الفقه، غير أن هذا الشعور هو نفسه الذي يجعل اللغويين المتحدثين يبحثون عن علم يحدد أصول البحث وطرائقه ويضع القوانين العامة التي ينبغى أن يسير عليها الباحث، وهم لا يزالون يتطورون حتى الآن من «الوصفية» [Descriptive] المطلقة التي سادت حتى أواخر العقد السادس من هذا القرن، إلى «التحويلية» [Transformational] التفسيرية التي بدأت تزدهر فى السنوات الأخيرة، وهي كلها -على أية حال- تمثل السعي نحو الوصول إلى قوانين البحث في لغة الإنسان.
4- وبعد القرآن، والحديث، والأصول يتحرك الجهد اللغوي في خدمة كل ما يتصل بالدين، فيقدم في الوقت نفسه ملاحظات لغوية تنضاف إلى خصائص المنهج، من ذلك ما كتبه السيوطي في التطور اللغوي حين عرض للألفاظ الإسلامية في رسالة من رسائله عن «أصول الكلمات» [رسالة صغيرة طبعت ضمن كتابه: «المتوكلي»] حاول فيها أن يبحث عن المعاني اللغوية التي كانت عليها هذه الألفاظ قبل الإسلام:«أصل العبادة الخضوع والتذلل، أصل الطغيان الانقباض، أصل الفسق الخروج عن الشيء، أصل التلاوة الاتباع...إلخ»[ص 14] ومن هذا الوادي ما قدمه في «الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليفة» [مخطوطة دار الكتب 23316 ب] بجمعه أسماء الرسول مبيّنا اشتقاقها وضبطها وتصريفها. وهذا كله غير بعيد عن البحث اللغوي، فمعرفة (الأصل) كانت تسود منهج الفيلولوجيا إبان القرن الماضي، ثم عادت تظهر عند «التحويليين» في السنوات الأخيرة. ولقد ظلت هذه المسألة موضعا يوجه إليه النقد في الدرس الغربى حتى تأكدت أهميتها الآن. والمشكلة أن القدماء توقفوا عند هذا الذى قدموه، وتوقف السيوطي عند «جمع» ما قدمه السابقون، ولم يحدث تطوير لهذا الاتجاه بما كان حقيقيا أن يؤدي إلى نفع كبير.
5- ويكتب السيوطي في التاريخ فلا ينس لغويته وإنما يعرض حيث تدعو الحاجة إلى ما ينبغي لمثله أن يعرض له، وإذا هو أيضا لا يبتعد عن الدين، ترى ذلك فيما كتبه في «الشماريخ في علم التاريخ» [ليدن 1894] عن أسماء الأيام واشتقاقها ومعناها، وهو موضع من البحث له مكانه في الحياة الدينية لأهميته في معرفة «المواقيت» [انظر في هذا كتاب الأزمنة والأمكنة للمزروق- وكتاب تثقيف الألسنة بتعريف الأزمنة لمحمد بن عبد الله الشبلي] ثم يتناول الاستعمال اللغوي في التعبير عن التقويم: «يقال أول ليلة في الشهر كتب لأول ليلة منه أو لغرته، أو لمهله، أو لمستهله، وأول يوم لليلة خلت ثم لليلتين خلتا لثلاث خلون إلى العشر، فخلت إلى النصف، فللنصف من كذا وهو أجود من خمس عشرة خلت أو بقيت...».
هذا إذن هو المنهج العام الذي صدر عنه السيوطي في كل ما قدم من درس لغوي، وهو منهج وصل اللغة بالعلوم التي نشأت فى ظلال القرآن، وأخذت تستهم في ظواهر التأثير والتطور.
على أن ذلك كله ليس الوجه الوحيد لهذا المنهج، وإنما وجهه الثاني هو ما قدمه علماء العربية من درس للظواهر اللغوية في أشكالها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. ويحتل السيوطي فى ذلك مكان الجامع الذي اطلع على جهود السلف واستوعبها- وأدرك حينذاك ضرورة الإحاطه بهذه الجهود وتقديمها للناس.
وملاحظاته الصوتية تسير في هذا الاتجاه، غير أنه لم يخصص عملا مستقلا لهذه الدراسة شأن ابن جني في «سر صناعة الإعراب» مثلا، وإنما في ملاحظات كما قلنا تأتي هنا أو هناك، وتدور حول الأصوات وأوصفها، وحول القلب والإبدال، أو حول «الإتباع»[المزهر 1/ 460 ، 1/ 410] وغير ذلك مما كان يتحدث عنه القدماء.
على أن أكثر ما كان يتهم به هو الصلة بين «اللفظ والمدلول»، فنقل هذا الاتجاه عمن كان يذهب إليه من القدماء، وركز عليه، ولعله كان متأثر بابن جني الذي فصل هذا الاتجاه في كثير مما كتب، وإذ كان السيوطى في الأغلب يرجعه إلى أهل الأصول وأصحاب الكلام، ومن ثم يسبغ عليه تجديدا عقليا بحيث يكون نتيجة «النظر» وليس نتيجة «الواقع» اللغوي كما يقولون، فيقول :«نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصميري من المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، قال: وإلا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا من غير مرجح. وكان بعض من يرى رأيه يقول: إنه يعرف مناسبة الأفاظ لمعانيها، فسئل ما مسمى «أذغاغ» وهو بالفارسية الحجر، قال: أجد فيه يبسا شديدا، وأراه الحجر»[المزهر 1/ 47 - 49].
ومهما يكن من رأي فقد كان ذلك اتجاها متسقا مع سير الحياة العقلية عند العرب، ومع أنه واجه رفضا لدى الدارسين المحدثين، فإن عددا منهم قد ذهب إليه، ولا تزال هناك أبحاث فى بعض الجامعات العالمية تقوم على أساسه»[انظر ما كتبناه في (فقه اللغة في الكتب العربية) عن المستوى الصوتي].
أما النحو والصرف فقد كانا علما واحدا عند العرب منذ قدم سيبويه «الكتاب» ولا نحسب التآليف الصرفية المفردة كانت فصلا للصرف عن النحو، لأن الاتجاه الغالب ظل على الجمع بينهما كما كان، وهو ما انتهى إليه الدرس الحديث من جعل «النحو» جامعا «للصرف» و«للنظم» على السواء.
ولقد تعددت أعمال السيوطي وتنوعت في هذا المجال، فيكتب في أصول النحو على ما بيناه في «الاقتراح»، وكتب مؤرخا لنشأة النحو والصرف في رسالته «الأخبار المروية فى سبب وضع العربية»[طبعت مع مجموعة التحفة البهية والطرفة الشهية] ثم توفر على عدد من مصنفات النحو بالشرح والتعليق، فشرح ألفية ابن مالك في «البهجة المرضية في شرح الألفية»[1272 هـ]، وقدم «النكت على ألفية ابن مالك، والكافية والشافية لابن الحاجب، وشذور الذهب ونزهة الطرف لابن هشام»[مخطوطة دار الكتب 5815 هـ]، و«شرح شواهد المغني»[البهية 1322 هـ]، وغير ذلك من الشروح، ومن الواضح أن الرجل قد ركز على هذه المصنفات التي كانت منشرة فى عصره وبخاصة في دور العلم المصرية، وقد يفسر ذلك استمرار الاهتمام بها حتى الآن.
وهذا الاطلاع جعله يستقيل بعد ذلك بتآليف نحوية، كانت إحداها ألفية سماها «الفريدة»[القاهرة 1322 هـ]، ولا بأس من «شرح» لها سماه «المطالع السعيدة في شرح الفريدة» [مخطوطة دار الكتب 581 نحو]، غير أن أهم أعماله -لاشك- هو كتابه «جمع الجوامع» وشرحه «همع الهوامع» الذي يعد مصدرا من مصادر النحو العربي لما فيه من مادة تكاد تستوعب جهود القدماء.
وأما ما كتبه في «الدلالة» فإن أهم ما فيه أنه قد يكون أول من قدم دراسة لنشأة المعجم العربي وتطوره [المزهر 1/ 76- 103]، وأنه حين تناول مداد «الدلالة» تناولها في الأغلب الأعم متأثرا بما قرره الأصوليون في هذا المجال، ومن ثم نفهم عرضه للحقيقة والمجاز، والخاص والعام، والمطلق والمقيد. ثم إنه فضلا عن ذلك تطرق إلى كل ما تطرق إليه القدماء كحديثه عن «الأشتقاق» و«المولد» و«المشترك» و«الأضداد» و«الترادف» و«المشجر». ومن بينها موضوعات لا تزال في حاجة إلى تتبع علمي يكشف عن دورانها في الاستعمال اللغوي. وقد يكون السيوطي أحد المصادر المرشدة في هذا الميدان.
وبعد، فلا شك أن قيمة الدرس اللغوي عند السيوطي لا ترجع إلى «جديد» قدمه الرجل، وإنما تكمن في هذا «الجمع» الطيب لجهود القدماء، وفي تمثيله لهذا الجو العام الذي نشأ فيه هذا الدرس وتطور، وليس هذا قليلا لعصر الرجل، بل ليس أمرا هينا أن تعد أعماله من نوع «دوائر المعارف» التي ترشد الباحث ابتداء إلى المواطن التي ينبغى أن يتلمسها، وإلى المصادر الضرورية التي ينبغى أن يعتمد عليها في عمله العلمي. وهذا وحده كاف في تقدير قيمة الرجل، فضلا عن أنه لا يحجب إسهامه في تطور الدرس اللغوي، وفي خدمة لغة القرآن.

والحمد لله رب العالمين










العرب.. لم يدخلوا عصر العلم!
[لقاء أجراه الأستاذ عبد الرحمن عبد العزيز المجماع، بمجلة «الشرق» السعودية، العدد 565، السبت: 7 جمادى الأولى 1411 هـ - 24 نوفمبر 1990 م، صفحة: 24 - 25]
يسعد الملف الثقافي أن يقدم للقراء د.عبده الراجحي، أستاذ العلوم اللغوية بجامعتي الإسكندرية وبيروت العربية وأخيرا جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والرجل صاحب رؤى واضحة لايكتنفها الغموض والإبهام وهو من القلائل الذين أثبتوا أن علم اللغة التطبيقي على الرغم من حداثته ونشأته في أحضان الغرب إلا أنه من الممكن جدا أن يقدم خدمة جليلة للغة الضاد الخالدة، كما أن الرجل لايحب الأضواء ولاتراه كثيرا على صفحات الجرائد والمجلات.
وقد التقته«الشرق» مؤخرا بعد عودته أستاذا زائرا للفصل الدراسي الحالي، معهد تعليم اللغة العربية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية..
الشرق: هل كَوْن د. عبده الراجحي [منهجيا] يبحث في حدود المنهج ويطبقه فى دراساته ومحاضراته الأكاديمية أبعده ذلك عن الصحافة السيارة بحكم بعدها عن المنهج؟
-د. الراجحي: يعيش العالم الآن عصر «العلم» ولكن العرب لم يدخلوا هذا العصر إلى الآن والتخلف الذي نعيشه يرجع في أساسه إلى «غياب المنهج» وأود أن أؤكد أنه لا يقتصر على موضوعات «العلم» وإنما هو «أداة» تعالج بها كل جوانب الحياة في«السياسة» و«الاقتصاد» و«الأدب» و«الطب» و«اللغة» و«الكرة» و«السباحة» و«الطهو» و«طريقة تناول الطعام» و«تنظيم الوقت» و«توزيع العمل»...إلخ. بدون منهج لا يوجد تقدم وفي الأمة علماء كثيرون يبحثون عن «المنهج» ولعلي من أقلهم جهدا وشأنا، أما أن الانغماس في العمل المنهجي قد أبعدني عن الصحف السيارة فلا أظن ذلك، وإنما اللوم كله يقع على كاهلي.. ولعلي أستدرك ذلك إذا رأيت في يدي شيئا نافعا.
الشرق: ذكرت في أحد كتبك «النحو العربي» كما أعتقد أنك تقدم النص الأجنبي دون ترجمة -حيث أن الترجمة العربية تصبح حالة ثالثة- ألا تظن أن القارئ العربي ينتظر منك مثل هذه الترجمة؟
-د.الراجحي: صدر كتاب «النحو العربى والدرس الحديث» منذ أربعة عشر عاما، وكان محاولة لقراءة التراث اللغوي العربي في ضوء علوم اللغة الحديثة، كما كان محاولة للرد على« النقد» الذي وجهه «البنيويون» اللغويون إلى النحو العربي.. طبيعة الكتاب إذن كانت متخصصة إلى حد كبير وكنت أظن أني أتوجه به إلى أهل التخصص من أجل ذلك وضعت النصوص المهمة كما هي في لغتها حتى لا تنحرف بها ترجمتي عن مقاصدها، ومهما يكن من أمر فقد تلقيت نقدا موضوعيا عن هذه المسألة كهذا الذي تعرضه «الشرق» الآن.. وسوف أصحح هذه الطريقة وأقدم النصوص بالعربية، الطبعة المقبلة إن شاء الله تعالى.. وشكرا لكم على هذا التوجيه.
الشرق: يقول الأصوليون إن الحكم على الشئ فرع من تصوره وفي المقابل يقول رموز الحداثيين أمثال نزار قباني وعلي أحمد سعيد «أدونيس» إنهم فجروا اللغة بإيجاد لغة ثالثة بين الفصحى والعامية فضلا عن أنهم لم يتقنوا قديم النحو ولم يفهموا حديثه!
فهل يمكن أن تقبل منهم هذا الاجتهاد؟!
-د. الراجحي: موضوع «تفجير اللغة» الذي يتصايح به «أهل البنيوية» ليس مجرد إيجاد «لغة ثالثة» بين الفصحى والعامية، فتلك مسألة أخرى نادى بها غير واحد من سواهم، لعل أشهرهم توفيق الحكيم، لكن «البنيويون» يرون أن اللغة يجب أن تتخلص من « أعرافها» التي استقرت عليها، وما ينبغي أن تكون لها«جذور» تضرب في تاريخ الفكر أوالاعتقاد أوالاجتماع.. ويتخلص النص من «صاحبه» ويستقل عنه وكل هذا قد ثبت تفاهته في بلاده.. لكنهم لا يزالون يصرون عليه لأن القضية كلها قضية «تراث» عربي إسلامي، وهذا يمثل عند كاهنهم الأكبر « أدونيس» جانب «الثابت المتجمد» وأن «الثورة» وحدها عليه هي سبيل «المتغير» الذي يحمل عناصر الحياة.
لاينكر أحد «الإبداع» في اللغة ولكن «التفجير» الذي يراد به «التدمير» مرفوض في ذاته.. فضلا عن أنه يناقض«الفطرة» الإنسانية.
الشرق: من المعلوم أن القرآن الكريم قدم الحياة للغة العربية على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان، ومع ذلك نجد أن المهتمين بالدراسات القرآنية في العالم العربي؛ مثل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ود.عائشة عبد الرحمن، وسيد قطب -ي-، وغيرهم، يهتمون بالمعنى وهو أضعف جوانب اللغة كما يقول البعض، دون الاهتمام بالنحو القرآني.
- د. الراجحي: لن نمل من التأكيد أن العربية وجدت حياتها الحقيقية في ظل «القرآن الكريم» وأن التراث اللغوي نشأمن أجل فهم «النص» الكريم لا من أجل محاربة اللحن -كما يقال- واستمرار هذا التراث في أن يحمل العربية كل هذه القرون دليل على «صلاحيته»، وأما جهود شيوخنا قطب والشعراوى وأستاذتنا عائشة عبد الرحمن، فجهود خدمت النص الكريم خدمة عظيمة لا يشك في ذلك أحد.
ولا تخلو هذه الجهود من التناول اللغوي خاصة في ما قدمته الدكتورة عائشة، وعلى ذلك فإن القرآن الكريم لايزال ينتظر «المعالجة» اللغوية المنهجية الحقيقية.. والفقير إلى الله لا يشغله الآن إلا بعض هذه الجوانب.. وأرجو أن يظهر منه شيء فى القريب إن شاء الله.
الشرق:« البنية» ) نجد لها الكثير من التعريفات والتوظيف العشوائي فماذا تعني عند الألسنيين بالضبط؟
- د. الراجحي: كما تعلم أن البنية عند اللغويين «نظام» «داخلي» «مغلق» على الباحث أن يبحث عن قوانينه وعن «العلاقات» التي تحكمه حين يتدخل مع «بنى» أخرى، ومثل هذا التعريف يصعب تحميله وتبسيطه للقارئ العام أكثر من ذلك.
الشرق: ذكرتم في كتابكم «فقه اللغة في الكتب العربية» أن هناك خلطا كبيرا بين الأساتذة المتخصصين أنفسهم مثل د. علي عبد الواحد وافي، ود. صبحى الصالح، في طريقة التفريق بين علم اللغة نفسه وفقه اللغة، بل إن بعضهم قد [عدهما] شيئا واحدا!
ولم نقرأ لكم تفصيلا دقيقا لذلك يحدد نوع ذلك الخلط وطبيعته خصوصا وأن طبعة الكتاب قد صدرت منذ ما يزيد على تسعة عشر عاما.
- د. الراجحي: نعم لا يزال هناك خلط في استخدام مصطلح «فقه اللغة» و«علم اللغة» وأظنني أوضحت الفرق بين«فقه اللغة وعلم اللغة» في الكتاب الذي أشرت إليه.
الشرق : ما[...] دور علم اللغة التطبيقي فى اكتشاف وتفسير بعض الظواهر اللغوية العربية؟
- د. الراجحي: هذا الموضوع الذي يجب أن نلفت إليه الناس «علم اللغة التطبيقي» الذي يعني في معظمه الآن المنهج العلمي في «تعليم اللغات» لأبنائها ولغير الناطقين بها، ونظرا إلى حال العربية الآن.. لسنا في حاجة إلى دليل، وما ينبغي لنا أن نستحي من الجهر بأن تعليم العربية يمثل الآن مصنع «الكارثة» في التعليم العام وفي التعليم الجامعي على مستوى العالم العربي كله، وليست العربية هي السبب في ذلك على وجه اليقين؛ وإنما السبب هو«غياب» المنهج العلمي في «تعليمها» وتلك قضية كبيرة جدا لا تكفي فيها أسطر مبسترة ولعلنا نعود إلى هذه القضية الكبرى في عرض مفصل قريبا إن شاء الله تعالى.



علم اللغة والنقد الأدبي
«علم الأسلوب»
[نشر هذا البحث في مجلة «فصول»، المجلد الأول، الجزء الثاني].
منذ القديم والدرس اللغوي متصل بالنص الأدبي، كان كذلك في الشرق، وكان كذلك في الغرب. واللغويون المحدثون يأخذون على الدرس القديم، أومايسمونه «النحو التقليدي»، أنه يصدر أولا عن «المعنى»، وأنه ينبني على نصوص مختارا اختيارا دقيقا بحيث تمثل «المستوى العالي» من الأداء اللغوي.
والذى لا شك فيه عندنا أن الدرس اللغوي عند العرب صدر -في نشأته- عن اتصال بالنصوص الفنية، وبخاصة في صورتها القرآنية، وفي صورتها الشعرية، ومن هنا كان الانتقاد الحديث الذي يوجه إليه من أنه لا يمثل العربية، وإنما يمثل جانبا معينا منها؛ في المستوى، وفي الزمان، وفي المكان.
على أننا نشير إلى أن العرب القدماء أفردوا درسا لغويا خاصا للتعليق على النصوص الأدبية كالذي قدمه «القراء» في«معاني القرآن»، أو ما قدمه أصحاب الاحتجاج للقراءات «كحجة» أبي علي الفارسي، و«محتسب» ابن جني، أو ما قدموه من شرح لغوي للشعر كشرح «بانت سعاد» أو شرح ابن جني لديوان المتنبي. ولكن هذه الأعمال كلها لم تكن تصدر عن نظرية واضحة أو منهج محدد، وإنما هي ملاحظات لغوية جزئية يسوق إليها النص حسبما كان وينقلها الخالف عن السالف دون أن تقدم شيئا جديدا إلا أن يكون تطبيقا حيا لما تحتويه كتب النحو والصرف والبلاغة.
وحين بدأت النهضة اللغوية الحديثة في الغرب في القرن الماضي فيما يعرف بالفيلولوجيا philology ظلت الآصرة قوية بين البحث اللغوي والأدب، لأن الفيلولوجيا لم تكن تنظر إلى اللغة على أنها غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لفهم «الثقافة»، ومن ثم كان تركيزهم على النصوص الأدبية القديمة تحقيقا وتفسيرا، مما دعا واحدا من كبارهم هو جريم jacob Grimm أن يلفتهم إلى أن النصوص الأدبية المكتوبة لا تمثل إلا جزاء يسيرا من اللغة، وأن عليهم أن يهتموا بدراسة اللهجات والآداب الشعبية.
وظل الأمر كذلك إلى أن ظهر علم اللغة الحديث Linguistics أوائل هذا القرن، وحين نادى دي سوسير بأن «موضوع علم اللغة الصحيح والوحيد هو اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها»[De Saussure: Course in General Linguistics, Translated by Wade Biskin, London 1964, p. 232.]
وعلم اللغة ينهض في جوهره على أساسين؛ أولهما أنه علم Science ، وثانيهما أنه مستقل Autonomous ولعل السبب الأول فى هذين الأساسين أن أصحابه أرادوا أن يبعدوه عن كثير من العلوم، وأولها النقد الأدبي الذي يرونه «إنسانيا» «تقييميا»، وكان دي سوسير قد دعا إلى التفريق بين La langue «اللغة المعينة» و La Parole «لغة الفرد»، منتهيا إلى أن علم اللغة يدرس اللغة المعينة التي تمثل الخصائص «الجمعية» للمجتمع، ولا ينبغي أن يلتفت إلى «لغة الفرد» لأنها تصدر عن «وعي» ولأنها لذلك تتصف «بالاختيار» الحر. وقد أكد بلو مفيلد بعد ذلك أن دراسة «المعنى» هي «أضعف» نقطة في علم اللغة، وكل أولئك كان جديرا أن يؤدي إلى قطيعة بين الدرس اللغوي والدرس اللغوي النقدي، ولئن كان علم اللغة يتميز بالدقة، و«الموضوعية» فإنه فقد «إنسانيته» واستحال إلى «وصف» محض، غارق في المصطلحات والرموز الفنية التي تبدو غريبة على غير المتخصص، وقد تبدو غير ذات نفع محقق في التطبيق الواقعي، على أن علم اللغة قد عاد إلى شيء من هذه «الإنسانية» في السنوات الأخيرة حين دعا تشومسكي Chomsky وأتباعه من التحويليين إلى نبذ الوصف «السطحي» والعودة إلى التفسير «العقلي» للغة باعتبارها أهم ما يميز الإنسان، وباعتبارها خلاقة creative تتكون من عناصر محدودة ولكنها تنتج تركيبات وجملا لا نهاية لها، ومن ثم فهي لا تخضع للتفسير الآليMechanical explanation اقتداء برأي ديكارت.
وإذا كان الأمر كذلك فإن علم اللغة ينبغي أن يدرس في ضوء «الطبيعة البشرية» التي تؤكد أن «قدرة» الإنسان على اللغة برهان على أن هناك جانبين مهمين هما «الكفاءةCompetence » و«الأداءPerformance »، وهذان الجانبان كانا سببا في نشأة مصطلحي «البنية العميقةDeep Structure » و«بنية السطح Surface Structure » وهما مصطلحان يمثلان ركيزة البحث اللغوي الآن عند التحويليين، وقد كانا دافعا إلى الاستعانة بمباحث «العقل» ومباحث «علم النفس» مما له أثر فيما نحن بصدده الآن.
ولكن إذا كان اللغويون قد سعوا جاهدين في أن يبتعدوا بعملهم عن ميدان النقد الأدبي فإنهم عادوا بهذا العلم إليه من باب آخر، عادوا ليستخدموا «أدواتهم» اللغوية في تناول النص الأدبي، وهو ما يعرف الآن بعلم الأسلوب؟
فما هذا العلم؟ وما المنهج الذي ينهجه في معالجة الأدب؟
ولعلي أشير -بدءا- إلى أننا من الأسف- مضطرون دائما أن نقدم الخطوط العامة للمنهج على هيئة دراسة أولية، لأننا لا نزال متخلفين -في الدرس العربي- تخلفا شديدا عن مسايرة التطور المتلاحق في البحث اللغوي الحديث بحيث تكاد تغيب الأسس الضرورية عن عامة الباحثين الناشئين.
وعلم الأسلوب هو الذي يطلق عيه في الإنجليزيةStylistics وفي الفرنسيةLa Stylistique وفي الألمانيةDie Stylitik ، والباحث في الأسلوبStylistician هو الذي يطبق منهجه على النصوص الأدبية.
يرى اللغويون أن النقد الأدبي درس «تقييمي» يقوم على «الانطباعات الذاتية»، وعلى «الحدس»، ومن ثم فهو يقدم -في رأيهم- مقاييس موضوعية، للعمل الأدبي، من أجل ذلك يقدمون «علم الأسلوب» كي يكون الخطوة الأولى أمام الناقد، تضع بين يديه المادة اللغوية في العمل الأدبي مصنفه تصنيفا علميا لعلها تساعده على فهم العمل فهما أقرب إلى الموضوعية. ومعنى ذلك أن علم اللغة يطبق «فنون» البحث اللغوي على النص الأدبي وبخاصة فيما يعرف «بمستويات التحليل» على ما يظهر في العرض التالي.
علم الأسلوب إذن فرع من علم اللغة، لكنه يفترق عنه افتراقا جوهريا لأن مادة الدرس فيهما مختلفة، ولأن هدف الدرس مختلف فيهما أيضا. علم اللغة يقصد اللغة العامة التي لا تميزها خصائص فردية، أي إنه يقصد اللغة ذات الشكل «العادي» وذات الأنماط العادية مما يستخدمه المجتمع منطوقا في التوصيل في حياته اليومية. ونظرية تشومسكي الجديدة لا تختلف عن النظريات الوصفية السابقة في تحديد المستوى اللغوي لأنها تتوجه عنده إلى الإنسان صاحب اللغة Native Speaker أو ما يسميه بالمتكلم السامع المثالي Jdeal Speaker Hearer في مجتمع لغوي متجانس يعرف لغته معرفة كاملة. وهدف علم اللغة هو أن «يصف» اللغة ويبين «كيف» تعمل، وهو لذلك يتحرك من «الخاص» إلى«العام»، ومن «الجزئي» إلى«الكلي»، دون أن يلقي بالا إلى الاختلافات النوعية بين الأفراد.
والحق أن علم اللغة -بإصراره على الطبيعة العلمية- قد أحال اللغة إلى شيء كالماء لا طعم له ولا رائحة. وهنا تبدو قيمة علم الأسلوب. وليس من همنا هنا أن نشير إلى الاختلاف الشديد على تعريف «الأسلوب» باختلاف المتناولين له، ولكن الذي يهمنا هو ما يقصده اللغويون حين يعالجونه في هذا العلم. «الأسلوب» هو شكل من أشكال «التنوع» في اللغة، فإذا كانت اللغة التي يدرسها علم اللغة هي الأنماط العامة العادية فإن ذلك ينفي أن هذه اللغة ذاتها تنتظم «تنوعات»Variations مختلفة على معايير مختلفة من المكان والاجتماع والأفراد. وعلم الأسلوب يقصد بعضا من هذه التنوعات وبخاصة على مستواها الفردي.
ولغة الأدب هي نمط من أنماط «الأسلوب» لأنها «تنوع» لغوي فردي، والبون شاسع بين الكتابة الأدبية واللغة العادية، لأن اللغة العادية «تلقائية» لا تصدر عن «وعي» ) ولا عن «اختيار»، وهي تشكل معظم النشاط اللغوي الإنساني، أما الكتابة الأدبية فهي لغة فردية خاصة، تصدر عن اختيار واع، ومن ثم كانت خروجا عن النمط العادي Deviation from the norm ومن هنا أيضا كان قول القائلين بأن الأسلوب هو الرجل، أو بأن الأسلوب كبصمات الإنسان. على أن هذا الخروج عن النمط العادى ينبغي ألا يؤخذ ضربة لازب، لأن اللغة العادية التي يدرسها علم اللغة إنما تقدم العناصر العامة في لغة الحياة، ولا تنفصل عنها لغة الأدب، لكنها تقيم معها «علاقة خاصة» باستخدام عناصرها نفسها لبناء هياكل جديدة خاصة بها، مضيفة إلى اللغة قواعد جديدة في الصوت وفي الكلمة وفي تركيب الكلام. أي إن لغة الأدب -بمعنى آخر- تكشف عن «الطاقات» التعبيرية «الكامنة» في اللغة العادية، والتي لا تظهر إلا باستخدام «الفرد» لها استخدام متميزا، وعلم الأسلوب يهدف إلى دراسة هذه «الكوامن» التعبيرية من دراسته للغة أديب معين. ولعل هذا الجانب يؤكد الصفة التي أكدها تشومسكي بأن اللغة خلاقة Creative تتكون من عناصر محدودة وتنتج أو «تولد» أنماطا لا نهاية لها.
ومعنى ذلك أن علم اللغة يدرس «ما» يقال في اللغة، أما علم الأسلوب فيدرس «كيف» يقال ما في اللغة، أو أن «الأسلوب» هو ما «يتركه» علم اللغة. وإذا كان علم اللغة «وصفيا»، وإذا كان النقد الأدبي «تقييميا» على ما يقول اللغويون.. فإن علم الأسلوب «وصفي» «تقييمي».
• اتجاهات علم الأسلوب:
ومن هذا الفهم لمعنى «الأسلوب» تتفرع اتجاهات العلم الذي يدرسه ثلاثة اتجاهات:
1- إتجاه يدرس الأسس النظرية لبحث الأسلوب، وهو ما يمكن أن يسمى «علم الأسلوب» العام General Stylistics ، يقدم فيه أصحابه القوانين العامة التي تحكم الدرس الأسلوبي دون أن يكون ذلك مرتبطا بلغة معينة وهو بذلك يضارع علم اللغة العام General Linguistics ، أي إنه علم غير تطبيقي، وقد ظهرت فيه حتى الآن بحوث غير قليلة على نحو ما قدمه هاليداي Halliday وأولمانUllmann وغيرهما.
2- إتجاه يدرس الخصائص الأسلوب في لغة معينة، يهدف إلى بحث «الطاقات التعبيرية» في هذه اللغة سواء في لغة الكتابة أم في غيرها، وهو بهذا يعد عملا تطبيقيا عاما يتناول «التنوعات» اللغوية على غير أساس فردي، كذلك البحث القيم الذي قدمه David Crystal وDerek Davy عن الأسلوب الإنجليزي، حين تناولا الخصائص الأسلوبية للغة غير الأدبية، فقدما لغة المحادثة، ولغة المعلقين الرياضيين، ولغة الدين، ولغة التقارير الصفحية، ولغة الوثائق القانونية. ومن ذلك أيضا ما قدمه Leech عن لغة الشعر الإنجليزي، وما قدمه Lodge عن لغة القصة. ومن الواضح أن الغرض من هذا الإتجاه تقديم المحيط الأسلوبي العام لتنوع لغوي محدد على أساس الموقف الكلامى أو على أساس النمط الأدبي، وأصحابه يطبقون ما يقرره علم الأسلوب العام من مستويات التحليل على أساس الصوت والكلمة والتركيب.
3- أما الاتجاه الثالث فهو الذي يدرس لغة شخص واحد كما يمثلها إنتاجه الأدبي، وهذا هو الاتجاه الغالب في علم الأسلوب، وإليه تتجه معظم الرسائل الجامعية المتخصصة. وهو يخضع لغة الأديب لأنواع من التحليل يحاول بها أن يصل إلى معايير موضوعية تعين الناقد على التفسير؛ على أن هناك ثلاثة اتجاهات أيضا فى التحليل اللغوي للنص.
(أ) اتجاه نفسي يصدر عن إيمان بأن «الأسلوب هو الرجل»، وهو يرى أن دراسة الأسلوب لا تكون صحيحة إلا في إطار دلالتها على خصائص المؤلف النفسية، ومن أشهر المحاولات في هذا الاتجاه ما قدمه العالم النمساوي Leo Spitzer الذي قدم دراسات تطبيقية على عدد من الأدباء متأثرا بآراء فرويد في التحليل النفسي، وقد توصل هو إلى طريقته الخاضرة في تحليل الأسلوب فيما أسماه «الدائرة الفيلولوجية Philological Circle » وهو يشير فيها إلى منهجه على النحو التالي:
«إن ما يجب أن نعمله هو أن نبدأ من السطح إلى مركز الحياة الداخلي للعمل الفني، وذلك بأن نلاحظ، أولا، التفصيلات الظاهرة التي تظهر على سطح عمل معين، ثم تصنف هذه التفصيلات إلى مجموعات ونبحث عن طريقة تكاملها في الصدور عن مبدإ خلاق يكون كامنا في «نفس» الفنان، وأخيرا نعود على بدء بأن نبحث هذا «الشكل الداخلي» عند الفنان وانتظامه كل الظواهر الأسلوبية التي لاحظناها أولا».[Quoted from his Linguistics and Literary History in Ullmann: Languade and style, p. 122. ]
ومعنى ذلك أننا أمام ثلاث مراحل في التحليل؛ أولها أن يظل الدارس يقرأ العمل الفني من أجل أن يتوحد مع جو هذا العمل حتى يلتقي بخاصة أسلوبية تكون غالبة عليه. وثانيها أن يبحث عن تفسير نفسي لهذه الخاصة. وثالثها أن يحاول البحث عن الشواهد الأخرى التي تفهم على ضوء هذا العامل النفسي.
واللغويون في أغلب الأمر يرفضون هذا الاتجاه، ويرونه غير بعيد مما يأخذونه على النقد الأدبي باعتباره ذاتيا وحدسيا، ولم ينكر شبتزر ذلك، بل أكد أن اتجاهه يعتمد على «الذكاء» و«الخبرة» و«الايمان».
وينكر عدد آخر من اللغويين أن تكون الخصائص الأسلوبية استجابة لملامح عميقة في عقل المؤلف أكثر من كونها «سلوكا» لغويا يكشف عن «عادات» لغوية فحسب.
(ب) اتجاه وظيفي Functional يرى أن العمل الفني لا ينبغي أن يحلل على مستويات جزئية، وإنما على أساس «السياق» وهو مصطلح أخذ طريقة إلى الاستقرار في الدرس اللغوى عند فيرث وأتباعه. ودراسة الأسلوب هنا تقرر أن كل كلمة إنما هي جزء في جملة، وأن كل جملة جزء في فقرة، وأن كل فقرة جزء في موضوع. وعلى الباحث أن يدرس وظيفة كل هذه الأجزاء في «سياق» العمل الفني، ويمكن أن تتسع دوائر البحث في السياق من البحث في قصيدة واحدة أو في قصة إلى البحث في ديوان كامل، أو في أعمال فنية في فترة زمنية محددة، وإلى البحث في أعمال المؤلف كلها، أو في فن برمته حتى إنه يمكن الوصول إلى الخصائص الأسلوبية لثقافة بذاتها. وهذا اتجاه يتبعه كثير من الباحثين في الأسلوب لكنه يكاد ينتهي إلى «إجراءات» تتكرر تكرارا مملا عند تصنيف الظواهر الأسلوبية حتى ينتظمها سياق خاص.
(جـ) اتجاه إحصائي Statistical وهذا هو الاتجاه المسيطر الآن على الدرس الأسلوبي، وهو يصدر عن اقتناع بأنه من المهم جدا أن نقف على درجة حدوث ظاهرة لغوية معينة في أسلوب شخصي معين وقوفا دقيقا، لا تكفي فيه الملاحظة السريعة، ولا يجزئ عنه الإحساس الصادر عن التقاط الظواهر. ولذلك يقتضي علم الأسلوب أن يدرس الباحثون فيه أصول علم الإحصاء دراسة كافية تمكنهم من إستخدام وسائله في رصد الظواهر. والذي يقرأ الآن بعض الدراسات الأسلوبية مما يطبق الإحصاء تطبيقا غالبا سوف يصطدم بأجزاء كبيرة منها تملؤها «الجداول» الإحصائية والأرقام، مع التقدم الآن إلى الاستعانة بالحاسبات الآلية، مما يضفي على العمل طابعا غريبا، ومما يشعر دراسي الأدب على العموم أن هذا الاتجاه يستعمل لغة غير مفهومة لأنها لغة غير التي ألفوها في تناول العمل الأدبي. وكأن اللغويين لم يكتفوا بما أدخلوه في الدرس اللغوي من مصطلحات التحليل العلمي وفنونه حتى يطبقوا ذلك على نصوص الأدب، وقديما دفع بعض الناس أبا جعفر النحاس في النيل حيث لقي حتفه وقد كان يحدث نفسه ببعض مسائل النحو لأنهم سمعوه يتحدث لغة غير مفهومة فظنوه يستخدم وسائل السحر أو لغة الشياطين. وينضاف إلى هذه الطبيعة الغربية في تناول النص الأدبي أن الإحصاء في ذاته يحمل أوجها من النقص نشير إلى بعضها فما يلي:
1- أن الإحصاء يقتضي جهدا كبيرا قد يكون غير مطلوب في أحيان كثيرة، إذ إن رصد بعض الظواهر تكفيه الملاحظة «بالعين المجردة» كما يقولون.
2- أن غلبة العمل الإحصائي تحمل في طياتها خطر سيطرة «الكم» على «الكيف» مما يفقد دراسة الأسلوب هدفها الأساسي.
3- أن الافتتان بالأرقام يوهم بدقة المنهج، ولكنها قد تكون دقة مخادعة عند تناول الأعمال الأدبية، لأن كثيرا من الظواهر يتدخل تداخلا عضويا بحيث يصعب إحصاء واحدة منها إحصاء منفردا، وقد أشار أولمان إلى الدراسة التي قدمها جراهام Graham عن الصور عندProust حيث أحصى هذه الصور في )4578( صورة ذاكرا أن الاستعارات والتشبيهات عند هذا الكاتب تتداخل وتتكامل بحيث يكون ضربا من العبث أن نبحث عن تحديد «رقمي» دقيق لها. [Language and Style, op. cit. p. 119.]
4- أن الإحصاء بهذا التفتيت الرقمي يفضي إلى خطر آخر هو فقدان السبيل إلى فهم تأثير «السياق» في العمل الأدبي، وهو مطلب مهم جدا على ما ذكرناه آنفا.
5- أن الدقة الإحصائية لا تجدي نفعا في «الإمساك» ببعض المسائل الغامضة أو النسبية أو المرنة كالنغمات العاطفية والإيقاع الرقيق أو المركب وغيرها.
ومع كل ما ذكرناه من أوجه النقص في الاتجاه الإحصائي مما يجعل عددا من الباحثين يعزف عنه فإنه لا يعدم جوانب مفيدة في دراسة النصوص الأدبية نذكرمنها ما يلي:
1- أن الإحصاء يقدم المادة الأدبية التي يدرسها الباحث تقديما دقيقا، والدقة في ذاتها مطلب علمي أصيل.
2- أن التحليل الإحصائي يساعد أحيانا على حل مشكلات أدبية خالصة، فهو قد يساعدنا، إلى جانب شواهد أخرى في «توثيق» النصوص الأدبية، حين نحاول نسبة أعمال معينة إلى مؤلف معين، وقد تساعدنا على فهم «التطور التاريخي» في كتاباته.
3- ليس من شك في أن ورود ظاهرة معينة مرة واحدة، أو خمسين مرة، أو ثلاثمائة مرة لابد أن يكون ذا دلالات مختلفة، ومن ثم فإن الإحصاء يفضي بنا إلى البحث عن هذه الدلالات.
4- أن التحليل الإحصائي يكشف في كثير من الأحيان عن «مقاييس» محددة في توزيع العناصر الأسلوبية عند مؤلف معين بحيث يمكن أن تؤدي إلى أسئلة تفيد في التفسير الجمالي.
ومهما يكن من أمر فلا يجد الباحثون بأسا من الاستعانة بالاتجاهات الثلاثة: النفسية، والوظيفية، والإحصائية، وَفْق ما تقتضيه الحال.
*مستويات التحليل:
على أن أهم ما يطبقه علم الأسلوب داخل هذه الاتجاهات أنه يستخدم مستويات التحليل اللغوي، وهي:
1- تحليل الأصوات.
2- تحليل التركيب.
3- تحليل الألفاظ.
أولا- الأصوات:
والتحليل الصوتي في علم الأسلوب Phonostylistics يقتضي -أولاً- معرفة الخصائص الصوتية في اللغة العادية، وبعد ذلك يتوجه إلى رصد الظواهر الخارجة عن النمط والبحث في دلالتها فيما يفيد دراسة الأسلوب. والأغلب أننا لا نحلل النص الأدبي تحليلا صوتيا يتتبع كل التفصيلات التي ينتظمها علم الأصوات، فنحن هنا لا نهتم اهتماما كبيرا بالأصوات الصامتة Consonants -مثلا- إلا أن تكون لبعضها درجة واضحة من الكثرة تقتضي الالتفات والتفسير. أما الجوانب المهمة الأخرى التي يركز عليها التحليل الصوتي للأسلوب فتكاد تنحصر فيما يلي:
الوقف:
وهو ظاهرة صوتية مهمة جدا لأنها ترتبط بالمعنى ارتباطا مباشرا، ومن المعروف أن العرب القدماء اهتموا بها اهتماما واضحا في قراءة النص القرآني حتى إنهم أفردوا لها كتبا متخصصة درسوا فيها أنواع الوقف؛ من واجب، وجائز، وممتنع، وحسن، وقبيح، وغير ذلك، ورسم المصحف يشمل كما نعلم رموزا تحدد أنواع الوقف للقارئ.
والأمر في ذلك مفهوم لأنه يتصل بالقراءة التي هي في أساسها أصل من أصول التشريع. على أن القدماء لم يلتفتوا إلى هذه الظاهرة عند تناولهم للشعر ولم يرد عنهم ما يفيد انتفاعهم بها في شروحهم الكثيرة التي وصلت إلينا. والحق أن وجود الشعر القديم مكتوبا أيدينا حرمنا من رصد هذه الظاهرة فيه، وليس بمستساغ لدينا أن الشعر العربي بأوزانه المعروفة بحدودها في التفعلية والشطر والبيت يغني عن ملاحظة «الوقف» فيه، وليس بمستساغ عندنا أيضا أن أبا تمام والبحتري والمتنبي كانوا ينشدون شعرهم فلا «يقفون» إلا عند آخر الشطر أو آخر البيت، ولا نشك في أنه لو أتيحت لنا فرصة سماعهم أو قراءة وصف لطريقة إنشادهم لكان لدرس «الوزن» الشعري شأن آخر.
الوزن:
دراسة «الوقف» إذن تقود إلى دراسة «الوزن» وتكشف عما يمكن أن ينتظمه من «تنوعات» فردية ذات دلالات خاصة، والحق أن ذلك قد يكون أكثر وضوحا في دراسة «الشعر» الذي لا تتساوى فيه أبيات القصيدة الواحدة، ويؤدي الوقف دورا أساسيا، لكن ذلك مفيد في دراسة الشعر التقليدي، وقد قدم علماء الأسلوب الغربيون دراسات كثيرة حللوا فيها أنماط الوقف على أنواع كثيرة من الشعر، مشيرين إلى أنه ليس مقصورا على ما يعرف «بحدود» الكلمات أو حدود الأبيات، بل قد يكون وقفا داخليا لا مناص منه في فهم الشعر وفي فهم الوزن الذي ينتظم فيه، ومن هذا الوقف الداخلي ما قدموه من دراستهم لشعر شكسبير في مثل الأبيات الآتية التي تلحظ فيها أهمية الوقف وضرورية غير مرتبط بنهاية الأبيات. [quoted from Act I of the Winter’s Tale, in Turner, Stylistics, Penguin, 1973, p. 77.]
Is whispering nothing?
Is leaning cheek to cheek? Is meating noses?
Kissing with inside lip? Stopping the career Of laughter with a sigh (a note infallible Of breaking honesty)? Horsing foot on foot? Skulling in corners? wishing clocks more swift? Hours, minutes? noon, midnight? And all eyes Blind with the pin and wed, but theirs, theirs only.
النبر، والمقطع:
ودراسة الوزن تقودنا إلى ضرورة دراسة «النبر» Stress ، وهي دراسة لم تحظ حتى الآن باهتمام في الدرس العربي رغم أهميتها في اختلاف «المعنى» وتنويعه، وهي ذات أهمية خاصة في دراسة «المقطع» في اللغة وعلى الأخص فيما يتصل بالشعر، ولا نحسب أن القدماء كانوا غافلين عن هذه الظاهرة لأن حديثهم عن التفعيلة وما تتكون منه من أسباب وأوتاد وفواصل وما يطرأ عليها من زحافات وعلل لا يبتعد كثيرا عن دراسة المقطع، وقد كان جديرا بالمتابعة والتطوير؛ لكننا وقفنا عند الذي رصدوه وقرروه.
وتأتي بعد ذلك دراسة «التنغيم» Intonation ودراسة «القافية»، وكل أولئك كما هو ظاهر ليس صورة كاملة لما يقدمه علم الأصوات العام، ولكنه يركز على الظواهر التي يمكن أن تفيد عند رصدها وتصنيفها، في فهم أسلوب معين.
وغني عن البيان أن ذلك ليس مقصورا على الشعر وحده، لأن الأسلوب النثري ينتظم أنماطا كثيرة من الوقف والنبر والمقطع والتنغيم.
ثانيا- التركيب:
وقد احتفل علماء العربية بدراسة الجملة فقدموا أنماطها وأركانها ودلالتها الحقيقية والمجازية وطبقوا ذلك على كثير من النصوص وبخاصة على القرآن الكريم.
وعلم الأسلوب يرى في دراسة «التركيب» عنصرا مهما جدا في بحث الخصائص المميزة لمؤلف معين، وهو في الأغلب يتوجه إلى بحث العناصر الآتية:
1- دراسة طول الجملة وقصرها.
2- دراسة أركان التركيب وبخاصة المبتدأ أو الخبر، والفعل، والفاعل، والعلاقة بين الصفة والموصوف، والإضافة، والصلة، وغير ذلك.
3- دراسة «الروابط» كبحث استعمال المؤلف للواو،أو الفاء، أو ثم، أو إذن، أو أما، أو إما، ودلالة كل ذلك على خصائص الأسلوب.
4- دراسة «ترتيب» التركيب، وهو من أهم عناصر البحث في الأسلوب، لأن تقديم عنصر أو تأخيره يؤدي في الأغلب إلى تغيير في الدلالة، ولأن الأديب لا يلتزم دائما بقواعد الترتيب العامة التي يرصدها اللغويون في اللغة العادية. وقد لاحظ الدارسون أن Keats يميل إلى تغيير كبير في ترتيب الجمل، من نحو:
»Much have I travell’d in the realms of goldمثل: «
Yet did I never breathe its pure serene.
»Then felt I like some watcher of the skies« ومثل:
[Ibid, p. 77.]
5- دراسة «الفضائل النحوية» كالتذكير، والتأنيث، والتعريف، والتنكير، والعدد.
6- دراسة الصيغ الفعلية، وتركيباتها، والزمن، وتتابعه.
7- دراسة البناء للمعلوم، والبناء للمجهول.
8- يميل علماء الأسلوب إلى استخدام طريقة النحو التحويلي في بحث «البنية العميقة» لتركيبات مؤلف معين، لأنها تساعد -أولا- على فهم كثيرة من المسائل الغامضة في النص، وتساعد -ثانيا- على معرفة ما أضافة هذا المؤلف إلى أساليب اللغة في التركيب. انظر مثلا إلى الجملة الآتية في قصة من قصص James Joycy :
»Gazing up into the darkness, I saw myself as a creature driven and derided by vanity«.
يمكن تحليلها على «البنية العميقة» دون أن تفقد شيئا من المضمون على النحو التالي:
»I gazed up into the darkness. I saw myself as a creature- The creature was driven by Vanity«.
على أن دراسة التركيب عند الأسلوبيين لا تقتصر على بحث جزء الجملة أو الجملة، وإنما يتعداها إلى بحث الفقرة والموضع ثم العمل الفني كاملا.
ثالثا- الألفاظ:
وهو من أهم عناصر التحليل الأسلوبي لما له من تأثير جوهري على المعاني، ونحن نركز هنا على ما يلي:
1- دراسة الكلمة وتركيباتها وبخاصة بحث «المورفيمات» التي يستخدمها المؤلف.
2- الصيغ الاشتقاقية وتأثيرها على الفكرة.
3- «المصاحبات» اللغويةCollocations إذ إن هناك ألفاظا معينة في اللغة لا نكاد ننطقها إلا وتستصحب معها ألفاظا أخرى معينة، ولابد من رصد هذه المصاحبات فى موضوع معين عند مؤلف معين.
4- دراسة المجاز على أن يكون ذلك مجازا أصيلا بمعنى ألا نجري وراء كل ما نلحظ من أركان التشبيه أوالاستعارة لأن كثيرا منها يتحول مع الزمن ومع الاستعمال إلى مجاز «ميت» أو مجاز «نائم»، فنحن حين نتحدث الآن مثلا عن «ميدان دراسة الأسلوب» و«أدواتها»، و«أهدافها»، وعن« إلقاء الضوء على الملامح المميزة لمؤلف معين» لا نتحدث حديثا مجازيا لأن هذه الألفاظ فقدت طبيعتها الاستعارية فقدانا كاملا أو غير كامل وفق ما يشير إليه السياق.
وبعد، فهذه مستويات التحليل التي يتبعها دارسوا الأسلوب اللغويين، وهم يطبقون طريقتهم في التحليل اللغوي، ويستخدمون الإحصاء على ما بيناه، وذلك في ظنهم يقدم معايير موضعية يمكن للناقد الأدبي أن يعتمد عليها في الوصول إلى موضوعية التفسير.
ولنا بعد ذلك ملاحظتان:
الملاحظة الأولى:
أن عددا كبيرا من الباحثين اللغويين الناشئين بدأ يتجه إلى علم الأسلوب في إعداد الرسائل الجامعية المتخصصة، وتلك ظاهرة طيبة تتيح لهم فرصة الاتصال بالتحليل اللغوي الحديث من ناحية، وتجعلهم يتصلون بالنصوص الأدبية من ناحية أخرى بما يبعد عن أعمالهم «جفاف» العلم الذى يلح عليه الدرس اللغوي الحديث. لكن الملاحظ أن معظم هذه الرسائل يقع في شيئين:
أولهما: غياب المنهج حتى ليختلط الأمر على أصحابها بين البحث اللغوي والبحث في تاريخ الأدب أوالنقد وهم يركزون في الأغلب على مبحث الألفاظ، لكن على منهج غير علمي يمكن أن يسمى تجاوزا درسا فيلولوجيا، لأنهم يبذلون أغلب الجهد في محاولة تتبع ألفاظ المؤلف وتطورها من مدلولاتها «المادية» إلى مدلولات «مجردة» معتمدين في ذلك على المعاجم العربية القديمة، وكل ذلك غير جائز لأن مادة المعاجم التي بين أيدينا لا تصلح في دراسة تطور الألفاظ ومدلولاتها، ومثل هذا العمل ينبغي أن يعتمد على النصوص وعلى الاستعمال، وهو مطلب غير يسير.
وثانيهما: أن الباحثين الذين يتصلون بالدرس اللغوي الحديث ومناهجه يطبقون على بحث الأسلوب طريقة الإحصاء تطبيقا شاملا بحيث ينتهي العمل العلمي دون أن تجد لهذا الجهد نفعا فيما تحتاجه النصوص من تفسير.
والملاحظة الثانية: أن الدراسات القديمة كانت تتميز بوجود «البلاغة» في أشكالها القديمة، وأن هذه البلاغة فقدت مكانها في الدرس الحديث، فهل يؤدي «علم الأسلوب» إلى نشأة ما يمكن أن نسميه «البلاغة الجديدة»؟ وهل يؤدي ذلك كله ما يمكن أن نطلق عليه «النقد الشامل»؟












فقه يساير متطلبات العصر.. كيف؟
[مقال نشر بجريدة «الأهرام» المصرية، 13/ 2/ 1998م، الصفحة: 11]
الأمة تحتاج لاجتهاد يستوعب كل أمورها؛ لأن الإسلام يستوعب الحياة الإنسانية ولا يتناقض معها، وأن الفقه الإسلامي هو الذي ينظم حياة المسلم، وهو قادر على مسايرة روح كل عصر ويتماشى مع مصالح الناس والمهم أن يكون لدينا اجتهاد حقيقي صادر عن الإطار العام الثابت ويستوعب قضايا العصر.
ومن هنا طرحت )صفحة الفكر الديني ( في الأسبوع الماضي قضية مسايرة الفقه الإسلامي لمستجدات عصرنا، واليوم نواصل مناقشة هذا الموضوع ولتكن البداية مع الدكتور عبده الراجحي الأستاذ بجامعة الإسكندرية الذي أكد أن هناك حقائق راسخة في الإسلام ليست موضوع نقاش ولا خلاف، يتحدث عنها المسلمون دائما لكنهم لا يرتبون عليها ماتؤدي إليه من عمل.
من هذه الحقائق أن الإسلام جاء للناس كافة، وأنه خاتم الأديان جميعها، أي إنه قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذا كلام مستقر نردده كل يوم، لكننا نتغافل بعد ذلك أحيانا عما يفضي إليه، ومايفضي إليه هو المقصود، وأول ذلك أن الإسلام يستوعب الحياة الإنسانية ولايتناقض معها، وأن سنة الله في الكون قد اقتضت ألا تكون هذه الحياة على هيئة واحدة، وإنماتتعدد و«تتنوع» و«تختلف» باختلاف المكان والزمان. من هنا لم يكن تنظيم الإسلام لقواعد الحركة في الحياة تنظيما واحدا جامدا لا يتغير؛ بل وجدنا فيه على امتداد تاريخه «تنوعا» و«تعددا» و«اختلافا» يصدر في أصله عن هذه السنة الإلهية فى الكون.
وأضاف: ومن الحقائق الراسخة أيضا أن الفقه -وهو الذي ينظم حياة المسلمين- هو ما ماتوصل إليه علماء المسلمين من«اجتهادهم» الدءوب في محاولة فهم النصوص، وهي محاولة «جوهرها» إنسانى بما تعنيه من محدودية العمل الإنساني وقصوره وارتباطه ببيئته الزمانية والمكانية، ومن حقنا أن نعتز اعتزازا كبيرا بهذا التاريخ المشرق؛ لأنه يقبل قبولا قويا مبدأ التعدد والتنوع والحركة المستمرة، نعم هناك إطار عام ثابت لكن الحركة داخله «مشروعة» ومطلوبة وحتمية.
وعن فقه خاص يناسب ظروف الأقليات المسلمة فى البلاد الأجنبية أوضح أن يكون الأقليات الإسلامية في المجتمعات الأخرى، يواجهون -كما نواجه نحن أيضا- قضايا«حيوية» تتصل اتصالا جوهريا بحياتهم، والإسلام لم يعرف يوما نظام «الجيتو» أو الانعزال في «حارة» مغلقة وهو أمر يستحيل حدوثه الآن على أية حال، كما أن فكرة الهجرة كما نادى بها أصحاب التكفير تتناقض مع هذه الحقائق الإسلامية الراسخة.
فهل يظل «الفقه» صامتا أمام هذه القضايا التي تعيشها الأقليات الإسلامية ومنها ما يتصل بالحركة اليومية كقضية «البنوك» التي لا بديل لها أمامهم، وقضية العمل في أماكن يضطر فيها المسلم إلى حمل صناديق الخمور أو لحم الخنزير، أويسكن في بيت تحته «بار» أوملهى، ثم ماذا عن نظام العمل وقواعده في عالم تخضع فيه الحياة المعاصرة لشبكة معقدة جدا من العناصر، وإذا كان الخطباء يرفعون أصواتهم بأن رسول الله ترك هذه الأمة على«المحجة البيضاء ليلها كنهارها» فينبغي أن نفهم من ذلك أنه لا مكان لغموض أو تغافل أو تجاهل، بل نلقي الضوء على كل ما يجد أمامنا في الحياة ولا نترك فيه نقطة واحدة يلفها الظلام.
-يتحدث كثيرون عن الإمام محمد عبده باعتباره رمزا للتجديد فما تعليقكم؟
يجب أن ندرك أنه ليس فريدا في بابه بل هو حلقة في سلسة طويلة مضيئة منذ اجتهادات الخليفة الأول رضى الله عنه إلى يومنا هذا.
وعلى أيه حال فإن الدعوة إلى أن يظل باب الاجتهاد مفتوحا ليست شيئا جديدا، لكن المهم أن يكون هذا الاجتهاد حقيقيا، صادرا عن الإطار العام الثابت مستوعبا لقضايا العصر، مدركا لاختلاف «القدرات» وتعدد العناصر البيئية والاجتماعية مرتكزا على معرفة علمية واسعة وعميقة، ولسنا نغالي حين نلحظ أن الأسلام الآن ملجأ لكثيرين خاصة مايعرف بالمجتمعات المتقدمة وهذا موضوع كبير يستحق الدراسة الواعية، لكننا نشير إليه فقط لاتصاله الوثيق بما نحن فيه...













الاكتساب اللغوي ومستقبل تعليم العربية
[مستل من ندوة اللغة العربية والثقافة العلمية، 18 - 19 شعبان 1416 هــ، 9 - 10 يناير 1996 م ، بقاعة مكتبة القاهرة الكبرى]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .
لا يزال تعليم العربية في مصر، والعالم العربي بعيدا كل البعد عن «العلم» في الوقت الذي أصبح فيه تعليم اللغات «علما» حقيقيا، له أصوله وأدواته، ولا نبالغ حين نقرر أن مستقبل العربية في خطر حقيقي؛ إذا استمر وضعها التعليمي على ما هو عليه، ومن ثم فإن العلاقة بين العربية والثقافة العلمية ستكون موضع شك كبير .
تمثل قضية «اكتساب» اللغة قضية مركزية في تعليم اللغة، وقد شرع البحث العلمي يضاعف الجهد في السنوات الأخيرة في محاولة لفهم هذه المسألة، ومنذ ذلك الحين انفتحت آفاق للبحث لم يكن لنا بها عهد، وليس الأمر هينا بطبيعة الحال؛ لأنه يتعلق «بعمليات» ليس من اليسير محاصرتها والسيطرة عليها، على أن السعي البشري لا يتوقف في محاولة لكشف القرائن التي تكمن وراء هذه العمليات.
إن المادة المتاحة لنا عن الاكتساب إنما هي من ثمرات البحوث الغربية، ولم يسهم الدرس العربي بجهد حقيقي يمكن أن يتصف بصفة «العلم»، ومن ثم فإن كل المعايير التي يستخدمها بعض الباحثين في كتاباتهم لا تنبع في الحقيقة من بحوث عربية.
إن قضية «الاكتساب اللغوي» بما تنطوي عليه من اعتبارات عصبية، ونفسية، وحركية، ومعرفية، ووجدانية،ولغوية تفرض إعادة صياغة الفكر العربي نحو «التكامل» العلمي، وآمل أن يكون هذا المنتدى مناسبة لوضع الناس أمام الحقائق الموضوعية عن العربية ومستقبل تعليمها.















كلمة الأستاذ الدكتور عبده علي الراجحي
في حفل استقباله عضوًا جديدًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمده تعالى، ونستعينه، ونستهديه، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شيخنا الرئيس الدكـتور شـوقي ضيف.. شيخنا نائب الرئيس الدكتور محمود حافظ.. شيخنا الأمين العام كمال بشر..
شيوخنا الأعزاء..
ما أظن واحدًا من الأربعة عشر صحبة سعده مثل ما صحبني اليوم؛ وذلك من وجوه كثيرة؛
أولها- أني جئت في ساقة هذه الكتيبة الميمونة. ومن يكن في الساقة يكن أقرب إلى الأمن وأبعد من أخطار الصف الأول، ورؤيته أوسع وأشمل، وهو أحفظ لمتقدميه، وأخوف عليهم، وأرعى لهم، وهي خلالٌ أدعو الله سبحانه أن يهديني إليها. وثانيها- أن يستقبلني الشيخ الأمين. وشهادته فيَّ قد يعتورها شيء في النفس؛ فهو لا ينظر إليّ منذ اتصلت به قبل أربعين عامًا إلا بعين من الرضا - وهي على ما تعلمون- على أنكم قد تغضون الطرف عن هذا من أجل الفقير الذي تستقبلونه، فالمحبة وحدها حقيقة أن ترفع أقدار الناس.
على أن بِشرًا ليس الأمين العام وليس هذا المحب فحسب؛ بل هو شيخي وأستاذي، وهو الآن شيخ الوقت بين اللغويين، أسهم مع نفر مبارك في إقامة دولة علم الفقه في العالم العربي، تمّام وبشر في الدار، والسعران وبخاطره الشافعي في الإسكندرية.. جاء هذا النفر بعد مرحلة أنيس في التبشير بعلم اللغة.. وحين علا صوتهم أوجس الناس خيفة من هذا العلم الوافد وارتابوا في غاياته؛ لأنهم تحدثوا عن درس اللهجات، وخلط الناس بين الدعوة إلى الدرس والدعوة إلى الاستعمال، ثم إنهم صدّعوا الناس بمصطلحات غريبة عن الفونيمات والمورفيمات والوصفية والمعيارية والآنية والتاريخية. وقد لا يدرك أحد من الأجيال الحالية ما عاناه هذا النفر وقتذاك.
غير أن بشرًا كان له دوره الخاص في إذابة كثير من الشكوك والمخاوف بما آتاه الله من روح الدعابة والفطرة الطبيعية على إشاعة البهجة، ثم إنه لم يقف عند الدرس الجاف الذي كان معهودًا في علم اللغة؛ بل ولج إلى اللغة الحية المتدفقة، ولا يزال يعشقها في هذا التدفق حيث يكون.
ويأتي جيلنا: عبد التواب وحجازي وشاهين ومختار عمر والفقير إلى الله متابعًا جيل بشر، يأخذ عنه أخذًا مباشرًا، ويمزجه بما كان وبما هو كائن مما جعلنا نزعم أننا أضفنا شيئًا ما، وما هو في الحق إلا ثمرة للغرس المبارك.
أيها الشيخ الأمين.. لتدم محبتك.. وليدم بشرك.. ولتكن دائمًا حيث تحب وحيث نحب لك أن تكون.
أما ثالث هذه الوجوه فهو الفضل الذي ادخره الله لي بأن أشغل مقعدًا كان يشغله كبير من الكبار.. جبل من جبال العلم.. عقلية عظيمة.. وهمة عظيمة.. رزقه الله طول العمر وحسن العمل.. ذلك شيخ شيوخ الفيزيقا الدكتور محمود مختار-- فهو واحد ممن ينتمون إلى النصف الأول من القرن الماضي.. عصر الإتقان.. لا نعرف واحدًا من أبنائه إلا وهو يتقن عربيته ويتقن تخصصه ولا يعمل أحدهم عملاً إلا أحسنه.. كلهم كان يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب.. ومحمود مختار مثال قوي على هذا الوقت.. يصحب أستاذه علي مصطفى مشرفة.. ويقتفى أثره.. ويظل يثابر لا تفتر له همة، فيقدم العلوم بالعربية، ويضيف من العلوم ما لم يكن لمصر به عهد.. ويسهم في كل ميدان يدعم العلم، فيؤسس الجمعيات والمجلات العلمية.
وإن جهوده في التعريب لحقيقة أن تكون موضع درس ومتابعة.
قلت إنه سعد ساقه الله إليّ إذ كنت أزعم بصفتي لغويًّا -وللغويين مزاعم كثيرة- أن اللغة لا يمكن درسها إلا من طريق «العلم».. نقصد العلم التجريبي بمناهجه وإجراءاته وأدواته.. من أجل ذلك سُمِّي هذا الدرس فى العالم «علم اللغة». والتراث العربي شاهد على ما كان من إدراك علمائنا القدماء لانتهاج سبيل قريبة من سبيل العلم.. وحين نستحضر الآن صورة أبي الأسود وهو يقول لكاتبه: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه إلى أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف» لا نرى فيه إلا إقرارًا لمبدإ الملاحظة وسيلة إلى التسجيل وإلى الوصف الصحيح.. ولنا أن نتصور الخليل وهو يدير دوائره يمنة ويسرة، ويعمل أدواته الرياضية، ويصل إلى المستعمل والمهمل.. ولنا أن نستدعي طريقة ابن جني، وهو يفسر الظاهرة اللغوية بالأدلة الطبيعية من الاستثقال والاستخفاف، وقولتَه المشهورة: «هذا برهان هندسي».
وحين نعبر التراث القديم إلى زماننا هذا نرى درس اللغة في قلب العلم.. خذ الأصوات اللغوية وحدها، ندرسها مع أستاذ في الفيزيقا، وأستاذ في التشريح، وأستاذ في الرياضة، وأستاذ فى اللغة.. ثم خذ اكتساب الأطفال للغة، والعمليات العقلية فى إنتاج الكلام واستقباله، وخذ القوانين الكلية التي تجمع البشر على ظواهر واحدة.
أليس ذلك كله جديرًا أن يدرك لغويٌّ مثلي يظنه الناس لا يعمل إلا فى الضمة والفتحة والكسرة.. أن يدرك نعمة الله الكبرى حين يخلف رجلاً في قدر محمود مختار.. رحمة واسعة.. وجزاه عنا وعن العلم وعن العربية خير الجزاء.
أيها السادة..
حين أراني في المجمع العريق أعلم علم اليقين أن ذلك حصاد أجيال متوالية من المربين والمعلمين، أسهم كل واحد منهم فى صناعة إنسان.. فى صدارتهم يأتي أبي .. كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب.. والأصل فى القرية أن يبقى أكبر الأولاد إلى جانب أبيه.. فكيف أصر أن يدفع بي إلى المدرسة رغم أن رسوم الدراسة كانت عشرة جنيهات.. وهو قدر من المال ينوء به أولو اليسار آنذاك.. كان وجهه يضيء فرحًا وهو يراني أنتقل من علم إلى علم.. وكانت الدنيا لا تسعه وهو يشهدني أخطب الناس في المسجد، أما حين سمعني أتكلم الإنجليزية، فلا أستطيع أن أصف لك مشاعره.. إن الوالد الأمي الذي يفعل ذلك لهو عندي فوق كل الآباء.
وأذكر منهم شيخي الشيخ بلال عبد الجواد شيخ كتاب قريتي: كفر الترعة الجديد مركز شربين، دقهلية الذي لم يكن يقبل قط، ونحن فى الرابعة إلا أن يعطي كل حرف حقه.. وعلى منهجه العلمي الصابر قلقلنا وأخفينا وأظهرنا وغننا ومددنا حيث يجب كل أولئك، وأذكر أنه ظل يأخذ برأسي شهرًا كاملاً حتى أقرأ قوله تعالى:چ...ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ...چ[ يونس: 24]. فلا يذهب تفخيم الخاء برقة التاء، ولا تغلظ اللام لإطباق الطاء.
ثم أذكر منهم الأستاذ محمد موسى مدرس اللغة العربية بمدرسة زغلول الابتدائية بالسرو، الذي كان يتوسم فيَّ خيرًا، فأخذني يومًا إلى ناظر المدرسة ليأخذ عليَّ موثقًا ألا أشتري قلم الحبر الذي وفد إلى ريفنا أول مرة في الأربعينيات، وكنا لا نذهب إلى المدرسة إلا ومعنا الدواة والريشة، وكان الأستاذ موسى يرى هذا القلم الجديد شرًّا ووباء على العربية لأنه سوف يفسد خطوطنا، وكان إتقان الخط من فرائض العربية عند التلميذ والمعلم على السواء.
أذكر هؤلاء الثلاثة نماذج لما كان سائدًا من مراقبة الله في تربية الناشئة، والإخلاص في ذلك، والصبر عليه. وهذا المنهج هو الذي جعل الإتقان سجية، وغيابه في زماننا هو الذي يجعل من الانهيار الماثل أمرًا لا يستغربه الناس.
ثم يأتي من أخذت عنهم من أصحاب الخبرة والمكانة والإنجاز.. وهم عدد كبير يضربون في غير ميدان، في اللغة والأدب، والفقه، والفلسفة، والتاريخ، والاجتماع، والإنجليزية، والألمانية.. وتعلمت كثيرًّا جدًّا من زملائي ومن تلاميذي.. لا أتوقف عند واحد من أولئك الذين ذكرت، وأنا أستحيي أن أوجز الكلام عن كل منهم في الوقت المحدود.. وكلهم له فضل.. وفضلهم هذا هو الذي أكسب فقيرًا مثلي عضوية المجمع الجليل..
أيها السادة:
اخترتم واحدًا من الإسكندرية. يحمل إليكم كل مرة البحر، واتساعه، وانفتاحه، الإسكندرية بـوابة الغـرب، وعاصمة الحضارة الهيلينية.. ومعبر المغاربة إلى الحج، وطريق أهل المشرق إلى الأندلس.
أنضم إليكم وقد سبقني ثلاثة من شيوخ الإسكندرية الأعلام، كان كل منهم أمة في بابه، أولهم عبد الحميد العبادي، شيخ المؤرخين، وإمام التقاليد العريقة. أما الآخران فقد تلمذت لهما أيام الطلب الأول محمد خلف الله أحمد صاحب النبرة الفريدة في نطق العربية.. وواحد من الذين أرادوا التجديد في درس الأدب حين عاد من بريطانيا بالوجهة النفسية.. لم يكن عميدًا عابرًا في كلية الآداب بل كان هو العميد حين كانت العمادة قيمة علمية ومسؤولية ثقافية.
شيخي الجليل محمد طه الحاجري، صاحب الجاحظ، ومحقق أعماله الكبرى.. وليس هذا في ميزان العلم بقليل، ثم أجيئ بعدهم بما يقرب من نصف قرن وأنا الفقير في هذه البضاعة كي أكون السكندري الوحيد في المجمع العريق، فأي عبء حملتموني أيها السادة.
وهنا شيوخنا الأعزاء - أحلم بأن أرى المجمع يضم علماء من أصقاع مصر.. من أسوان وطنطا ودمياط وأسيوط.. ولا يحول بعد المسافة بينهم وبين المجمع.. وثقافتنا ترسخ فينا أن الذي يسعى إنما يسعى دائما من أقصى المدينة.. ولم نر في كتابنا رجلاً من أدنى المدينة يسعى.. ومن فتش عن صاحب علم وجده.
أيها السادة..
أعلم أن هذا المجمع العريق يؤثر أن تكون أعماله خلف أبواب مغلقة بعيدًا عن أضواء الإعلام.. غير أني قد أجرؤ على الحلم أن يكون المجمع أكثر حضورًا في حياة الناس وبخاصة عند أهل الصنعة منهم، نصلهم، وندفع إليهم بأفكارنا ومقترحاتنا ونتلقى منهم تغذية راجعة كما يقول أهل التربية، وفي جلستنا هذه واحد من علماء الحاسوب المشهورين، له ريادة خاصة مع علوم العربية.
وليس كثيرًا أن نطلب إليه تزويد المجمع بقاعدة بيانات عن أبناء مصر المهتمين بالعربية في مختلف المجالات، وأحسب أن ذلك سوف يزود المجمع بحيوية متجددة، ويضفي على أعماله شرعية مكينة.
شيوخنا الأعزاء: قد يكون من اللازم دائما أن نراجع أنفسنا فننظر مثلاً في أهداف المجمع التي أقرت منذ إنشائه، قد نقر هدفًا، وقد نعدله، وقد نستبدل به غيره، أو نضيف أهدافًا لم تكن منظورة آنذاك.
ولعلي أشير هنا إلى المعاجم على وجه الخصوص، وقد أنجز المجمع منها ثروة هائلة، غير أن المعاجم اللغوية العامة في حاجة إلى إعادة نظر وإلى جهد علمي متكامل، فنحن لا ننجز المعاجم إلا ليستعملها الناس واستعمال المعجم مهارة لابد أن يمارسها الإنسان من الصغر، وحين يتلقى طلاب المرحلة الثانوية المعجم الوجيز ينبذونه وراء ظهورهم لما نعرفه من أسباب، والدول المتقدمة تعنى عناية خاصة بمعاجم الأطفال، فنرى معاجم لمرحلة ما قبل المدرسة، وأخرى للمرحلة الابتدائية وثالثة للمرحلة المتوسطة، وهكذا يصبح استعمال المعجم مهارة يتقنها الناشئ إتقانًا طبيعيًّا. فهل نطمح أن يكون للمجمع دور ما في إصدار معاجم خاصة للمراحل العمرية المبكرة ؟
شيوخنا الأعزاء..
أطمح أيضًا أن يكون للمجمع كلمة قوية في «تعليم العربية» وليكن صوت المجمع في هذا الشأن عاليًا مسموعًا، ولنذكّر قومنا -دائمًا- أن التنمية لا تتحقق بالتخطيط الاقتصادي والسياسي، بل يستحيل وجودها ما لم تقم على قاعدة لغوية مكينة.
ومن أسف أن أشير إلى أن المواطن الفرنسي الذي يعلّم الفرنسية خارج وطنه يعفى من الجندية، فهم يجعلون تعليم اللغة الوطنية مناظرًا لحماية تراب الوطن، وهذا حق، فكيان الأمة ولغتها لا ينفصلان.
شيوخنا الأعزاء.. ما أستطيع أن أختم هذه الكلمة دون أن أذكّر نفسـي وإياكم بما آلـت إليه أحوال البصرة وبغداد والموصل، وهي أسماء قد لا تعني عند الكثيرين شيئًا لما نعلمه من قصور في نظامنا التعليمي والإعلامي، لكنها عندنا تمثل كل شيء، إن كل خلية في كياني تكونت في البصرة وفي بغداد، وأساليب التفكير عندنا غُذيت على ما كان يجري هناك. والعربية التي حملتنا هذا التاريخ الطويل أخذناها عن شيوخنا في البصرة وبغداد. وأنا على يقين أن المجمع العريق بشيوخه القدامى والوافدين حقيق على أن يستمسك بما أعطتنا إياه البصرة وبغداد، وأن نجعل من هذه المدن أعلامًا مذكورة في كل آن بأن ندعو الله سبحانه أن يهبنا القدرة على أن نحمل الأمانة، وأن نتبع في كل وقت قرآنه، إنه سبحانه ولي ذلك وهو القادر عليه.
شيخنا الرئيس.. شيخنا الأمين.. شيوخنا الأعزاء.. أشكر لكم جميعًا ما تفضلتم به وأدعو الله لكم بالصحة والسعادة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،








كلمة حفل تكريم الأساتذة الذين انتهت فترة عملهم بجامعة محمد بن سعود الإسلامية
ألقى الكلمة الأستاذ الدكتور عبده الراجحي
[نشرت بمجلة (مرآة الجامعة) السعودية، السنة الثامنة، العدد (114)، السبت 21 ذو القعدة 1409 هـ - 24 يونيو 1989م، الصفحة: 7 - 8]
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله تعالى، ونستعينه، ونستهديه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد..
معالي مدير الجامعة، أصحاب الفضيلة وكلاء الجامعة والعمداء، إخواني الأستاذة..
ليس من اليسير على مثلي أن يتكلم - نيابة عن إخوانه- في هذا الموقف، وقد أمضيت في هذه الجامعة المباركة سنتين؛ كان كل يوم فيهما غنياً بما لقيته من إكرام وتشجيع، وبما هيئ لي ولإخواني من سبل تدفع إلى العمل والإنتاج. والله يعلم أني منذ اللحظة الأولى ما أحسست أني انتقلت من بيتي إلا إلى بيتي، وأني ما تركت أهلي إلا إلى أهلي، وقد مضت السنتان وما أشعر إلا والتوحد كامل بالناس والمكان.
وليس قليلاً أن ينعم الله عليك بأن تعمل في جامعة تحمل اسم الإسلام، يوجهها منهج واحد هو منهج الإسلام؛ المبدأ إسلام، والغاية إسلام.
ونعمة الله الكبرى نحدث بها ونحن في المملكة المباركة؛ البيت آمن، والشريعة حاكمة، والمسجد على مد الذراع، وكلمة الله هي العليا.
معالي مدير الجامعة.. إخواني..
ما أود أن تكون هذه الكلمة كلمة توديع، أو تعبيراً عن شكر لما لقيناه من تكريم، وإنما أريد أن تكون فرصة نقدم فيها شيئاً من حصاد هذه الفترة التي أقمنا فيها في رحابكم، وأرجو أن تسمحوا لي أن أحدد رؤيتنا في العناصر الآتية:
أولاً:
إن هذه الجامعة ليست كأي جامعة؛ لأنها تحمل رسالة الإسلام، وهي مسئولية جسيمة عظيمة. والجامعة يقودها رجل عالم، دائب الحركة، جم النشاط، وليس مصادفة أن تختاره الجامعات الإسلامية رئيساً لها، وهو يمتلك من ذلك -بلا شك- رؤية أكثر اتساعاً وعمقاً عن أحوال المسلمين في العالم. وعلينا نحن أعضاء هيئة التدريس أن ندرك أن عملنا ليس أي عمل، وإنما هو جهاد في سبيل الله بكل ما يقتضيه هذا الجهاد من إعداد.
ثانياً:
إننا الآن نعيش عصراً تتفجر فيه المعرفة، ويتلاصق الإنجاز العلمي في إيقاع سريع، وليس من حقنا أن ننجرف مع السيل، وليس من حقنا أيضاً أن نتخلف عن الركب؛ فالمعرفة العصرية لا تعرف السدود وإنما هي تقتحم علينا حياتنا من كل سبيل، مقصودة مرصودة، تتكالب عليها تيارات من كل مكان، تتغير وسائلها وأدواتها وتتوحد غاياتها. وهي تيارات تتوجه إلى شبابنا على وجه الخصوص، وما ينبغي لنا أن نواجهها بالخطبة البليغة، أو بالعبارة الرنانة، وإنما الأمر أمر علم، فهو أخطر طريق، وهو أصح طريق. وأول هذا الأمر أن نعرف ما نملك، وأن نقدمه للناس على ما ينبغي أن يكون التقديم، أقول ذلك لأني أريد أن أشير إلى نقتطين: أولاهما: قضية التراث، وهي قضية أحسب أننا لم ننهض بحقها نحن الباحثين المسلمين؛ فما ينبغي أن يكون التراث محصوراً في تحقيق مخطوط على منهج آلي مكرور، وإنما علينا أن نبحث عن روح التراث؛ عن نظرية المعرفة عند المسلمين، وهي التي نزعم أنها كانت مسيطرة على الحياة العقلية عندهم، والتي نزعم أيضاً أننا لا سبيل لنا في الحركة المعاصرة إلا بها. وأما النقطة الثانية: فهي حياة العصر؛ إذ ليس من العدل أن نتغافل عما يجري حولنا، بل لابد أن نخوض العصر طالما أننا نملك المعيار.
ثالثاً:
ليس من الحق أن ينكفئ الأستاذ على قاعة الدرس حتى إذا انتهى من درسه نفض يديه كأنه أدى ما عليه. إن المسألة ليست مسألة لوائح، ولكنها مسئولية العمل في مثل هذه الجامعة. الطلاب يحتاجون أستاذهم خارج القاعة احتياجهم إليه داخلها إن لم يزد عليه. ولنا في سلفنا الأسوة الحسنة؛ كان العلم عندهم أخذاً عن الأستاذ، وصحبة له، وطول زمان، ولم يكن أخذاً عن مذكرة أو استظهاراً لكتاب. علينا إذن أن نفتح لهم قلوبنا، نقدم لهم تجربتنا، ونعلمهم منهج التفكير العلمي في مختلف الأمور، وعلينا أن نستمع إليهم، فعندهم كثير جداً مما ننتفع به.
والمجتمع خارج الجامعة يتطلع أيضاً إلى الأستاذ؛ في الأندية الأدبية، وفي المحافل العامة، وفي وسائل الإعلام، وفي المناقشات المتخصصة. ولا يمكن أن تكون الجامعة موجودة فاعلة إلا بأعضائها.
رابعاً:
لقد أمرنا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأمرنا بإتقان العمل؛ فكيف تكون محاسبة النفس إن لم تكن مراجعة ما تعمل؛ ننظر فيه، ونختبره، ونعدّله، أو نعدِل عنه. وهذه مسألة جوهرية ما ينبغي لنا أن نغض الطرف عنها، أو أن نرجئها إلى حين الانتهاء من كيت وكيت، وإنما المراجعة الدائمة مطلوبة، وليس ثمة عمل بشري كامل على الإطلاق. وإني لأشهد الله أن كثيراً مما نعلِّمه في حاجة إلى مراجعة، وعلى أخص الخصوص تعليمنا للعربية، وهي قضيتنا الأولى، وهي رسالة هذه الجامعة؛ لأن العربية التي نعرفها إنما هي عربية الإسلام. وليس من العدل أن نتغافل عن الحقائق الصارخة، بل الواجب الفرض أن نتعلم كيف نعلم، وألا يتوقف لنا سعي في سبيل الإتقان. ولنعلم أن العلم لا يمكن أن يكون فردياً، وإنما العلم جماعة، وكيف نفهم الشورى إن لم تكن احتكاك عقل بعقل، يتولد عنه الضوء الذي ينير الطريق.
خامساً:
أرجو أن تعذروني إذا تجرأ علي التطفل بأن أقترح أن تكون هناك ضوابط زمنية للتعاقد. نعم، إن الاستمرار يفضي إلى الاستقرار، وهو هدف عظيم، لكن الاستمرار يكفله الآن أهل الدار، وعلى الروافد الأخرى أن تتجدد ليتجدد الهواء، وتزداد العافية.
ثم أما بعد..
ندرك نحن الذين نغادركم إلى حين أن علينا واجباً نحوكم، فالآصرة بيننا أقوى آصرة، ونحن نشعر بالانتماء إليكم كما تشعرون أنتم أننا منكم، ولا يستطيع أحد أن يلغي التاريخ؛ فالفترة التي قضيناها معكم صارت جزءاً منا، لكننا نؤكد أن الحركة بيننا يجب أن تكون في الاتجاهين؛ تتصل بنا الجامعة فيما يهمها من أمور، فنحن على دراية الآن بما فيها، ونبادر نحن بتزويد الجامعة بكل ما تضيفه إلينا التجربة. وليس مقبولاً مثلاً أن نرى المتخرجين في الجامعات الغربية يكوّنون رابطات لهم؛ فثمة رابطة لمتخرجي الجامعات الإنجليزية، وأخرى للألمانية، وثالثة للأمريكية. أفلا نبحث عن نظام يصل ما لا ينبغي أن ينقطع؟ بلى؛ فكل منا في حاجة إلى الآخر،نحن وأنتم على سواء.
وأخيراً أرجو أن تعذرونا من كل تقصير، وأن تسامحوني على ما أطلت، وما تجرأت، وما تجاوزت.
بارك الله في هذا البلد الآمن، وبارك في حكمه الراشد، وبارك في هذه الجامعة المباركة، وبارك في القائمين عليها، وبارك فيكم جميعاً. ونسأل الله سبحانه أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.















كلمة المكرمين في الاحتفال الخمسيني لكلية الآداب جامعة بيروت العربية
للأستاذ الدكتور عبده الراجحي
بسم الله الرحمن الرحيم
حين تلقيت بطاقة الدعوة.. لم أعجب كثيرا حين وجدت كلمة المكرمين من الأساتذة في صدارة الكلمات، قلت: هذه بشارة خير، وعلامة من علامات الأصول المركوزة في ثقافة النهر في مصر منذ القديم.
ذلكم أيها السادة..
لأن الجامعة أستاذ، والأستاذ الحق جامعة، وما تذكر جامعة على مر التاريخ إلا ويقال إن فيها فلانا وفلانا من الأساتذة، ولا يذكر أستاذ إلا ويقترن به اسم جامعته. ولقد شاهدنا في العالم جامعات كبرى تعلي صور أساتذتها المرموقين وتعلن اعتزازها الدائم بهم؛ لم يكن واحد منهم في الأغلب عميدا، ولارئيس جامعة، ولا محافظا، ولا وزيرا، بل كان أساتذا شق لنفسه في العلم مجرى تدفقت فيه ومنه مياه كثيرة.
وإني كلما دخلت قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة.. وأجد فيها غرفتين صغيرتين ليس غير، فيهما صور طه حسين، وأمين الخولي، وسهير القلماوي، وأحمد أمين، وشوقي ضيف.. أقول للأجيال الجديدة من هيئة التدريس استمسكوا بهاتين الغرفتين، واحفظوا لكل شبر فيهما قيمته. فمن هاتين الغرفتين تدفقت أضواء التنوير على أهل مصر ومن حولها من بلاد العرب.
وأن تكون أستاذا يعني أن تكون طالبا دائما للعلم، وإذ ذاك يتحول لديك مقياس الزمن إلى مقياس واحد هو مقياس الإنجاز في طلب العلم.
وفي ضوء هذا نفهم الاحتفال الخمسيني للجامعة؛ على أنه خمسون عاما في نشر العلم، ونشره لايكون إلا في طلبه.
أيها السادة..
قد يكون من نافلة القول أن نؤكد أن التقدم العلمي الذي تقوده الجامعات لا يتحقق إلا بالانتشار والانفتاح وعقد مصاهرات نسب مع الآخرين فيما يعرف الآن بالتوأمة بين الجامعات.. «تباعدوا لا تضوا» قولة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، لا تسرفوا في الزواج من ذوي القربى ولا في التربية الداخلية حتى لا يصيبكم الضمور.
ومن عجب أننا كثيرا ما نتجاهل الحقائق الماثلة بين ظهرانينا من كثرة إلفنا لها، ومنها جامعة بيروت العربية، ولدت في أحضان جامعة الإسكندرية، ثم تدرجت إلى أن صارت توأمًا لها وقد تكون أكثر نضارة وفتوة، لكنها في الحقيقة ثمرة لهذا الجوهر الأصيل في التقدم العلمي، وهي في الوقت نفسه رمز على روح مصر العظيمة في محبتها وتضحيتها واحتضانها وانفتاحها ورمز على روح لبنان في حيوته وتقبله وعرفانه.
هذه أيها السادة.. تجربة فريدة في العالم العربي، لكنها لم تلق حتى اليوم ما تستحقه من الدرس المتعمق الذي قد يفضي إلى وضع دستور من المعايير تبنى على أساسها العلاقات العلمية والجامعية.
أيها السادة..
في السنة الأولى من سبعينيات القرن الماضي خرجنا من الإسكندرية، نحمل يود بحرها العظيم إلى الطريق الجديدة ثم إلى جنوب لبنان وشماله وجباله وبقاعه، وإني لأزعم أن السنوات الثلاثة الأولى من هذه السبعينيات قد شهدت انطلاقة ناضجة حقيقية لجامعة بيروت، وما أظن جامعة في العالم العربي حظيت بما حظيت به جامعة بيروت العربية من دعم علمي.
وحين أذكر هذه السنوات الباكرة أذكر صفوة الفكر الجامعي في الفروع كلها، لا أستطيع حصرا، لكن يكفيني التمثيل؛ كم جامعة حظيت بأمثال: صوفي أبو طالب، وعبد المنعم الصدا، وكامل ليلة، ورفعت المحجوب، وأنور سلطان، وجلال العدوي، ومصطفى طه، والشيخ مصطفى شلبي، ومحمد زاكي شافعي، وخيرت ضيف، وصالح لمعي، وعزت أبو جد، وعبدالسميع مصطفى، ومحمد محمد حسين، وعبد القادر القط، وعز الدين إسماعيل، ومصطفى الشاكعة، ومحمد زكي العشماوي، وغيرهم، وغيرهم، من خير ما أنبتت أرض مصر الخصيبة من عقول.
وحين أعبر السنوات الأربعين منذ ذاك إلى اليوم.. أذكر أن الجامعة وقتها كان يرأسها أستاذ كبير في العمارة المرحوم الدكتور حلمي الخولي، أما السنوات الثلاث الآخيرة التي تسلمنا الآن إلى العيد الذهبي فيرأسها أستاذ آخر في العمارة، يتدفق حيوية وعلمية وانضباطا واستشراقا إلى المستقبل؛ كلاهما أستاذ في العمارة، وهي أم الفنون كما يقال، ويكفيها أنها تصدر عن استبصار عميق في الزمان والمكان. شهدت الفترة الأولى انطلاقة التأسيس، وتشهد الفترة الحالية انطلاقة حقيقية للتطوير تلمسه ماثلاً أمامك في كل مكان.
وحين أرى الحرم الجامعي الجديد في الدبية باتساعه وخضرته وجماله وإطلالته على البحر.. أقول متى يكون للجامعة الأم في الإسكندرية حرمها الجامعي، يلم المتفرق، ويهيئ المناخ الصالح للتطوير والتقدم، في وحدة القسم، وفي تأصيل العلوم البينية، وفي غيرها.
أيها السادة..
أعتذر إليكم عن هذه الإطالة، لكنها انطباعات سريعة جدا لأستاذ عاش في الجامعتين ما يقرب من أربعين عامًا، ولا يزال يتحرك بينهما، يحكمه الحب والالتزام وإدراك النعمة، ولا أجد الآن في الختام إلا أن أوجز جامعة بيروت العربية في كلمات: من الإسكندرية إلى الطريق الجديدة.. ومن الطريق الجديدة إلى كل لبنان.. ومن لبنان إلى كل العرب..













لا توجد مدارس نحوية الآن.. وإنما لغويون مستهلكون!
[لقاء نشر بمجلة «الجيل» السعودية، العدد 112، 1 - 15 جمادى الآخرة 1411 هـ - ديسمبر 1990 م، صفحة: 22، أجرى اللقاء الأستاذ عبد المجيد العمري]
اللغة في حياة أي شعب من الشعوب.. فضلا عن أنها أداة الفكر والثقافة، فإن لها وظيفتها الاجتماعية والنفسية المؤثرة على حياة الأفراد والمجتمعات، حيث أنها أداة التعبير والتفاهم بين الأفراد، كما أنها الوسيلة لتنمية الذاتية، وتوحيد الشعور الوطني بين أبناء الوطن الواحد.
لكن لغتنا العربية كواحدة من اللغات، تعيش أزمة حقيقية، تتمثل في الفجوة المتزايدة بين«عامية الحديث» و«فصحى الكتابة» وما يحمله ذلك من مخاطر التغريب الثقافي، وما له من دلالات تربوية تتعلق بمشاعر الولاء والانتماء لدى النشء والشباب، تجاه تراثهم وثقافتهم العربية.
ونظرا لخطورة القضية وأهميتها، التقت «الجيل» بالأستاذ الدكتور عبده الراجحي، أحد الأساتذة القلائل المتخصصين في علمي النحو والصرف العربي القديم، والدرس اللغوي الحديث.
• دكتور.. من خلال الفجوة العميقة بين «عامية الحديث» و «فصحى الكتابة »، كيف ترى آثار ذلك لغويا على الأجيال القادمة؟
- إن وجود «عامية» و«فصيحة» شيء طبيعي في اللغات، والقضية قضية «تعليم».. والذي أود أن أؤكده أنه لا توجد«ازدواجية» لغوية في العالم العربي، لأن «العاميات» ليست من لغة أخرى.. والعربي الأمي يفهم الفصحى ويستجيب لها، وإن كان لا ينتجها، وعلينا أن نبحث عن مكمن الخطرفي مجال آخر، وآراه في «تعليم» العربية.
• هل يمكن اعتبار استخدام «العامية» في المدارس، وفي وسائل الاتصال مدخلا للتعريب على حساب «الفصحى»؟
- لا شك أن لاستخدام «العامية» في المدارس، وفي وسائل الاتصال تأثيرا سلبيا على «الفصحى» خاصة إذا كان مدرس اللغة العربية يستخدم العامية في قاعة الدرس، ومع هذا فلا يجب أن «نضخم» من هذه المسألة، لأن «الفصحى» موجودة فاعلة على نطاق واسع، في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة وفي خطب المساجد، وفي النوادي الأدبية وفي كل مكان.
• مع الضعف العام لمستوى دراسي اللغة العربية.. ألا تعتقدون بأن ذلك قد يكون سببا في طغيان اللهجات المحلية، لتصبح لغة الكتابة والإعلام؟
- نعم.. حين يكون المتخصص في العربية ضعيفا فيها، فإنه يهرب من استعمال أساليبها الفصيحة والعالية، ويقدم لقرائه أو تلاميذه نماذج رديئة تؤثر عليهم في المستقبل.
• رغم ريادة اللغة العربية، وعمرها الزمني، ومحافظتها على أصولها الثابتة التي لم تتغير، إلا أن تطبيقات الدرس اللغوي الحديث على اللغة العربية لا تزال دون المستوى المطلوب.. كيف تفسرون ذلك؟
-يجب أن نعترف بأننا تخلفنا عن الركب.. ففي عصور الازدهار كانت العربية نموذجا لكل اللغات، وكان العلماء يقلدون النحاة العرب كما حدث في الأندلس.. أما الآن فنحن لم نصنع شيئا، ولم نتقدم خطوة، لا من حيث الإفادة من الدرس الحديث فحسب؛ بل من حيث إدراكنا الحقيقي للتراث.
• يرى كثير من المتخصصين أن للمناهج الدراسية للغة العربية أثرا بارزا في ضعف الطلاب في اللغة العربية والنفور منها.. بحكم خبرتكم وتجاربكم الطويلة واطلاعكم على مناهج تدريس اللغة العربية في معظم أقطار العالم العربي، ما رأيكم في ذلك؟ وهل تمثل مشكلة المناهج ظاهرة في العالم العربي؟
- هذه مشكلة حقيقية الآن.. وعلينا أن ننظر في الواقع التالي: لدينا آلاف الدرسين، كم ندفع لهم ؟ ولدينا ملايين التلاميذ، كم ننفق عليهم؟.. هؤلاء جميعا يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع «كتب»، لا يعرف أحد كيف أُلِّفت.. ولمن ألفت.. وعلى أي أساس كان الاختيار!
فالمصدر الذي يقدم مادة التعليم يغيب عنه المنهج العلمي، والنتيجة هي ما نرى من كراهية التلاميذ للعربية، وضعف المستوى العام.. ومن المهم أن نلفت النظر إلى أن ذلك ليس خاصا ببلد عربي بذاته، وإنما للأسف عام في كل أقطار عالمنا العربي.
• تحتل اللغة الإنجليزية مرتبة الريادة من حيث استخدامها في المحافل الدولية كلغة رسمية أولى،.. وفرضية تعليمها في معظم المدارس بمختلف البلدان غير الناطقة بها.. ترى كيف يمكن للغة العربية أن تحتل هذه المكانة، وهل هناك عوائق تحول دون ذلك؟
- اللغة العربية كانت كذلك يوما ما، ولا تزال هي اللغة المؤهلة لأن تكون أوسع اللغات انتشارا؛ لأنها تحمل كلمة الله إلى الناس.. لكننا الآن أضعف شأنا وأقل إخلاصا ممن سبقونا، ويكفى أن العربية انتشرت في بقاع الأرض في فترة زمنية وجيزة، ولم نحاول نحن أن ندرس كيف تم هذا الانتشار؟
فليس هناك عائق أمام ازدهار العربية في العالم المعاصر إلا شيء واحد، هو أن ندرك أنه لا طريق إلا طريق «العلم».. ولا علم إلا بإخلاص.
• «سيبويه» رائد علم النحو العربي.. بنى العديد من العلماء مؤلفاتهم في النحو على كتابه.. إلا أنه ظهر في الآونة الأخيرة من يرى أن «سيبويه» بنى منهجه في النحو على منهج الإغريق، مما يعني أن النحو العربي قديمه وحديثه قد بني على هذا المنهج.. فما رأيكم في هذا الاتهام؟
- أرى أن الدعاوى التى تتصايح بأن «سيبويه» أقام نحوه على نموذج أرسطو، وأن النحو العربي كله متأثر به، هي دعاوى هزيلة ولا تصمد أمام التحقيق العلمي، وقد بينا ذلك في غير موضع،.. والحق أن النحو العربي قدم نموذجا متفردا، لأنه نشأ في مناخ عقلي إسلامي خالص، صادر عن نظرية معرفية إسلامية، وقد أثبت التطور المعاصر الآن أنه كان صحيحا في أعمدته الكبرى.
• سؤال أخير.. التاريخ العربى شهد مدارس نحوية مختلفة مثل مدرسة أهل البصرة، ومدرسة أهل الكوفة.. فهل نستطيع الحكم بوجود مدارس نحوية الآن، في ضوء انتشار كليات اللغة العربية والمجامع اللغوية؟
- لا توجد الآن مدارس نحوية في العالم العربي، ولا توجد تيارات فكرية حقيقية، وإنما يوجد على أحسن تقدير لغويون «مستهلكون» يتبعون اتجاها لغويا هنا أوهناك، وهذا الاتباع يفتقد «التمثيل» في الأغلب، فضلا عن أنه يفتقد«المشاركة» الفاعلة.
وعلينا أن نعترف بأن نشاطنا اللغوي في العربية مريض، والعافية موجودة ظاهرة، لكننا نتنكب الطريق، ولست أريد أن أعرض للمجامع اللغوية، فهي للأسف لم تصنع شيئا حقيقيا.. واسألوا أي تلميذ، هل تعرف يابني في لغتك معجما معاصرا تستطيع أن تستعمله؟! بل اسألوا أي كاتب هل تعرف مثل هذا المعجم.
فإذاكان العالم العربي على اتساعه، وعلى إمكاناته الهائلة، ليست فيه معاجم عصرية للغته الأولى، فكيف نتحدث عما هو أبعد من ذلك؟!









اللغة العربية والتكامل المعرفي
[مجلة مجمع اللغة العربية، العدد 116، ألقيت هذه المحاضرة في الجلسةالثانيةوالعشرين من جلسات
مؤتمر المجمع في دورته الرابعة والسبعين، ظهر يوم الاثنين: 22 من ربيع الآخر سنة 1429 هـ، الموافق 28 من إبريل «نيسان» سنة 2008 م]
بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله تعالى، ونستعينه، ونستهديه، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،
وبعد:
فالذي لا شك فيه أن المجمع حين اختار لمؤتمره هذا العام:«اللغة العربية وتحديات العصر» إنما هدته البصيرة إلى جوهر قضية الوجود العربي؛ لأن كل القضايا الأخرى من سياسة، واقتصاد، واجتماع، وغيرها إنما هي أعراض لهذا الجوهر، ومن هنا كان تحفظ شيخنا «كمال بشر» بل تخوفه، في إحدى جلسات المجمع أن بحث وضع العربية أمام تحديات العصر يعني أولا تغيير«العقل العربي»، وفي تخوفه وتحفظه قدر كبير من الصواب؛ لأن اللغة حركة الإنسان، وسكونه، وفعله، بل هي هو تلازما وجوديا. على أن مشكلة الأسبقية بين العقل واللغة لم يفصل فيها أحد إلى اليوم، ومن ثم فإن أهل العلم ما ينبغي لهم أن يتخوفوا، بل عليهم أن يرودوا، وأن يقودوا مجتمعاتهم وأن يلفتوها إلى الوقائع وإلى المصائر...
وتحت هذه المظلة التي اختارها المجتمع يأتي هذا الحديث المتواضع.
أيها السادة:
حين نتحدث عن تحديات العصر فإنما نتحدث عن «خصائصه» التي تسود حياة الناس الآن، وهي خصائص تتصل بطبيعة الإيقاع، وأشكال الحركة، ومواطن التوجه العام، يحكمها في ذلك عنصر مهيمن، هو عنصر امتلاك المعرفة، وهو العنصر الذي تسكن فيه «القوة» الحقيقية في الحياة المعاصرة.
ومن يمتلك المعرفة فقد خط لنفسه الآن مجرى لا يبتعد عنه إلا الغافلون، من أصل خصائصه أنه لا يصلح للتصدي لقضية ما صغرت أو كبرت علم واحد، ولابد من تضافر العلوم وتكاملها، ومن ثم يعرف عصرنا بأنه عصر العلوم البينية. interdisciplinary systems؛ فاختفى العمل الفردي؛ بل كاد كاد يصير مُحرَّما، وأصبح العمل الجماعي فرضا واجبا، واندثر النظر القائم على السبب والتأثير cause - effect ، وساد توجه الترابط والتعالقcrrelation .
مانريد أن نطيل في هذا التقديم الضروري.. وندلف إلى موقع العربية من هذا التكامل المعرفي.
أيها السادة:
لقد وقر عند كثيرين أن المتخصصين في العربية قد «حجروا» على أنفسهم واسعا، فانكفؤوا في كهوف ضيقة في الصرف أو النحو أو غيرهما لا يتنفسون هواء آخر، ويبدو أن ذلك صحيح للأسف في جملته، فلا يزال ليس صحيحا على إطلاقه، فثمة من شرع ينغمس في الإيقاع الجديد، بحسبانه عنصرا غير منعزل، بل بصفته شريكا جوهريا في التصدي لقضايا المعرفة المعقدة، أخذ الاهتمام يزداد يوما بعد يوم مدفوعا بقيمة «الإنجاز» وإسهامه في ثقافة العصر. وإني مشير هنا إلى أمثلة قليلة من مجالات هذا التصدي أراها كافية في الدلالة على أن اللغة هي المدخل الأول للولوج إلى العصر.
(1) العربية والطب وعلم النفس:
لم يكن علم «التشريح» بعيدا عن درس الأصوات منذ القرون الأولى، ولا يزال إنجاز الشيخ الرئيس شاهدا ماثلا بين أيدينا، وقد أصبح هذا العلم مقررا تعليميا واجبا على دارس الأصوات، ولقد جرت فى مدينة الملك عبد العزيز بالرياض منذ ما يزيد على عشرة سنوات تجربة رائدة في وصف عملية النطق والتحديد الدقيق لكل صوت، تكاملت فيها علوم اللغة والطب والرياضيات.
جرت التجربة بتطبيق تقنية جديدة بإدخال منظار طبي دقيق إلى الحلق تصور فيه الكاميرا أصوات العربية ابتداء من الحنجرة ثم في الحلق، ثم في التجويف الأنفي والفموي، ويرتبط ذلك كله ببرنامج حاسوبى يقيس أبعاد كل صوت قياسا رياضيا دقيقا، بحيث يمكن للحاسوب أن ينطق أي نص لغوي بالصوت الذي جرى وصفه وتحليله فيما يعرف بعد ذلك بـ(تخليف الكلام synthesis ). وفي أيامنا هذه تساور العارفين شكوك قوية حين يظهر على شاشة التلفاز شخص ما يلقى بيانا ما بصوته المعروف، تستثمره جهات معينه في توجيه الأحداث نحو تحقيق غاياتها.
على أن ثمة مجالين كبيرين يستأثران الآن باهتمام الباحثين في العالم المتقدم؛ أولهما مشكلات التخاطب. وثانيهما أسرار الاكتساب اللغوي.
أما مشكلات التخاطب أو ما يعرف أحيانا بأمراض الكلام speech pathology فهي ظاهرة منتشرة في لغات العالم، ومن بينها العربية بطبيعة الحال، وقد كنا نظن يوما أن هذه المشكلات تتصل بأخطاء النطق كالفأفأة والتهتهة وعدم القدرة على نطق الراء وغيرها. غير أن الظاهرة أكبر من ذلك بكثير إذ إن عددا غير قليل من الأطفال لا يستطيع نطق نصف أصوات اللغة؛ لأسباب عضوية organic أو وظيفية functional.
وكانت كلية الطب بجامعة عين شمس رائدة هذا الميدان في مصر، إذ أسس العالم الكبير الدكتور قطبي هذا التخصص phonejatrics في قسم الأنف والأذن والحنجرة، ثم تبعته جامعة الإسكندرية في شعبة السمعياتaudiology وقد أجريت حتى الآن بحوث ودراسات ومعالجات غير قليلة يشترك فيها اللغوي والطبيب وعالم النفس، ومن الأمثلة الشائعة جدا فى هذا المجال مشكلات الحنك المشقوقcleft palate أي تشوهات فيه لأسباب متعددة تقتضى استئصالا كليا أو جزئيات للفك الأعلى، وتجري هذه البحوث مع قسم الاستعاضة بطب الأسنان.
ومنها تأثير خلع الأسنان والتركيبات الاصطناعية على النطق بخاصة عند الذين يمثل النطق السليم عندهم أهمية كبيرة كقراء القرآن الكريم، والمذيعين، والممثلين، والمطربين، ورجال السياسة وغيرهم. ومن المجالات المهمة جدا ما يتصل بالأطفال ذوي الإعاقة العقلية أو السمعية أو الحركية «الشلل المخي»cerebral palsy وهؤلاء يتسمون بخلل كبير في الكلام، وبمعجم لغوي محدود جدا وبقصور في عمليات فهم اللغة.
ومن مشكلات التخاطب المنتشرة جدا ما يعرف بـ «البحة» hoarseness التي تنتج عن شلل في الأحبال الصوتية، أو أورام صلبة «حبيبات» nodules أو أكياس مائية، أو زوائد لحمية granuloma أو زوائد حنجرية laryngeal papillona .
أما مشكلاتالاتصال الكلامي عند «الصم» فهي من الشيوع والأهمية على ما تعرفون، وكثير من البحوث التي تجرى في هذا الشأن تقع فيما يعرف بقراءة الشفاه: speech reading، ومن إجراءاتها تخليق الكلام المرئي visual speech synthesis حيث جرى صناعة نماذج تحاكي الوجه البشري آليا ثم يدرب الصم على تعلم الكلام بصريا.
تلك أمثلة قليلة فيما يجري الآن في العالم، وما يقترب من شيء منه في مصر، وهي تؤكد أن من تحديات العصر ضرورة الانغماس في ثقافة التكامل المعرفي، إذ يستحيل أن يعرض لمشكلة من هذه المشكلات تخصص واحد. على أني أود أن ألفت أن دور اللغوي جوهري جدا في التكامل، فمهما تكن كفاءة التناول الطبي والنفسي فلن تصل إلى علاج حقيقي ما لم تكن هناك كفاءة في معرفة اللغة وطبيعتها والوصف الصحيح لأنظمتها المختلفة. [انظر في هذا رسالة الماجستير التي قدمتها الدكتورة وفاء عمار عن قراءة الشفاه، والدكتوراه عن أمراض الكلام عند الأطفال المصريين. والدكتورة روحية أحمد في بحثها في الماجستير عن الأطفال المغول، والدكتوراه عن مشكلات التخاطب عند الأطفال ذوي الإعاقة العقلية في الإسكندرية. وكذلك رسالة الدكتوراه التي قدمتها منى بشر عن تأثير التركيبات الصناعية على النطق وهي طبيبة أسنان التحقت بعد ذلك بقسم اللغة العربية، وهذه الأعمال جرت بإشراف متكامل من المتحدث إليكم ومتخصصين في الطب. وفي طب الأسنان وعلم النفس]
(2) العربية والهندسة:
إن ارتباط البحث اللغوي بفروع الهندسة صار ارتباط جوهريا منذ زمان غير قريب، غير أنه تطور في العقود الأخيرة تطورا كبيرا وبخاصة في مجال الرياضيات والفيزياء والهندسة الكهربية، وليس ثمة حاجة إلى التذكير بأهمية هذه الفروع في درس الأصوات، على أننا قد نكتفي هنا بالأشارة إلى التكامل المعرفي الضروري بين اللغة والحاسوب، وقد عرضت لهذه القضية أوراق بحثية كثيرة في هذا المؤتمر وفي غيره من المؤتمرات، غير أن التوجه لا يزال ينحصر في أيسر التطبيقات كالفهرسة والمعاجم الإلكترونية وغيرها -والأمر أكبر من ذلك بكثير- فالذي لا شك فيه أن «الحاسوب» صار سمة أصيلة من سمات العصر، والتكامل بينه وبين اللغات أصل من أصول النشأة، والنتائج في العالم المتقدم ماثلة فيما نراه من هيمنة في العصر الحاضر -والمجال واسع جدا وهو يتطور تطورا سريعا- وسوف أكتفي بالإشارة إلى واحد فحسب هو الذخائر أو المدونات أو المتون اللغوية corpra وقد دعا إلى ولوجها أهل الهمة من إخواننا علماء المغرب والجزائر، ولكن الأمر لا يزال على ما نعرف وبخاصة فى المشرق العربي حيث القدرات البشرية والمالية. لقد أصبح الأمر ميسرا أن نخزن في الحاسوب كل ما جرى أداؤه بالعربية منذ العصر الجاهلي إلى الآن بتنوعاته المختلفة، لكن المسألة لا تكمن في عملية الخزن بل في المعالجة، وهنا يبدأ التكامل المعرفى الحقيقي.
إن الأمر يتقضي تطورا في العقل اللغوي العربي بحيث ينغمس في وصف علمي حقيقي لأنظمة العربية في الصوت والكتابة والصرف والتراكيب والدلالة، وأن يجرى ذلك مع الحاسوبي وبخاصة في البرمجة للتواصل إلى أنظمة متقنة للمعالجة، ولقد ثبت أن هذا التكامل يفضي إلى نتائج مهمة جدا نجتزئ منها ما يلي:
أ - التوصل إلى نسب الشيوع في الألفاظ والتراكيب والمصاحبات اللغوية الوظيفية والمعجمية، ولقد صار ذلك أصلا من أصول صناعة المعاجم اللغوية على اختلاف أنواعها من معاجم الأطفال إلى المعاجم الكبيرة والمعجم التاريخي.
وهو أيضا أصل لا يمكن الاستغناء عنه في اختيار المواد التعليمية للعربية لغة أولى وللعربية لغة أجنبية في مراحلها المختلفة وعلى تنوع السياقات التعليمية.
وقد أشير هنا إلى البرنامج الحاسوبي المشهور في تعليم اللغات الأوربية المعروف بــ CALL.
Computer assisted language learning.
الذي بدأ البحث فيه عام )1965م (في الولايات المتحدة وقد تطور الآن -في أشكاله الأوربية- بما غير عملية التعليم اللغوي تغييرا كبيرا إذ أسهم في توفير نصف الوقت الذي كان ينفق في التعليم التقليدي الذي لا يزال سائدا في بلادنا واستثماره في تنمية التعليم الاتصالي للغة Communicative approach.
ب - الإسهام الجوهري في برنامج الترجمة الآلية machine translation التي أصبحت الآن ضرورية في العالم الجديد لأسباب اقتصادية وثقافية وسياسية، وما أريد أن أحدثكم عن معاناة العالم المتقدم من نقص الخبرة العربية في هذا الحقل المعرفي.
أيها السادة:
إن الحديث عن العربية والتكامل المعرفي واسع ومتشعب، وما عرضناه كاف للدلالة على ما أردناه من أن تحديات العصر تقتضي تغيرا نوعيا في أنماط التفكير وفي شكل الحركة ودرجة الإيقاع، وكل أولئك حقيق بأهل هذه اللغة بريادة أسلافنا في ذلك وبالمحاولات الفردية الحيية التي تجري في بلادنا.
والسلام عليكم ورحمة الله.
أ.د عبده الراجحى
عضو المجمع











اللغة العربية
في إطار متطلبات الجامعة
[مستل من ندوة تدريس اللغة العربية في الجامعات المصرية، 10 – 11 مايو 1999]
أ.د: رشدي أحمد طعيمة (كلية التربية - جامعة المنصورة)
أ.د: عبده الراجحي (كلية الأداب - جامعة الإسكندرية)
أ.د: فتحي يونس (كلية التربية - جامعة عين شمس)
أ.د: محمود الناقة (كلية التربية - جامعة عين شمس)
المنطلقات:
1- لا يستطيع أحد أن ينازع في الحالة المتدنية لمستوى الأداء بالعربية في مصر وفي العالم، والأمر أكثر وضوحا بين طلاب الجامعات لأسباب معروفة ليس هذا موضع تفصيلها.
على أنه من المهم أن نؤكد أن هذه الحالة لا ترجع إلى «العربية» ذاتها؛ فهي لغة «طبيعية» شأن غيرها من اللغات الطبيعية، وإنما يرجع إلى تلك الأسباب المعروفة، ومنها حالة «تعليم العربية» في التعليم العام والتعليم الجامعي على السواء.
ونود أن نؤكد أيضا أن «تعليم اللغة» مشكلة تعاني منها كل اللغات دون استثناء ومنها لغات البلاد المتقدمة، لكن هذه البلاد تدرك أن تعليم اللغة «علم» له أصوله ومناهجه وأدواته، وأن السعي لا يتوقف من أجل محاولة التصدي لهذه المشكلة.
2- وإذا كانت الشعوب المتقدمة تعتز بلغاتها وتبذل ما في الوسع من أجل الحفاظ عليها ورفع مستوى الأداء بها، فإن العربية أحق منها جميعا لأنها اللغة التي جاءت تحمل «كلام» الله في الرسالة السماوية الخاتمة، واستطاعت أن تحمل -دون ضعف- حضارة عريقة امتدت قرونا طويلة، وانتشرت في بقاع كثيرة من الأرض، وأسهمت إسهاما مباشرا في قيام الحضارات الإنسانية المعاصرة.
وإذا كانت نهاية هذا القرن الميلادي تشهد تحولات هائلة في أنماط الحياة الإنسانية، وبخاصة في إطار «العولمة» التي قد تفضي إلى إنعدام الحواجز والحدود؛ فإن التمسك بالهوية الثقافية يصبح أمرا جوهريا لا محيد عنه، ومن المستحيل أن يتحقق ذلك إلا عن طريق اللغة، والأمر في شأن العربية فرض «عين» يأثم كل من لا ينهض به.
3- إن صحة الأداء اللغوى لا ينبغي أن يكون مقصورا على المتخصصين بل يجب أن يكون عاما شائعا بين المتعلمين من أبناء المجتمع وبخاصة أولئك الذين يتخرجون في الجامعة وهم الذين يحملون العبء الأكبر في تنمية المجتمع ونهضته، ونود أن نؤكد أن أي حديث عن التنمية سوف يظل عاجزا مالم يستند إلى تعليم قوى للغة القومية، ذلك أن تعليم اللغة لا يهدف إلى صحة الأداء فحسب ولا إلى تقوية الانتماء إلى ثقافة الأمة فقط، وهما مطلبان جوهريان، لكنه فى الوقت نفسه هو الذي يسهم بقوة في اكتساب الفكر العلمي وأسس التفكير المنطقي التي لا تزدهر إلا حين تمارس باللغة القومية.
4- إذا أردنا أن تكون هذه المقررات مؤدية إلى النتائج التي يتطلع إليها المجتمع، فإن ذلك لابد أن يستند إلى دراسة متصلة متأنية، وإلى تخطيط محكم، وإعداد سليم، ووضع نظام قوي للإشراف والمتابعة والتحكم في جميع عناصر هذه العملية من أولها لآخرها.
توجيهات عامة :
1- يعد مقرر اللغة العربية لغير المتخصصين في الجامعات متطلبا جامعيا يلزم جميع الطلاب غير المتخصصين -ومتطلبات الجامعة- كما هو متبع في جامعات الساعات المعتمدة - متطلبات «ثقافية» الطابع، تهدف إلى بناء طالب الجامعة باعتباره إنسانا، تقدم له من المعارف، والقيم والاتجاهات، والمهارات ما هو ضروري له باعتباره مثقفا واعيا، منهجي التفكير، يمتلك من مهارات الاتصال ما يمكنه من أداء دوره بدرجة عالية من الفاعلية والبناء.
ومن ثم فإن إعداد هذا المقرر لغير المتخصصين يجب أن يتحرر من الجوانب التخصصية التي تلزم طلاب اللغة العربية حتى لا يتحول إلى عبء أكاديمي، مع إدراك ما بين الطلاب غير المتخصصين أنفسهم من فروق.
2- لذلك كله نقترح أن يكون مقرر اللغة العربية لغير المتخصصين على مستويين؛ لكل منهما عام دراسي، وهما:
أ) المستوى العام: في السنة الأولى، يمثل القدر المشترك لجميع طلاب الجامعات على اختلاف تخصصاتهم، يزودوهم بالمهارات اللغوية، والأدبية، والثقافية العامة.
ب) المستوى الخاص: في السنة الثانية، ويهدف إلى تطويع المقرر بحيث يوائم التخصصات المختلفة، وثمة عرف على أن هذه التخصصات يمكن تصنيفها إلى:
* الدرسات الإنسانية والاجتماعية:
وتشمل: الآداب، والحقوق، والتجارة، والتربية، والإعلام، والألسن، والسياحة...
* الدراسات التطبيقية:
وتشمل الطب البشرى، وطب الأسنان، والصيدلة، والتمريض...
3- في ضوء هذا التقسيم نقترح تدريس اللغة العربية فى الجامعات في السنتين الأولى والثانية بواقع ثلاث ساعات أسبوعيا.
4- يجب إعداد توصيف دقيق للمقرر على مستوييه: العام والخاص، بتقديم خطة دراسية تشتمل على:
أ) بيانات عامة عن المقرر: اسمه، السنة الدراسية، عدد الساعات، الأهداف العامة، الأهداف الخاصة، ثم المهارات: اللغوية، والأدبية، والدراسية.
ب) المحتوى: اللغوي، والثقافي.
جـ) طرق التدريس.
د) الوسائل والتقنيات.
هـ) التقويم.
5- إن نجاح هذه المقررات يتوقف على وضع نظام قوي يلتزم فيه المشتركون -وبخاصة أعضاء هيئة التدريس- تنفيذ جميع عناصر المقرر من حيث الخطة والكتاب والمقرر وطرق التقويم، إن أي خلل أو تهاون في أي عنصر من هذه العناصر سوف يدمر العملية بأكملها، وسوف يدعم أصوات الذين يرون عبثية هذه المقررات.
الكتاب المقرر :
يعتمد بناء أي كتاب على عدة أمور ينبغي أن تراعى وهي:
1- الأهداف التعليمية والثقافية المحددة للكتاب.
2- المحتوى الذي يترجم هذه الأهداف.
3- المعالجة التي يتم بها تناول هذا المحتوى لتحقيق الأهداف التعليمية الخاصة بهذا الكتاب.
4- الإخراج المناسب.
ومن المعروف أن:
المواد التعليمية تعد ترجمة للأهداف المحددة لأي مقرر، ومقرر اللغة العربية المقترح تقديمه لطلاب الجامعات المصرية يهدف إلى عدة أمور منها:
- الفهم الدقيق لما يقرأ.
- التعبير الدقيق عن الأفكار والمعلومات.
- الاستخدام الصحيح لقواعد اللغة صرفا ونحوا وبلاغة.
- الاتصال بالأدب العربي وتذوقه.
- تنمية الانتماء للثقافة العربية والإسلامية.
- تنمية الاعتزاز باللغة العربية أداة للثقافة والعلم ومواجهة المتغيرات المختلفة والطارئة.
وللوصول إلى تحقيق هذه الأهداف يمكن أن نقترح المجالات التالية لتكون المحتوى الأساسي للمقرر:
- موضوعات من معالم التراث العربي الإسلامي في الميادين المختلفة (العلوم - الأدب - السير - التفاسير... إلخ).
- موضوعات من أهم المصادر الأساسية في الثقافة العربية (فهارس - معاجم - كتب الطبقات - نصوص من أمهات الكتب في التراث العربي: الأغاني - الأمالي - العقد الفريد... إلخ).
- نصوص مختارة من العصر الحديث.
- موضوعات عن اللغة والتعريب وقضايا العصر المختلفة.
وفي ضوء هذا المحتوى تتم معالجة الأهداف اللغوية من خلال الالتفات إلى تنمية المهارات التالية:
1- القراءة المستوعبة.
2- القراءة الناقدة.
3- القراءة الابتكارية.
4- التلخيص.
5- كتابة التقارير.
6- التحليل - الاقتباس - العرض - تسجيل النقاط الرئيسية - استخدام مصادر المعلومات المختلفة... إلخ.
7- إكساب الطالب مهارات الاتصال بالتراث العربي وتحقيق التكامل بينه وبين مجالات الثقافة المختلفة.
8- استخدام قواعد اللغة في القراءة والكتابة (من خلال تدريبات مرتبطة بالموضوعات المقترحة) لكن هذا لا يمنع من أن يفرد لبعض القواعد وقت خاص ومعالجات خاصة.
9- تذوق الأساليب البيانية المختلفة في النصوص المقدمة مع الإشارة إلى المباديء التي تحكم البلاغة العربية والنقد الأدبى.
اختيار المحتوى اللغوى للكتاب:
وتبرز التساؤلات التالية:
1- هل يتم اختيار المحتوى اللغوي للكتاب (النحوي، والبلاغي) بناء على دراسة مسحية للمستوى اللغوي لطلابنا في الجامعات المصرية؟ علما بأن هذا يتطلب إعداد اختبار كفاءة اللغة بجوانبه المختلفة وتطبيقه على عينة ممثلة من طلاب الجامعات المصرية، ثم تحديد الأخطاء الشائعة لتصبح أساسا للمحتوى اللغوي للكتاب.
2- أو هل يتم اختيار المحتوى اللغوي للكتاب بناء على مقترحات الخبراء في هذا المجال؟
3- أو هل نعتمد على أساسيات قواعد النحو والبلاغة في المصادر الأساسية لهذين الجانبين؟
وهذه أسئلة تحتاج إلى مناقشة للوصول من خلالها إلى الأسلوب الأمثل والممكن.
الكتاب والمصادر الأخرى:
لا شك أن الكتاب يعد الحد الأدنى لأي معرفة فى الجامعات الحديثة إذ بجانب الكتاب المقرر توجد مصادر أخرى للمعرفة منها:
- الكتب الإضافية المماثلة.
- الصحف والدوريات والمجلات.
وعلى هذا يقترح أن تكون هناك بجانب الكتاب مواد أخرى يقترحها المعلمون من مقالات مشاهير الكتاب والأدباء والمفكرين إثراء للكتاب المقرر ودعما لدوره في تحقيق الأهداف.
الوقت المقترح لتدريس الكتاب المقرر:
يقترح أن يقدم هذا المقرر في عامين حتى يمكن للطلاب أن يتمكنوا من تحقيق الأهداف والمهارات المشار إليها من قبل، خاصة أن الدراسات في هذا الشأن تشير إلى ضعف المستوى اللغوي لطلاب الجامعات على المستويات المختلفة، ويقتضي هذا أن يعد الكتاب من جزءين للسنتين الأولى والثانية من الدراسة الجامعية.
تأليف الكتاب بجزئية:
يقترح أن تتكون لجنة لتأليف الكتاب من:
1- المتخصصين في علم اللغة التطبيقى.
2- المتخصصين في علوم اللغة وآدابها.
3- المتخصصين في مناهج وطرق تدريس اللغة العربية.
توجهات خاصة باستخدام الكتاب، وتقويم الطلاب:
يقترح:
أولا: فيما يتعلق باستخدام الكتاب:
أن يطبق أولا لمدة عام على عينة ممثلة من الجامعات وتسجيل ردود الفعل من المعلمين والطلاب بأداة خاصة، وذلك حتى يتسنى مراجعة الكتاب وتطويره فى ضوء تجريبه.
ثانيا: فيما يتعلق بتقويم الطلاب:
أن تشكل لجنة خاصة للإشراف على إعداد اختبار واحد يطبق على جميع طلاب الجامعات حرصا على توحيد مستوى الاختبار وتحقيق الفرص المتكافئة لجميع الطلاب.
المعلم:
يتطلب تنفيذ مقرر اللغة العربية المقترح تدريسه بالجامعات التفكير الجاد في المعلم الذى سيدرس؛ إذ نعتقد أن نجاح هذا البرنامج يعتمد بدرجة كبيرة جدا على المعلم الكفء ومن هنا نتناول في هذه الورقة:
أ) المستوى العلمي لهذا المعلم.
ب) كفاياته التدريسية.
جـ) الجهة المسئولة عن إعداده وتدريبه.
أ- المستوى العلمى:
نرى أن يكون المعلم:
متخرجا في:
- أحد أقسام اللغة العربية بكليات الآداب والألسن.
- دار العلوم.
- حاصلا على درجة دكتور في اللغة العربية وآدابها، أو في طرائق تدريس اللغة العربية، وإن لم يتوافر العدد الكافي من الحاصلين على الدكتوراه لأداء هذه المهمة، يمكن الاستعانة بالحاصلين على درجة ماجستير في اللغة العربية وآدابها، أو في طرائق تدريسها، ويعامل الأخير مدرس لغة خارج الهيئة حسب الكادر الجامعى.
ب- الكفايات التدريسية:
وقبل أداء هؤلاء وأولئك للتدريس لابد من مرورهم بدورة تدريبية لإعدادهم مهنيا وتربويا لأداء مهمة تدريس اللغة العربية في الجامعة، ويقترح أن تتضمن الدورة المسائل التالية:
1- اللغة العربية في التعليم الجامعي (طبيعتها - فلسفتها - أهدافها - الحاجة إليها... إلخ).
2- المقرر المقترح (فلسفته - وأهدافه - ومحتواه - وتقويمه).
3- استراتيجيات التدريس الجامعي.
4- التدريب على كيفية مهارات الدراسة عند الطلاب (القراءة الناقدة - التلخيص - تحليل النص - تسجيل الأفكار والمذكرات - أداء الامتحانات - كتابة المقال... إلخ).
5- التكامل وطبيعة اللغة (كيف نقدم النحو في سياق لغوي غير منفصل أو مستقل)، (كيف نحلل النص الأدبي من خلال سياق أدبي).
6- التدريب على صياغة الأهداف السلوكية بكفاءة.
7- التدريب على استخدام التقنيات الحديثة وبخاصة البرامج الحاسوبية التى سوف يتضمنها المقرر.
8- التدريب على التدريس باستخدام أسلوب التدريس المصغر.
9- التقويم اللغوي (مجالاته - أساليبه وفنياته - أدواته).
جـ- الجهة المسئولة عن إعداد المعلم وتدريبه:
وفي سياق حديثنا عن هذا المعلم نقدم عدة تساؤلات:
- ما الجهة التى تعد هذا المعلم وتدربه؟
- من سيتولى تدريب هذا المعلم واجتيازه؟
- من سيتولى متابعة هذا المعلم ميدانيا؟
وللإجابة عن الأسئلة السابقة نوصي بما يلي:
1- إنشاء مركز يتبع المجلس الأعلى للجامعات يوكل إليه:
أ) إعداد المقرر.
ب) اختيار المعلمين.
جـ) تدريب المعلمين.
د) متابعة المعلمين.
هـ) إعداد الاختبارات النهائية.
و) تطوير المقرر.
وتكون له فروع في أقاليم مصر لمتابعة ما يؤديه المركز الرئيسي.
2- اختيار مجلس إدارة للمركز من متخصصين مشهود لهم بالكفاءة في ميدان علم اللغة التطبيقى وفي ميدان مناهجها وطرق تدريس اللغة العربية.
وفي سياق حديثنا عن المعلم إعدادا وتدريبا نرى أن هذا الأمر يتطلب فترة زمنية كافية (سنتان على الأقل) لإعداد العدد الازم من المعلمين وتدريبهم، وإعداد المقرر المقترح وتجريبه على عية ممثلة.
ولكى يحقق هذا البرنامج أهدافه يقترح أن يتم التدريس فى مجموعات صغيرة إذ إن الدروس ذات المجموعات الكبيرة غير مناسبة لتدريس هذا النوع من المقررات، لأنه لا يتم من خلالها التفاعل المطلوب لتنمية المهارات اللغوية المختلفة كالقراءة والكتابة، ومناقشة الأخطاء.











متعة كسر القواعد وعدم الانضباط
[مقالة نشرت بجريدة «الأهرام» المصرية، 22 من رمضان 1418 هـ - 20 من يناير 1998 م، صفحة: 20]
ما من «سلوك مرفوض» إلا وراءه «شهوة» تصم الفرد، والمجتمع بالتأخر، وتكشف عن نقص حقيقي في فهم الإسلام.
من أوضح أنماط الرغبة في كسر القواعد، وعدم الانضباط ما نراه كل لحظة من التعامل مع قواعد «المرور» و«المواصلات العامة»، وهي «شهوة» غريبة تكاد تبدو عصية العلاج.
يضع رجال المرور «قواعد السير» من إشارات ضوئية، وخطوط أرضية؛ للتوقف، وإشارات؛ لوقوف المركبات، أو لاتجاه السير، ويراقب تنفيذ ذلك رجال من الشرطة جالسون في أكشاك، أو واقفون.
ومع ذلك كله تتغير «الإشارة الخضراء» إلى «الحمراء» إعلانا بالتوقف، ولا يتوقف سيل السيارت إلا بعد «جهد» من رجال الشرطة الواقفين، الذين يكادون يستخدمون أيديهم لإيقافهم.
وتجد «لوحات ظاهرة» تحمل «عدم الوقوف قطعيا» لكنك تجد السيارات واقفة في هذا المكان على وجه الخصوص، بل تكاد السيارات تحتل «أرصفتنا» وليس أمامنا ولا أمام أولادنا إلا المغامرة في نهر الطريق.
أما السير على «عكس الاتجاه» فحدث عنه ولا حرج، وقد توقف العقلاء عن تنبيه المخالفين؛ لأنهم أدركوا أن ما ينتظرهم قد يزيد على كسر القانون بكثير.
ولا يتمتع أصحاب السيارات وحدهم «بمتعة كسر القواعد»؛ بل إن «المشاة» ينافسونهم ويفرضون واقعهم، وشوارعنا لا تحتاج إلى شرح في هذا المجال، وأما «التقافز» من المركبات العامة أثناء السير، والسفر باعتلاء أسطح القطارات والتعلق بجوانب القطارات ذاتها فما ندري إلى أي أنماط السلوك تنتمي؟
ومن العجيب أن معظم هؤلاء يَغْشُون «المساجد» و«ينخرطون» في صفوف خلف الإمام الذي يرفع صوته بالمبدإ الإسلامي العظيم: (استووا واعتدلوا، استقيموا يرحمكم الله)، فماذا يفهم المسلمون الآن من هذا النداء العظيم؟
إن «استواء الصف» في الصلاة ليس سوى «رمز» لاستواء مجتمع المسلمين، وما الاستواء والاعتدال والاستقامة إلا «الانضباط»، واحترام «القواعد» التي يستقر عليها «أهل الرأي» لصلاح المجتمع وتقدمه.









المجامع اللغوية ومؤسسات التعليم
[مجلة مجمع اللغة العربية، العدد 112، ألقيت هذه المحاضرة في الجلسةالثالثة عشرة
من جلسات مؤتمر المجمع في دورته الثالثة والسبعين، يوم الأحد: 6 من ربيع الأول
سنة 1428 هـ، الموافق 25 من مارس «آذار» سنة 2007 م]
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله تعالى، ونستعينه، ونستهديه، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد..
فهذا موضوع لا يقتضي تاريخا ولا توثيقا؛ لأن علاقة المجامع اللغوية بالمؤسسات التنفيذية غائبة غيابا يكاد يكون مطلقا، وما أريد أن أجري هذا التعميم على المجامع كلها، غير أني أحكم بما غلب عليه ظني من أمر علاقة المجمع القاهري -وهو المجمع الأكبر- بهذه المؤسسات.
ولست أعرف من الناحية الأخرى حهة تنفيذية ما حاولت أن تتصل بالمجمع في شأن من شؤون العربية مما يعرض لها من مشكلات في الاستعمال، وقد يكون من النوادر ما جرى من وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية حين لجأت إلى كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -وليس في الممكلة مجمع للغة العربية- تستفتيها في إلحاق أسماء الأعلام «أل» التعريفية مثل: السالم، والراجح، والعبد الله، والعبد العزيز.
وقد تكون هذه حالة إيجابية يتيمة لعلاقة جهة تنفيذية ما بمجمع لغوي أو ما يقوم مقامه في أمور العربية.
والحق أن التصور الشائع الذي وقر عند الناس وعند الهيئات التنفيذية على وجه الخصوص أن مجمع اللغة العربية مكان بعيد تلتقي فيه رؤوس كبيرة تنكب على لفظة ما، أوصياغة تعبير ما، أو إيجاز استعمال ما، ومن الخير لهذه الهيئات أن تنأى بأنفسها عن المجمع لما «توجسه» في نفسها مما قد توقعها فيه هذه العلاقة من عنت. بل إن تعريب المصطلحات الذي يجري في اللجان المتخصصة بالجمع -وهي من أكثر اللجان نشاطا وإنجازا- يظل حبيس المعاجم التي يصدرها المجمع، ولا تتدفق هذه المصطلحات عروق الحياة العلمية في مصر لتكتسب الحياة من التنفس الطبيعي في الاستعمال، ولا يزال تعريب المصطلحات يجري على يد الباحث المفرد، أو الهيئة المفردة في أحسن الأحوال.
أيها السادة:
ما ينبغى لي أن أفيض في هذا الأمر فهو معلوم من الواقع بالضرورة.. ومن ثم أدلفت مباشرة إلى موضوع هذا الحديث..
أيها السادة:
ليس من بينناأحد يشك في أن أهم قضية تواجه العالم العربي قضية التعليم، فإما أن يكون لدينا تعليم حقيقي ملائم وإما ما تعلمون جميعا، وليس من بيننا أحد يشك في أن تعليم اللغة الأولى قلب أي تعليم، وحين يصيب هذا القلب خلل ما ينهار هذا التعليم من أساسه.
ووضع «العربية» في التعليم الآن وضع ينذر بسوء العاقبة مما لا تكفي معه الاستعاذة ونحن صامتون.
وتعليم اللغة -أيها السادة- أصبح الآن «علما» له أصوله ومنهجه وأدواته، وهو من أهم العلوم «البينية»inter disciplinary في عصرنا، وإذا كان يقال إن «اللغة» أخطر من أن تترك للغويين فإننا نؤكدأن تعليم اللغة أكثر خطورة من أن يترك للتربويين. غير أني أود أن أسرع فأؤكد أيضا أن مجمع اللغة العربية ليس «بيت خبرة» في تعليم العربية إذا قصدنا إجراءات التعليم في تأهيل المعلم وإعداد المواد التعليمية واختيار الطرق وغير ذلك، لكن مسؤولية المجمع تسبق كل ذلك فيما نوضحه بعد قليل. وهنا قد تسمحون أن أن أشير إلى مصطلحين:
الأول: مصطلح «السلطة اللغوية» linguistic authority وقد أطلقه بعض المعاصرين يناقشون به أحقية المجامع في فرض ما تصدره من قرارات عن الألفاظ والتراكيب، وكلنا يعلم ألا سلطة في اللغة إلا سلطة الاستعمال. غير أني أود أن نبسط هذا الاصطلاح لنعني به أن تكون للجمع «سلطة» ما حقيقية ومؤثرة حين يتصل الأمر بالقرارات الكبرى في شأن شؤون العربية.
الثاني: مصطلح «التخطيط اللغوي» language planning وهو مصطلح كان اللغويون يعنون به أول الأمر ما يعرض لبعض المجتمعات من مشكلات لغوية خطيرة كانتشار لغات مختلفة في بيئة ما، واختلاط اللغات في المناطق الحدودية وغير ذلك. لكن هذا المصطلح يعني الآن ضرورة وجود هيئة حكومية عالية تنوب عنها هيئة علمية مختصة تكون مسؤوليتها الأولى بحث القضايا الكبرى في كل أمر من أمور اللغة القومية، وفي صدرها أوضاع هذه اللغة في التعليم.
ويكاد يجمع أصحاب علم اللغة التطبيقي الذي ينتمي إليه تعليم اللغات أن القرارات التي تتصل بتعليم اللغة تجري على مستويات ثلاثة؛ أولها المستوى السياسي والتشريعي، وثانيها المستوى الإداري، وثالثها المستوى الإجرائي في قاعة الدرس.
والمستوى الأول الأول أهمها جميعا؛ لأنه يحدد مستوى الأداء اللغوي في تعليم اللغة القومية، ويحدد اللغات الأجنبية التي يُسمح بتدريسها، ومتى يُبدأ في تعليمها إلى جانب اللغة الأولى، ويحدد الميزانيات الكافية للتنفيذ.

وهنا نرى مسؤولية مجمع اللغة العربية، إذ ينبغي أن يكون الهيئة التي تنوب عن الحكومة في التخطيط اللغوي للعربية، أو على أقل تقدير في الاشتراك الفاعل في هذا التخطيط، وأن تكون له فى الوقت نفسه «سلطة» لغوية ذات تأثير.
وتواجهنا في هذا الأمر مشكلات عاجلة لا تحتمل تأخيرا ولا تحتمل الارتكان إلى «الرجاء» بل تقتضي جهادا حقيقيا أصبح فريضة حاضرة واجبة الأداء.
أما الأولى فهي مشكلة العربية في التعليم العام، ولا نفيض في وصف المشكلة فقد أفاض فيهاكثيرون وأشار إليها الأستاذ الدكتور كمال بشر في مُفتتح العيد الماسي؛ على أنه ينبغي أن «نبرز» التحول الخطير في التعليم العام حين يصبح «التعليم الخاص» هو الأساس، وهو الذي يسعى أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم به، والتعليم الخاص -شأنه شأن أي مؤسسة اقتصادية- ينهمك في التنافس جذبا لأكبر عدد من العملاء، غير أن هذا التنافس يكاد يتوجه وجهة واحدة هي الاجتهاد في صبغ التعليم صبغة أجنبية من حيث اللسان، بل لا نكاد نسمع عن «حضانة» أو«روضة من رياض الأطفال» تحمل اسما عربيا، وأصبحت الأسر المصرية -على اختلاف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية- تتفاخر بإلحاق أبنائها هذا النوع من التعليم. على أن التعليم الحكومي نفسه قد انجرف إلى هذه الكارثة، فبدأنا نرى مدارس حكومية تسمى مدارس لغات نموذجية، ووصفها بالنموذجية يصم المدارس العربية بالعبثية والتخلف بما يفضي إليه من مشكلات نفسية قد يصعب علاج آثارها في المستقبل القريب.
أيها السادة:
إن أهم خصائص «المواطنة» أن يشترك الناس جميعا في أمور وطنهم، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود «أساس» ثقافي ومعرفي مشترك يطلق عليه المختصون «الجذع» الثقافي للوطن، وهذا الجذع يتأكل كل يوم بفعل الواقع البائس للتعليم العام.
وتجنبا للإفاضة في الموضوع نقترح أن تكون أمام المجمع الآن مهمة عاجلة ينكب فيها على دراسة أوضاع العربية في المرحلة الأولى من التعليم العام. ونعني بها مرحلة ما قبل المدرسة ثم المرحلة الابتدائية، ونقترح فيها ما يلي:
1- تحريم استخدام الورق والقلم في مرحلة رياض الأطفال والاقتصار على اكتساب مهارتي الاستماع والحديث.
2- تحريم تعليم اللغات الأجنبية قبل سن التاسعة وهو ما نرجو أن نعرض عليكم في الدورة المقبلة إن شاء الله الدراسات العالمية في هذا الشأن بناء على بحوث في «المخ» وفي علم النفس العصبي neuropsgch ology وفى علم الفسيولوجيا الكهربية.
3- تحريم تعليم المواد الأخرى كالعلوم والرياضيات بلغة أجنبية.
4- تعريض التلاميذ لأكبر قدر من العربية في إطار متكامل من المهارات الأربع من تقديم المعالم الكبرى للإبداع في التراث العربي فى لغة «ميسرة» منتفعين بما اكتسبته الأمم الأخرى من خبرات علمية في هذا المجال.
أيها السادة:
إن التصدي للمرحلة الأولى في التعليم العام قد يعيننا أن نتخطى المشكلات المزمنة في التعليم المتوسط والتعليم الثانوي وبخاصة فيما نحن فيه من بؤس تعدد الشهادات التي تؤهل للتعليم الجامعي من ثانوية مصرية وشهادة إنجليزية وألمانية وفرنسية ودبلومة أمريكية ثم تدعون إلى ثقافة «المواطنة» فأنى يستجاب لكم...

أما المشكلة الثانية وهي مشكلة التعليم الجامعي فلن أعرض لها في هذا الحديث، لكني أكتفي بتذكيركم بمادة واحدة من قانون الجامعات في مصر...
تقول المادة )168 (من الباب الخامس:
«اللغة العربية هي لغة التعليم فى الجامعات الخاضعة لهذا القانون وذلك مالم يقرر مجلس الجامعة في أحوال خاصة استعمال لغة أخرى.
ويكون أداء الامتحان باللغة التي يدرس بها المقرر، ولمجلس الكلية في أحوال خاصة أن يرخص للطالب في الإجابة بلغة أخرى بعد أخذ رأي مجلس القسم أو الأقسام المختصة.
وتوضع رسائل الماجستير والدكتوراه باللغة التي يحددها مجلس الكلية بعد أخذ رأي مجلس القسم المختص. وفي جميع الأحوال يجب أن تكون الرسائل مشفوعة بموجز واف باللغة العربية وآخربلغة أجنبية».
أيها السادة:
إن قراءة هذه المادة كافية وحدها في تصوير المشكلات الكبرى في التعليم الجامعي في مصر وفي العالم العربي، ولعلنا حين نراجع قوانيننا وبخاصة في التعليم فلن نجد مادة تخلو من كلمة «إلا» أو«يجوز» أو«مالم...»، وحين يرى الناس هذه التعبيرات في قانون ما فإنهم يدركون -على الفو- أن مابعد «إلا» هوالأصل وأن ما قبلها هو المستثنى... بل يدركون أن تحت هذه التعبيرات تنشط شياطين العبث والفساد...


أيها السادة:
خلاصة القول أننا ندعو أن تتخلص المجامع اللغوية من أوضاعها الراهنة، وأن تسعى إلى أن تكتسب واجباتها الحقيقية بأيديها، بأن تكون هيئات ذات سلطة لغوية تشرف بها على «التخطيط» لكل شؤون العربية، وأن تنغمس في إجراء دراسات شاملة عن تعليم اللغة الأولى في العالم العربي وفي البلاد المتقدمة، ومن ثم تكون المرجع الأساسي في القرارات السياسية والتشريعية في أمور العربية كلها.
أ.د.عبده الراجحى
عضو المجمع









مسايرة العالم.. مع فهم القديم فهماً جيداً
[لقاء أجرته مجلة «العلم الثقافي» بتونس، صفحة: 1 - 2، العدد 563، الجمعة 17 رجب 1401 هـ - 22 ماي 1981 م]
س - قارنتم في كتابكم الأخير )النحو العربي والدرس الحديث( بين مناهج النحاة العرب القدامى ومناهج المحدثين في الغرب، فما[...] نقطة الاختلاف والاقتران التي توصلتم إلى ملاحظتها؟
ج - في الكتاب الذي أشرت إليه وهو )النحو العربي والدرس اللغوي الحديث( ركزت على فكرة أساسية، وهي أن بعض الناس يتصورون أننا يمكن أن نكتفي بالنحو العربي، ونقتصر عليه وحده، دون أن نتصل بما يجد في العالم من محدثات علمية، والبعض الآخر يتصور أنه ينبغي أن ندفن هذا النحو العربي القديم إلى الأبد، وأن نأخذ ما يأتي به الغربيون دون أن نلتفت إلى هذا الذي كان أي التفات، ونطبق على اللغة العربية هذا الجديد، لذلك حاولت أن أقدم هذا النوع من المقارنة لا من أجل المقارنة، ولكن لأؤكد أن الحياة الإنسانية لابد أن تعتمد على ما عندها أولاً، وعليها أيضا ألا تغمض عينها على كل ما يحدث في العالم، وأن تتصل به وتعرفه وأن تتمثله، وأن يصدر عنها بعد ذلك أي تطور صدورا داخليا ممتزجا بمكوناتها الذاتية، وعملية المقارنة أدت إلى أن الناس يستعجلون الحكم على الأشياء، [و] النحوالعربي صار هو صلب الحديث حينما بدأ يظهر في العالم العربى. كان أول شيء صنعه باحثون معاصرون، أنهم نقدوا النحو العربي، لم يحدث في هذا الشأن عمل بناء إيجابي في دراسة اللغة، لكن كل أو معظم الجهود تركزت في توجيه اللوم والنقد للنحو العربي من خلال علم اللغة الحديث أو البنائية على وجه الخصوص في الوقت، أوعلم اللغة الوضعي كما يسميه بعض الناس، وبعد ذلك تبين أن علم اللغة التحويلي التوليدي حين ظهر وجدنا أن ما كان يعيبه المحدثون ومن بين آثار هذا الاستعجال أن علم اللغة [و] النحو التحويلي والتوليدي وما بين النظريات من الاختصار والإيجاز والتفصيل حتى تكون في متناول القارئ، والقصد هنا واضح جدا، وهو أنه إذا كنا فعلا نلاحق العالم، ونحاول أن نسير معه، وأننا بهذه الملاحظة يمكن أن نفهم قديمنا فهما جيدا، وأن نتقدم ونتطور.
س- نلاحظ عند مؤرخي اللغة الغربيين، عندما يؤرخون لدرس لغوي يبدأون بالهنود والصينيين واليونان والعصور الغربية الأوروبية كلها، لكن نلاحظ إهمالا بالنسبة لجهود العرب في الدرس اللغوى؟
فهل هذا الإهمال عند مؤرخي الدراسات اللغوية نتيجة جهل بالعطاء العربي في هذا الميدان، أو نتيجة كبرياء الغرب واستعلائه؟ أو نتيجة إحساس الغرب بتفاهة ما قدمه العرب؟
ما رأيك في غياب الدراسات العربية فيما كتبه الغرب؟ ولتأخذ أي كتاب «جورج مونا» في كل الجهود اللغوية، لا نجد فيها ما يبرز الجهد العربي في هذا الميدان؟
- للسؤال قيمة، رغم أنه قد يبدو للناس مسألة غير لغوية، لكنني أعتقد أن له قيمة وموجه لإخواننا الذين يقولون، علينا أن نلقي بكل القديم من تراثنا جانبا.. هذه القيمة تأتى من أين؟ أنا لا أقول إن الأوروبيين يجهلون النحو العربي أو يتجاهلونه، ومن هذا الجهل أو التجاهل لم يكتبوا عن النحو العربي ضمن تاريخهم لدرس اللغة في العالم؛ بل أقول، لماذا أرخ الغربيون الدرس اللغوي؟ لماذا؟ في الواقع أن هذه المسألة بعد اكتشاف «السنسكرتية» في القرن الثامن عشر مما وجه الدراسات اللغوية في الغرب توجيها مختلفا جدا عما كان قبل «السنسكرتية» عندما كانت دراسة اللغات الأوروبية تتم في ضوء اللاتينية، لكن بعد السنسكرتية بدأت عملية المقارنات وإعادة التشكيل وصياغة اللغات الأولى محاولة لتَتبُّع اللغات الأوروبية والعودة بها إلى أصولها الأولى، يعني الدراسات التاريخية أو التعقبية إلى غير ذلك.. السنسكرتية جعلت الأوروبيون يدركون أن اللغة الأوروبية ليست هي وحدها قائمة بذاتها، وإنما هي تتصل بمثيلات لها دما ولحما وقرابة، هي السنسكرتية، أي لغات أخرى غير موجودة في القارة الأوروبية نفسها، ومن هنا جاءت فكرة تقسيم اللغات إلى سلالات وعائلات لغوية، فبدأ اللغويون الغربيون يتهمون بهذه الدائرة بالذات، وهي دائرة اللغات الهندية الأوروبية، وانصب اهتمامهم على هذا.. وتاريخهم للدراسات اللغوية إنما كان في الواقع تاريخا لجهود الهنديين، لذلك نجدهم يتحدثون عن اليونان القدماء، عن الهنود، عن أوروبا في العصور الوسطى، عن مختلف المدارس اللغوية.. يعني أن هؤلاء الناس حين أرادو أن يؤرخون للدرس اللغوي كأنهم كانوا يريدون أن يقولوا: إننا نريد أن نؤرخ للدرس اللغوي في اللغات الهندية الأوروبية، وعملية الجهل يمكن أن تكون واردة في الحقيقة، لأن بعضهم غير مطلع على ما كتبه العرب في النحو، ويمكن أن يكون هذا بشيء من التحفظ، فعلى الأقل يجب أن نعلن أن كتاب سيبويه نفسه قد ترجم إلى اللغة الألمانية، وهو شيء غريب حقا.. أنا أعتقد أن المدرسة التحويلية التوليدية قد أشارت من بعيد حتى لا تعطي للمسألة قيمتها.
إن الدراسة للرواية العربية التي نسميها بالدراسة الكلاسيكية فيها أشياء كبيرة جدا، يمكن لو أنها طبعت لأدت إلى التقدم العلمي الكبير.. أقول هذا عن مسألة كيف يتجاهلون، ودورنا هو أن نبرز الدور العربي في فهم اللغة البشرية في العالم.
س- هل أفهم من هذا أنكم تدعون إلى إحياء النحو العربي بمعنى العودة إلى دراسته بالطرق القديمة، أم بمعنى استخدام الأدوات الحديثة في فهمه ودراسته؟
ج - أريد أولاً أن أفرق بين شيئين للقارئ العادي حتى لا يكون هنا تخصص، أن هناك فرقا كبيرا بين تعليم النحو، ودراسة النحو، فتعليم النحو أعتقد أنه حتى الآن مازال يسير في النظام القديم، لكن بطريقة صحيحة، بطريقة سهلة وعملية، ويمكن جدا أن يكون هذا النحو العربي في متناول الناس جميعا.. نحن ندعو لدراسة النحو العربي القديم دراسة كاملة وشاملة، بحيث يكون ميدان النحو واضحا جدا في أذهاننا، حتى لانحكم عليه حكما إلامن داخله، لكن شرط أن نكون على وعي بكل مايحدث الآن.. أنا لا أريد أن أطبق ماجاء به تشومسكي أو أطبق ما جاء به غيره على النحو العربي لكن لابد من الوعي بكل ما يحدث وأنا اقرأ.
ولابد أن تكون العيون مفتوحة، وليست هذه مسألة تطبيق، لأن كل شيء لابد أن يقرأ في ظروفه، لكن بأدوات تساعد على فهمه، وأعتقد أن أي حديث يمكن أن يساعد على فهم القديم لكن بدون الناس مهما أن تلبس الفكر العربي القديم أي لباس حديث ليس هذا هو المقصود.
س- هناك فرق بين أن ندرس النحو العربي أو أي نحو آخر بمنهاج حديث أو قديم، هذا يمكن أن نسميه تاريخا النحو، وبين علم اللغة الذي يقتصر على وصف حالة معينة أو لغة مجتمع معين في فترة خاصة، بمعنى أن هناك فرقا بين أن نقرأ تاريخ النحو وبين القيام بعملية وصف لما هو موجود في مجتمع من المجتمعات.
ج - يعنى إذا وصفنا اللغة في وقت بذاته كما يمكن أن يحدث الآن فهذا يؤدي فعلا إلى أننا نستغني عن النحو العربى القديم.. ويمكن أن نطبق منهاجا في دراسة اللغة العربية في دراسة لهجة من اللهجات الأخرى، لكن الذي أقصده هو أننا بدراستنا للنحو العربي القديم لا باعتباره تاريخا فحسب، ولكن باعتباره شيئا موجودا حمل هذه اللغة، هذه القرون الطويلة وبدراستنا له سنتمكن من تأسيس نظرية لغوية يمكن أن ندرس بها اللغة العربية في مستوياتها المعاصرة.
س- يعنى دراسة النحو العربي هي مادة ضرورية ومساعدة وأنها صلب اللغة.
ج - لا نستطيع أن نقول إنها صلب اللغة، كما أنني لا أريد أن أقول بأن علم اللغة هو صلب النحو.
س- بماذا يمكنكم تكوين الدرس اللغوى العربي المعاصر؟
ج - أهم ما يمكن أن نقوله هو أننا نقدر كل الجهود التي تمت في هذا الشأن حتى الآن في محاولة وصلنا بعلم اللغة الحديثة، وفي محاولة الدراسات التاريخية وغير التاريخية لمجهود العرب القدامى، لكنني أريد فقط أن أركز على السنوات الأخيرة، أريد فقط أن أركز على السنوات الأخيرة لأنه قبل هذه السنوات كان الاتجاه في العالم العربي طبعا في أجزاء من العالم العربي، وفي نطاق ضيق جدا هو الاتصال بعلم اللغة الحديث كما هو واضح في البنائية، وهذا العمل كما قلت كان في معظم إنتاجه محاولة نقد النحو العربي القديم وفي السنوات الأخيرة استمر هذا الاتجاه النقدي للنحو العربي القديم ولم يكتف بالنقد بل أحيانا يشير إلى فكرة الإلغاء التام، والذي يحصل الآن في جامعات المشرق وبخاصة في مصر، من حسن الحظ أن هناك كثيرا من التنبيه لهذه القضايا، يقوم على ضرورة الإفادة من علم اللغة الحديث في دراسة اللغة العربية في فترات زمنية مختلفة متعاقبة، حتى نتمكن من فحص النحو العربي القديم في ضوء النصوص، محاولة تتبع التطور الحقيقي للغة العربية على مستوى الألفاظ والجمل والدلالات، وأنا أعتقد أن هذا الاهتمام سيؤتي ثماره عما قريب.
س- يطرح في وسط الدارسين اللغويين العرب مشكل المصطلح، فنلاحظ أنه بقدرما تختلف البلاد العربية من النواحي الجغرافية في المصطلح اللغوي عند نقله من الغرب إلى اللغة العربية، كما نلاحظ هذا الاختلاف أيضا حتى على مستوى الأفراد فى البلد الواحد، وتعدد هذا المصطلح بين شرق العالم العربي وغربه وبين عدد كبير من الباحثين فى هذا الميدان لاشك أن له خطرا، ما رأيكم في هذا الموضوع؟
ج - من الواضح أولاً أن اختلاف الباحثين في المصطلح يرجع إلى قضية أساسية جدا في طريقة البحث العلمي في البلاد العربية، لأنها تفتقد افتقادا كاملا للمنهج العلمي الشامل الذي نقصد به وجود روح الفريق أو روح الجماعة، في البحث اللغوي أو في البحث العلمي عموما، لأننا جميعا نبحث منعزلين، كل شخص يبحث وحده في صومعته الخاصة دون أن يتصل بأحد وفجأة نجد أن كتابا ظهر دون أن يكون هناك اتصال بين الناس، ودون أن تكون هناك حلقات بحث ومناقشة لتطوير المسائل وللوصول إلى نوع من الاتفاق على مصطلح معين، أو لا يهتم العالم العربي مثلا حين ينتج شخص ما كتابا معينا وفيه بعض المصطلحات لا يهتم أحد بالدعوة إلى بحث أو إلى مائدة مستديرة أو حلقة دراسية لكى نفحص هذه المصطلحات التي جاء بها ونحكم عليها أو نطورها.. فكرة روح الجماعة والتخطيط العام الشامل في البحث العلمى في البلاد العربية للأسف الشديد صعبة التحقيق، لأن هناك مآت الكلمات في هذا الشأن فما بالك بالمصطلحات الدقيقة لبعض الأشياء الصغيرة في علم اللغة، والمسألة يمكن حلها بإدراك العرب بأنه لابد من الانتباه إلى منهج للحصول على المعرفة، والمنهج هو ضرورة تشجيع الناس، وممارسة البحث الجماعي، وهذا لايمكن أن يتم إلا بالتنسيق بين الجامعات ومعاهد العلم ومراكز الأبحاث في البلد الواحد، ثم في البلاد العربية، لأنه من غير المعقول أن نجد الباحثين في الجامعة الواحدة لا يعرف الواحد منهم فيما يفكر الآخر، ولايعرف أفراد هذه الجامعة فيما يفكر أفراد الجامعة الأخرى، وما خططهم العلمية، وأظن أنه لابد من تطبيق فكرة الندوة كما هو الشأن الآن في جامعة محمد الخامس لعقد ندوات حول موضوع معين يتم اعدادها قبل فترة، وتستمر هذه الندوات بخطط واضحة ومضبوطة وعلى العالم العربي أن يعلم أن دراسته للغة ليست مسألة مهمة، لأنهم مع الأسف يتصورون أن مراكز الأبحاث ينبغي أن تهيئ وتعد للأشياء الخاصة بالتنمية، مثل الكيمياء والعلوم الأساسية ويتصورون أن دراسة اللغة غير مهمة في عملية التنمية في الدولة وأنها خاصة بالاقتصاد، ويمكن أن نشير إلى أن تشومسكي وأصحابه يعملون في معهد خاص بالتكنولوجيا، فلابد أولا من توافر روح الفريق، ورصد ميزانيات مادية كافيه لتشجيع الأبحاث اللغوية.
س - تطرقتم في الكلمة السابقة إلى الحديث عن الندوى التي انعقدت أخيرا بالرباط. فما انطباعاتكم حول هذه الندوى، خصوصا أنها قد طرحت قضية المصطلح أيضا، خلاف مصطلحات بين أشخاص، وكل واحد يدعي أنه صاحب مصطلح معين وحول مصطلح مستعمل في المغرب ومصطلح غير مستعمل في المشرق، المهم هو تقديم انطباعات عامة حول هذه الندوة.
ج - أعدها الندوة الأولى في العالم العربي على هذا المستوى من التحدي، أي ندوة تعتقد حول البحث اللغوي في العصر الحاضر، والواقع أن كثيرا من الموضوعات التي قدمت في الندوة كانت موضوعات لكثير من الجهات العربية تعد من أحدث الموضوعات اللغوية يعني دراسة وسائل الاتصال والنحو التحويلي والتوليدي.. في الواقع أن هذه المسائل حتى الآن لم تعرض على هذا النطاق في أية جامعة عربية، وأن هناك جانبا كبيرا جدا جديرا بالتنويه، كما كان هناك عدد مهم من الذين يقبلون على هذه الندوة، وأنا أعتقد أن هذا لايمكن توافره في أي جزء من العالم العربي، يعني لايمكن في مثل هذه الندوة المتخصصة أن نجد مثل هذا العدد المهتم والفاهم لما يسمع والمستعد للمناقشة لما يسمع.. وطبعا هناك جوانب أخرى غير جيدة، من عدم وجود الوقت الكافي في الإعداد لأن الوقت الكافى مسألة ضرورية حتى يكون الموضوع ناضجا ومعروفا لدى المختصين قبل الوقت الكافي، حيث تكون الحصيلة النهائية حصيلة علمية سليمة، والشيء الثاني يبدو أنه ليس خاصا بهذه الندوى بل له علاقة بروح النقاش عموما في الجامعات لأن البعض لايعرفون متى يناقشون ولاكيف يناقشون، بل هناك محاولة لضرورة النقاش وهذا طبعا له جانب إيجابي وجانب سلبي يمكن أن يعطل الأمانة العلمية، لأنه ليس المهم هو أن نتناقش، ولكن كيف نتناقش، وما الهدف من النقاش؟ حتى نصل إلى تطوير العملية العلمية، لكن الندوة تعد عملا رائدا وأرجو أن تكون هذه التجربة منطلقا نحو تطوير الدرس اللغوي عند العرب.
س- سؤال أخير أريد أن أطرحه عليكم في هذا اللقاء.. هو حول مشاريعكم إذا كان لكم مشروع لغوي أنتم بصدد إنجازه أو مقبلون على إنجازه في ميدان اللغة؟
ج - من نعمة الله أن هناك مشاريع كثيرة لأن هناك مشكلات وأسئلة كثيرة تلح على الإنسان ونحاول أن نجد الطاقة والوقت والجهد لتنفيذها إما بنفسه أو عن طريق إخوانه وأصدقائه وتلاميذه بالتعاون، ومن بين المشروعات التي نحاول إنجازها دراسة طبيعية بنية اللغة العربية في أزمنة متعاقبة، وأبحاث أخرى مفيدة جدا ويمكن أن تكون لها نتائج طيبة وعلى الصعيد الشخصي أنا أعمل الآن في تقديم مجالات الدرس اللغوي الحديث في دراسة كثير من نصوص التراث، وأقصد أننا لانجعل باب البحث اللغوي مقصورا على نوع معين من الدراسة كدراسة النحو مثلا أو دراسة كتاب بذاته أو دراسة تصور الناس أنها مسألة انتهي منها ما عدا المغرب العربي هو الذي لم يدرس، وبعض جهات الأندلس فمثلا من جملة الأشياء التي نحاول تقديمها في دراسة النصوص القديمة وآمل أن ينجز هذا البحث في الوقت القريب، دراسة الكنيسك يعني علم استخدام الحركة الجسمية في التوصيل اللغوي، مثلا استخدام الذراع، والحاجب، أوالذقن، أو الأذن، إن هذا الاستخدام ليس مسألة غريزية، إنما هو مسألة عرقية اجتماعية كاللغة بالضبط، وهو الآن يدرس في داخل التوصل اللغوي على أن الكلام الذي تقوله معناه لايتحدد من منطوق الألفاظ وحده، إنما بأشياء كثيرة أخرى منها استخدام الحركة الجسمية، فما هذه الأبحاث التي يمكن أن نؤديها على مستوى العالم العربي في بيآت عربية معينة حتى نعرف طريقة نظام الاتصال في هذه المجتمعات وقد بدأت بالبحث في التراث وذلك بفحص الحديث النبوي الشريف فوجدت أن الرسول عليه الصلاة والسلام استخدم في الحديث أعضاء الجسم في التواصل في الكلام، فالحديث لاينبغي أن ندرسه فقط من منطوق الكلام، لذلك حاولت أن أجمع في الحديث الشريف كاستخدامه لأصابعه حين يقول:«المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ المرصُوصِ يَشُدُّ بعضُه بعضا» ثم عقد بين يديه يعني جعل أصابع يديه متشابكة مع بعضها، للدلالة على فكرة الرص يمكن أن يكون ألى جوار بعضه، وليس فكرة للتشابك التي عبر عنها بالأصابع، ومثلا كأن يكون مضطجعا ونهض وقال:«أَلا وقول الزورِ» ،، كان مضطجعا ونهض، هذه الحركة الجسمية هي التي يمكنها أن تعطي البعدالحقيقي للمعنى والدلالة للحديث الذي لايمكن فهمه فقط عن طريق الالفاظ بل مما جاء به الرواة وصفا لحركة الرسول حين كان يكتب الحديث، وقد وجدت أحاديث كثيرة يستخدم فيها الرسول الإصبع الواحد، والإصبعين، والأصابع الثلاثة، واليد فقط، والذراع، واستخدم الأذن، والخد، واستخدم الكتف، والفخذ، يعني ضرب على فخذه وقال.. إلى غير ذلك، وقد جمعت هذا وصنفته وأرجو أن يكون مثالا أو نموذجا لدراسة النصوص لمحاولة الوصول إلى الدلالة وفتح مجالات جديدة في الدراسة اللغوية في استخدام علم اللغات في فهم شيء من التراث.

















مع اللغة العربية.. وعالم من علمائها
[لقاء أجراه الأستاذ عمر المنصور، بجريدة «الندوة»، مكة المكرمة، الأربعاء 7 ربيع الآخر 1409 هـ، صفحة: 15]
لن نقدم الدكتور عبده الراجحى من خلال مؤلفاته التي ذكرها في بطاقته الشخصية، فله من المؤلفات ضعف هذا العدد الذي ذكره، ولا أعلم سر هذا الإضفاء من قبله رغم أن مؤلفاته هي من المراجع الأساسية لطلبة أقسام اللغة والنحو في معظم جامعاتنا العربية.. وضيفنا في هذا اللقاء جمع بين تراث سيبويه وتعمق في كتابه وما خلفته مدارس الكوفة والبصرة.. وقلب نظريات مدارس اللغة الغربية وألم بما عرضه تشومسكي وبلومفيلد ودي سوسير، ولم يجرفه تيار هذه المدارس بل أكد من خلال أبحاثه ومقالاته وعبر كتبه بأن هذه المدارس قد استفاد من مدرسة النحو العربي وخاصة تشومسكي عالم اللغة وحديث هذا العصر ومن أبرز أصحاب المدرسة التحويلية ولم يدع التراث كغيره ممن بهرهم أصحاب الأفكار التغريبية وما نادوا به.
وقد جاء هذا الحوار المقتضب مع د. الراجحي من أجل إيضاح بعض المفاهيم وتسليط الضوء على عدد من القضايا اللغوية في هذا الوقت..
س - اللغة العربية هي وعاء الثقافة العربية والإسلامية.. وللغتنا الجميلة تاريخ طويل مرت خلاله بمراحل مختلفة انتهت اليوم إلى أن أصبحت هذه اللغة عدة مستويات للتعبير:(فصحى التراث، الفصحى المعاصرة، اللغة العامية) وأصبح لكل مستوى أنصاره ومؤيدوه والداعون إليه.. ما رؤية د. عبده الراجحي لهذه القضية؟
• اللغة العربية لغة طبيعية مثل اللغات الطبيعية الأخرى، لكنها تختلف عنها اختلافا أساسيا، فهي
لغة ممتدة التاريخ، حياتها موصولة غير منقطعة، ومن ثم فإن ماحدث من تغيير جوهري في الإنجليزية والفرنسية والألمانية لم يحدث في العربية وهذا الاتصال في الحياة جعل الفصحى المعاصرة قريبة جدا من فصحى التراث، وعليه فإن وجود أنصار لهذه أو لتلك إنما هو افتعال لقضية بلا قضية.
س - ما رأي سعادتكم في الدعوة التي نادى ولا زال ينادي لها البعض باستخدام العامية لغة للكتابة بحيث تصبح بديلا للفصحى بدعوى أن العامية أيسر في الفهم وأقرب إلى وجدان الناس من الفصحى..
• أما مسألة العامية والدعوة إلى استعمالها فأمرها معروف وأظن أنه من الخير ألا نلقي إليها بالاً، لأنها دعوة تقتل نفسها بنفسها، ونحن نعرف المحاولات التي بدأت منذ القرن الماضي، انتهت جميعا إلى الفشل، وليس غريبا أن نرى الذين يدعون إلى العامية يستعملون «الفصحى» في دعوتهم، لأنها هي التي ترتبط بعقول الناس ووجدانهم فضلا عن أنك لا تستطيع أن تخاطب العرب في جميع أقطارهم إلا باللغة التي يفهمونها جميعا وهي الفصحى، وأصحاب الدعوة إلى العامية يسعدون حين يجدون من يتصدى لدعوتهم بالنقد لأن هذا وحده يعطي دعوتهم شيئا من الحياة.
س - أصبحت وسائل الإعلام اليوم من المؤثرات الأساسية في لغتنا الجميلة ولعل عقد مجمع اللغة العربية لندوة (لغة الإعلام) في إبريل الماضي خير دليل على ذلك.. ما تقييم د. عبده الراجحي لأثر وسائل الإعلام في اللغة؟
• لا حاجة إلى القول إلى أننا الآن في عصر الإعلام، وهو عصر قد اتخذ من الوسائل مالا سبيل إلى تجنبه، بل لا سبيل إلى الاستغناء عنه. والإعلام الآن يقتحم علينا كل المنافذ، ومن هنا أهميته وخطورته. أما مسألة لغة الإعلام في العالم العربي فهي المسألة التي يجب أن تلقى الاهتمام الخاص، لأن التأثير هنا متواصل ليلا ونهارا وهو يترسب في نفوس الناس دون الإحساس به أو الوعي له، ثم تظهر نتائجه على ألسنتهم وفي كتاباتهم دون أن يسألوا من أين جاء هذا أو ذاك، والوسائل المسموعة والمرئية أبلغ تأثيرا خاصة على الناشئة وليس غريبا أن نعلم أن بعض البلاد يعد لغة الإذاعة عنده هي اللغة المعتمدة كما نعرف عن إنجليزية الإذاعة البريطانية. والحق أننا في أشد الحاجة إلى «رقابة لغوية» حقيقة تتأكد من مستوى الأداء اللغوي في الإعلام العربي خاصة في الإذاعة والتلفاز.
س - الذين يعملون على النَيْل من اللسان العربي ومحاولة القضاء عليه وتبني معاداته وحربه هم يريدون بذلك الحرب على لغة القرآن والسنة النبوية وبالتالى الحرب على المصادر الأساسية لشريعتنا.. ما تصوراتكم لهذه القضية؟
• أود أن أؤكد أن الحرب على العربية ليس مقصورا على الدعوة إلى استخدام العامية أو إلى كتابة العربية بحروف لاتينية أو فينيقية أو غيرها. فهاتان دعوتان تحملان الموت الذاتي منذ البداية، لكن الحرب الحقيقية الآن فيمن يستعمل العربية في أنماط غير عربية، بحيث نجد كلاما عربيا من حيث الأصوات لكنه موضوع في قوالب تعبيرية لا تمت إلى «الثقافة» العربية ولا إلى «المعرفة» العربية.. هو ما نلحظه في كثير جدا في بعض كتابات الخارجين على التقاليد اللغوية العربية خاصة عند بعض من جرى الاتفاق على إطلاق مصطلح أهل التغريب عليهم.. نعم، إن اللغة لا تنتهي عند حد، لكنها تكتسب «قبولها» داخل المجتمع بما تحمله من تمثيل للطبيعة الداخلية والعامة لهذا المجتمع، أما حين تقتلع اللغة نفسها من جذورها وترتمي في أحضان بيئة غريبة فهنا نعرف معنى «الخروج» وإن كانت تحمل الخصائص الصوتية للعربية، وأحسب أن هذه هي الحرب الحقيقية على لغة القرآن الكريم، وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن أهل الكتاب رفضوا أن يترجموا كتابهم إلى عربية مستوية خشية أن تسيطر عليهم «الجملة القرآنية» وهذه حقيقة من الحقائق المهمة في حياة «العربية».
س- كانت الرؤية والنظرية لدى معظم الدارسين للنحو العربي أنه قام على يد العلماء والنحاة في السابق لمحاربة اللحن ولكن الأمر في الحقيقة خلاف ذلك.. ما تعليقكم على هذا الموضوع؟
• شاع في كثير من الكتب أن النحو العربي نشأ لمواجهة «اللحن» الذي بدأ يتفشى في المجتمع الإسلامي بعد اتساع الفتوح، وأعتقد اعتقادا قويا أن هذا يجافي الحقيقة، لأن النحو نشأ مع العلوم الإسلامية الأخرى لهدف محدد هو محاولة «فهم» النص القرآني ومسألة «الفهم» مسألة لا نهاية لها، إذ لا يقال إن نصا ما قد فُهِم الفهم الأكمل الذي لا محاولة بعده، ومن هنا كان لابد من الأخذ بالأدوات التي تعين على فهم نص القرآن الكريم. وانظر إلى كتاب سيبويه وهو أول كتاب وصل إلينا، وهو الكتاب الذي فرض سيادته على التحليل النحوي للعربية منذ اثنتي عشر قرنا إلى الآن، فإنك واجده متوجها إلى فهم أعماق العربية مما لا يمكن أن يكون هدفه مواجهة اللحن الذي كان يكفيه وضع عدد من المعايير لضبط اللسان. أما أن يأتي الكتاب على هذا الحجم وعلى هذا العمق وبهذا النوع من القضايا فإن ذلك لابد أن يلفت إلى حقيقة ما قلناه.. وهنا أيضا نلفت إلى أن نقد النحو العربي قد يحمل شبهة تحطيم أداة من أدوات فهم عربية القرآن، وهي أداة أثبتت صلاحيتها من قدرتها على البقاءوالحياة طوال هذه القرون.
س- يرى العديد من الدارسين في هذا الوقت أن الدراسات اللغوية والأدبية يجب أن تعرض للدراسة والبحث والنقد بعيدا عن التراث وبمعزل عنه كيف ترى هذه النظرية ومدى صحتها؟
• لا يقول أحد بسد النوافذ، فليس ثمة أنفع للصحة من الهواء الطلق النظيف الخالي من التلوث وكل دعوة إلى الإفادة من الهواء الطلق لا تكون صحيحة إلا إذا كانت مرتبطة بالجذور، فما فائدة الهواء إذاكنت قد أقتلعت القلب وألقيته جانبا وليس ثمة نمو ولا تجديد إلا إذا كان نابعا من «الداخل» ونحن حين ندعو إلى ملاحقة ما عند الآخرين فإننا نؤكد أن الأخذ لابد أن يخضع لعملية «تمثيل» غذائي داخلي تحول المأخوذ إلى عناصر ذاتية لا عناصر مستوردة، أي عملية تهضم ما تنتفع به وتتخلص من كل ماعداه.
س- للتغريبية أفكار خاطئة ونظريات هدامة في مجال اللغة والأدب وقد انساق وراءها عدد من المفكرين والأدباء العرب متى ابتدأ هذا الانسياق وهذه التبعية كفكرة ودراسة؟
• التغريبية لم تعد كلمة عامة تطلق على تيارات متعددة من «التجديد» بل هي الآن في العالم العربي مصطلح خاص يشير إلى اتجاه يكاد يكون واحدا في الإبداع الأدبي وفي النقد، وهو اتجاه يتبع في الأغلب ما كان متبعا في فرنسا عند أصحاب البنيوية الأدبية خاصة رولان بارت ولوسيان جولد مان. وهو اتجاه ربما كان طبيعيا في بيئته، لكنه -بكل تأكيد- لا ينتمي إلى تربتنا الثقافية، وهو يرتبط بنظريات معرفية تصطدم مع المعرفة الإسلامية. ولا مجال للقول بأن «استيراد» المنهج لا يعني استيراد«الفكر» وتلك مسألة لا يكفي فيها القول السريع.
س - ألا تعتقد بأن قلة المهتمين بالتراث ودراساته في هذا الوقت قد أتاح للتغريبيين بالعبث في الساحة الأدبية واللغوية؟
• لاشك أننا مقصرون جدا في تقديم التراث؛ لأننا مقصرون في درسه وفي فهمه. وقد استمعت إلى أحد أصحاب التغريب يؤكد أنه رجل تراثي مستشهدا بأنه حقق مخطوطة قديمة وهذه إحدى عوارض العلة، حين نتصور التراث مجرد «تحقيق» لمخطوط وبخاصة في المنهج المتداول بين أصحابه من مقارنة النسخ المخطوطة دون محاولة فهم النصوص ووضعها في سياقها المعرفي. ولا شك أن «الخطاب» التراثي باهت اللون وضعيف الصوت لأنه لا يضع يده -إلا في النادر- على شرايين الحياة التراثية، وإنما يقدم نفسه على شكل معالجات جزئية وسطحية في كثير من الأحيان، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى «فراغ»، وأي فراغ يستدعي من يملؤه. لذلك فإن علينا أن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم الأخرين.
س- كثر الحديث والجدل حول موضوع الاستشراق ودراسات المستشرقين بين مؤيد ومعارض..كيف ترى هذه الدراسات في مجالات اللغة والنحو؟
• لا شك أننا أفدنا كثيرا من المستشرقين، ويجب ألا ننسى أنهم علمونا فن تحقيق التراث، بل إنهم علمونا الإحساس بقيمته مما بذلوه في نشرة ولفت الأنظار إليه، ويكفي أن نعلم أن أهم المصادر العربية والإسلامية كانت موضع عناية الباحثين في النحو والبلاغة والأدب والتاريخ والجغرافيا وعلوم القرآن والحديث والفقه وغيرها. إن علم القراءات القرآنية -مثلا- لقي من عناية المستشرقين فوق ما لقيه منا.. ومع ذلك فقد كان للمستشرقين دوافعهم التي وجهت طريقة الدرس وطريقة التناول ولا حرج عليهم في ذلك من ناحيتهم هم، إنما الحرج كله علينا حين نتبنى طريقتهم، ولقد رأينا عددا من الدارسين يسعون إلى الحصول على رضا أساتذتهم من المستشرقين بأن يكونوا أكثر غلوا منهم كمثل أولئك الذين يتصورون أنهم لابد أن يجرحوا الفكر الإسلامى كي يصفوا بأنهم «موضوعيون» ومن هنا رأينا طريقتهم في التناول كتلك التي عهدناها عند أحدهم حين درس غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام فقدمها على أنها صراع اقتصادي بين مكة والمدينة، إذ كانت المدينة تخطط -في زعمه- باستقبال النبي إلى نقل الثقل التجاري الذي كانت تتمتع به مكة إليها. ولقد رأينا بلاشير يشير في استحياء إلى فكرة خطيرة حين قال في كتابه عن القرآن إن المسلمين أسسوا «نظرية» القراءة بالمعنى، ثم جاء أحد تلاميذه ليكتب رسالة كاملة يؤكد فيها هذا الرأي.. وهكذا إننا لا ننكر إفادتنا من جهود الاستشراق لكن علينا أن ننبه إلى اختلاف الغايات واختلاف المناهج.






النحو في تعليم العربية لغير الناطقين بها
[ندوة تطوير تعليم اللغة العربية، بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، في الفترة من 25 - 28 / 8/ 1990]
بسم الله الرحمن الرحيم
مامن مرة يقترب فيها الناس من «تعليم» اللغة إلا ويبرز«النحو» كأنه «الحارس» الذي يمتلك مفتاح الطريق، ومع ما جرى من محاولات حديثة «لتخطي» النحو أو«لإخفائه»، فقد ظل يمثل مسألة المسائل في التعليم اللغوي.
والحق أن القضية ليست خاصة بلغة من اللغات، وإنما هي قضية عالمية، فقد كان تعليم اللغة - في القديم- يستند - في معظمه- إلى تعليم النحو وكانت دراسة اللاتينية، وهي التي أثرت في دراسة اللغات الأوروربية وفي تعليمها - دراسة لنحوها، ومنذ القرن الثامن عشر ظل تعليم اللغات الأجنبية يسير في إطار منهج النحو والترجمة methodology Grammar- translation وظلت مهارة اللغة تعني -في المقام الأول- القدرة على التصريف والإعراب. [انظر في هذا:
Kelly, L. 25 Centuries of language teaching, Nawbury House, Rowley, Rowley, Massachusetts, 1969.
ومن اللافت أن كلمة grammatikos. كانت تعني في اليونانية القديمة دراسة الأدب، كما انصرفت في العصور الوسطى إلى معنى «الكتابة» و«التعلم» على وجه العموم].
ومع ذلك كله فإن النحو في تعليم العربية في العصر الحاضر يمثل حالة خاصة، لأسباب:
* أن العربية نفسها لغة متصلة الحياة، لم يحدث فيها تغير جوهري كالذي نعرفه في غيرها من اللغات، ولا تزال النصوص التي وصلت إلينا من العصر الجاهلي حية في معظمها إلى الآن.
* أن العربية تمتلك تراثا نحويا ممتدا لم تعهده لغة أخرى، فمنذ القرن الثاني الهجري والعلماء يتلاحقون واحد في إثر واحد يؤصلون هذا النحو، ويعمقونه، ويبسطونه. وقد أثبت هذا التراث صلاحيه
بالبرهان الواقي حين استطاع أن يحافظ على منهجه وعلى العربية كل هذه القرون.
ولقد دخلت العربية بلادا كثيرة لم تكن تتكلمها، وبدهي أن ذلك ما كان يمكن أن يحدث إلا وفق جهود معينة، ومن أسف أننا لا نمتلك حتى الآن دراسة علمية حقيقية عن الجهود التي بذلها المسلمون في تعليم العربية وتعليمها طوال هذه القرون.
لقد كان ذلك كله كفيلا أن يجعل من تعليم العربية في العصر الحاضر نموذجا صالحا لتعليم اللغات، لكن النقيض هو الذي حدث، فقد وقع تعليم العربية في مشكلات جوهرية كثيرة.
والنحو في تعلم العربية حقيق بوقفة متأنية؛ لأنه يجسد الخلل العام خير تجسيد، ولأن الناس يعلقون مشكلات العربية عليه. وهو جانب واحد من جوانب القضية، لكنها حالة ما ينبغي لنا أن نتجاهل الحق فيها، فقد تبين لنا أن مقررات النحو في المدارس العربية سبب جوهري لكراهية التلاميذ للعربية بوجه عام، وظهر أن نسبة الرسوب فيه تكاد تكون من أعلى النسب بين مواد التعليم قاطبة.
وهذه الحالة لا يمكن أن تكون ظاهرة كاذبة أو مخادعة، لأنها واقع لا ريب فيه وهي أيضا ليست ظاهرة إقليمية بل هي عامة -بدرجات متفاوتة- في أقطار العالم العربي. من أجل ذلك جرت محاولات غير قليلة «لإصلاح» النحو أو«تيسيره»، لكنها جميعها أخطأت البداية فلم تصل إلى غاية، وذلك أنها ظنت أن تيسير النحو ييسر تعليمه، وهذا غير صحيح، فثمة فرق جوهري بين النحو وتعليم النحو؛ الأول هو «علم» النحو، وهو علم يقدم وصفا لأبنية اللغة، وهو حين يفعل ذلك إنما يلجأ إلى «عزل» الأبنية من سياق الاستعمال، ويضعها في إطار «التعميم» و«التجريد»، أما تعليم النحو فشئ آخر له علم آخر هو: النحو التعليمي pedagogicaI grammar [انظر:
- Rutherford, W., Aspects of pedagogical grammar, Applied Linguistics l, 1980, 60 – 75.
- James, A. P. Hestney, New linguistic impulses in forgein ]language teaching,1981.
وهو يأخذ من الوصف الذي توصل إليه علم النحو لكنه لا يأخذه «كما هو»، بل يطوعه لأغراض التعليم، ويخضعه لمعايير أخرى تستعين بعلم اللغة النفسى في السلوك اللغوي عند الفرد، وبعلم اللغة الاجتماعي في الاتصال اللغوي، وبعلوم التربية في نظريات التعلم وإجراءات التعليم، وكل ذلك كان غائبا عن محاولات الإصلاح والتيسير، ومن ثم لم تؤد هذه المحاولات إلى تغيير في المستوى العام لتعليم العربية، اللهم إلا إثارة بعض البلبة فى استخدام المصطلح، وليس هو المشكلة على أية حال.
ومع ذلك أود أن أؤكد أن النحو العربي ليس مصدر المشكلة في تعليم العربية كما يدعي كثيرون، فكل اللغات المتقدمة لها أنحاؤها العلمية التي تقدم وصفا علميا للغاتها، ولكن هذه الأنحاء ليست هى نفسها التى تُتخذ مقررات لتعليم اللغة فى المدارس، ولكنها مصدر أولي يخضع بعد ذلك لما أشرنا إليه منذ قليل.
على أن النحو العربي قد يمتاز عن الأنحاء الأوربية بأشياء؛ أولها أن الأنحاء الأوربية قد بنيت فى صورتها التقليدية على النحو اللاتيني، وليس الأمر كذلك في النحو العربي الذي صدر عن العربية، وثانيها أن علماء اللغة البنائيين Structuralists ينقدون النحو العربي بأنه نحو «معياري» «تعليمي»، ونحن لا نكرر جانب المعيارية في النحو العربي إلى جانب وصفيته [انظر كتابنا: النحو العربي والدرس الحديث، دار النهضة العربية، بيروت،1979،45 - 107] ومن ثم فالفرصة هنا أكثر مواتاة في استثمارها في اختيار نحو تعليمي، وهو مالم نفعله حتى الأن.
وقد فحصنا مقررات النحو في المدارس المتوسطة في عدد من البلاد العربية وخرجنا منها بما يلي:
1- أن الذين نهضوا على اختيار محتوى هذه المقررات ذهبوا إلى كتب النحو، ووضعوا أيديهم فيها، وأخذوا منها ما أرادوا دون تغيير، والأغلب أنهم رجعوا إلى بعض كتب المتأخرين التي تمتلئ بالحواشي والهوامش والتقارير، أو رجعوا إلى بعض«الملخصات» النحوية مما أفضى إلى بعض الأخطاء. والمهم هنا أن البداية خاطئة لأن المادة النحوية كما هي فى كتب النحو ليست مادة تعليمية ومن ثم فإن كل ما يترتب على هذه البداية الخاطئة لا غرابة فيه.
2- لم يراع في اختيار الموضوعات تناسبها مع القدرات المعرفية للتلاميذ، لسبب بديهي ومفهوم، وذلك لعدم وجود بحوث حقيقية عن هذا الجانب في العالم العربي، ولا يحاول المؤلفون أن يصلوا إلى شيء منه ولو بالخبرة الشخصية.
3- لم تحظ العربية حتى الآن ببحوث عن «قوائم الكلمات» وليس فيها بطبيعة الحال بحوث عن قوائم الأبنية النحوية والصرفية مما ييسر نسبة الشيوع فيها، لكن ذلك ليس مبررا لمؤلفي المقررات النحوية، فالذي لاشك فيه أن الخبرة يمكن أن تعين على التمييز إلى حد ما بين ماهو شائع وما هو غير شائع، من أجل ذلك جاءت هذه المقررات حافلة بمواد ليست لها نسبة شيوع تبرر اختيارها في هذه المرحلة.
4- جاء تقديم القواعد النحوية -كما هو متوقع- من جمل معزولة عن سياقاتها الاستعمالية، تسبقها نصوص تمهيدية ليست نصوصا واقعية، وإنما هي نصوص «مصنوعة» بهدف تقديم أمثلة على موضوع الدرس. وهذا المنهج يجعل من العربية جملا «محنطة» لا صلة لها بالحياة.
5- جاءت التدريبات كلها آلية، وهذا طابع عام في كتب االنحو في المدارس بحيث يستطيع التلميذ بعد فترة أن يجيب عن الأسئلة التدريبية، لكنه لا يستطيع أن ينطق أو يكتب جملة صحيحة إذا أراد أن يعبر عن نفسه تعبيرا طبيعيا في مواقف مختلفة.
6- جاء تنظيم المقررات -كما هو متوقع أيضا- على التدريج الطولي، دون مراعاة للمعايير العلمية.
والنتيجة المتوقعة لذلك كله نتيجة طبيعية؛ عدم استجابة الطلاب لهذه المقررات، ثم كراهيتهم للنحو -ثم تطلعهم إلى التخلص من دروس العربية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا [من كتابنا: علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض 1411هـ.] .
هذا هو أمر تعليم النحو في المدارس العربية وليست الحال بأفضل من ذلك في تعليم العربية لغير الناطقين بها؛ فقد انتقل إليه هذا الخلل، أو غياب المنهج، رغم الجهود التي بذلت مؤخرا في هذا المجال.
وأظن أن القضية تقتضي تغييرا جوهريا في التفكير يفضي إلى أنماط جديدة من المعالجة، وأحسب أنه قد يكون ضروريا أن ننظر في تعليم النحو لغير الناطقين بالعربية في إطار عدد من المبادئ العلمية التي توصل إليها الباحثون الغربيون في تعليم اللغات الأجنبية، ومن أسف أننا مضطرون إلى ذلك لأننا لم ندخل بعد بداية البحث الجدي في هذا الشأن، وليس لنا فيه إسهام حقيقي حتى الآن، وسوف أقتصر هنا -لدواعي الوقت- على المبادئ التالية:
أولا: النحو ومبادئ التعلم:
درج تقديم النحو في العربية -وفي معظم اللغات- على قواعد «التعليم» teaching وليس على مبادئ التعلم.learning ومن ثم كان المنهج ينهض على تقديم الجزئيات النحوية واحدة بعد الأخرى حتى يؤدي تراكمها التدريجي إلى تكوين الكفاءة النحوية - وقد أدت هذه الطريقة إلى القصور الذي نعانيه في الوقت الحاضر.
والآن، كيف نربط النحو بالتعليم؟
يكاد الإجماع ينعقد على أن تعلم أي شيء لا يحدث في «فراغ»، أي إن التعلم لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان مرتبطا بشيء معروف لدى المتعلم، ومن ثم فلابد أن يجري التعلم في سياق مألوف. وهذا القانون الأساسي من قوانين التعليم هو الذي ينتج القاعدة المعروفة عن ضرورة الانطلاق من المألوف إلى غير المألوف.
وبديهي أن الشيء الذي «يعرفه» المتعلم إنما يعرفه من «اكتسابه» للغته الأولى، وبديهي أيضا أن نظريات النحو ليست نظريات في الاكتسابacquisiton وعلى ذلك فإن علينا أن نستثمر وسيلة مهمة من الوسائل التي تحقق مبادئ التعلم، وتلك الوسيلة هي التي تعرف«برفع الوعي النحوى»
Grammatical consciousness - Raising.
ولعلنا ندرك «ضرورة» هذه الوسيلة في تعلم اللغات الأجنية حين نقارنها باكتساب اللغة الأولى، ذلك أن القدر الهائل الذي «يتعرض» له الإنسان في لغته الأولى يمكنه من إجراء «التصنيفات» الداخلية، والوصول إلى «التعميمات» الملائمة، وهذا القدر لا يمكن أن يتوافر في تعلم اللغة الأجنبية، خاصة إذا كانت حجرة الدراسة هي المصدر الوحيد للغة، وعلى ذلك لابد من وسيلة تمكن المتعلم من تحقيق هذه الإجراءات الداخلية في اختبار «فرضياته» وصياغة «تعميماته» و«الوعي النحوى» هو الذى يحقق ذلك، وهنا يكون السؤال: كيف نرفع الوعي النحوي؟
ليس من شك في أن «اختيار» المادة اللغوية يمثل العنصر الأساسي، وليس ذلك أمرا هينا، لأن القدر المطلوب ضئيل جدا إذا قيس بالفيض اللغوي في اللغة الأولى، ولابد إذن من وسيلة تجعل من المادة اللغوية المختارة وسيلة لرفع الوعي النحوي.
والوسيلة التي يتفق عليها المختصون هي استثمار «الكليات اللغوية» Universals وهي الظواهر المشتركة في اللغات الإنسانية، فإذا تمكنا من اختيار المادة صدورا عن هذه الكليات أمكننا أن نضعها في سياق مألوف لدى المتعلم، وحققنا له الانتقال من المألوف إلى غير المألوف - وهذا يرفع عنده الوعي النحوي. والكليات اللغوية لها جانبان؛ أولهما ما يعرف بالمبادئ الكلية Universal principals وهو الذي يختص بالظواهر اللغوية المشتركة، كالترتيب الأساسي للكلمات في الجمل، إذ لابد في كل لغة من ترتيب بين الفعل والفاعل والمفعول [تجرى معظم اللغات على أحد الأنماط الآتية :
- فعل +فاعل + مفعول
- فاعل + فعل + مفعول
- مفعول + فاعل + فعل
وبعضها يتميز بترتيب حر]، وكالعلاقة بين الصفة والموصوف، ووجود الفصائل النحوية...، وغير ذلك مما تجرى عليه دراسات كثيرة في الوقت الحاضر. والجانب الثاني هو الذي يطلق عليه «العمليات الكلية» Universal processes وهي العمليات اللغوية التي فطر عليها الإنسان، والتي تتجسد عند اكتساب لغته الأولى، ولعل أهمها مما له اتصال بموضوعنا أن الطالب الذي اكتسب لغته الأولى يعرف -بطريقة ما- «كيف» تؤدي لغته وظائف «اتصالية» وفي أي شيء يستعمل هذا التركيب أو ذاك، وهذا يساعده في معرفة «الوسائل النحوية» التي تتحقق بها هذه الوظائف في اللغة الأجنبية التي يتعلمها.
يقول Stevick « إن رفع الوعي يلقى الضوء على الطرق غير المألوفة، والعقبات الحتمية، التي لابد أن يسلكها المتعلم جيئة وذهابا وعيناه مغلقتان وهو لذلك يوفر كثيرا من الجهد والوقت. ومن الضروري أن يكون المدرس مدربا على أن يعرف هذه الطرق والعقبات وأن يعرف متى يستثمر رفع الوعي في صالح المتعلم».
[Stevick, E, Teaching languages: a way and ways,
Newbury House, Rowley, Massachusetts, 1980, p. 25l.]
ولكي نصل إلى ذلك في تعليم اللغة العربية لابد من بحوث جادة عن الكليات اللغوية خاصة عن طريق التقابل اللغوي، وبدراسة اللغة التي ينتجها الطلاب، ولابد من بحوث عن كيفية التكامل بين التعلم Instruction والتعرض اللغوي exposure الذي يحقق التعلم.

ثانيا: الربط بين البنية والمعنى:
ومبدأ التعلم يفضي بالضرورة إلى هذا المبدإ، ومن المعروف أن أصحاب البنائية قد ركزوا عملهم على «الأشكال» اللغوية منفصلة عن دلالاتها وجرى تعليم النحو في الأغلب الأعم على ذلك، وفي ذلك مجافاة لطبيعة اللغة من ناحية ولقوانين «التعلم» من ناحية أخرى. ذلك أن كل إنسان يرسخ لديه
-بعد اكتسابه للغته الأولى- أن ثمة علاقة وثيقة بين الشكل والمعنى، وأن طبيعة اللغة تؤكد أنه لا وجود لبنية ما مستقلة عن المعاني التي تحملها، وإذا كانت اللغة نظاما من أنظمة System of systms فإن اللغة كلها غير مستقلة بنائيا Structure dependan ومعنى ذلك أن التصورات الدلالية ليست تصورات تجريدية، ولا تسبح في فراغ، وإنما هي تتحقق بتراكيب نحوية
معينة، ويترتب على ذلك أن المتعلم عليه أن يتعلم «شبكة» من البنى النحوية تحقق «التصورات»
الدلالية التي ينتجها أو يستقبلها، وقد ثبت من بعض البحوث أن المسافة بين النحو والدلالة قد تتسع وقد تضيق لكنهاموجودة، وأن هذه المسافة تؤثر -من حيث التعلم- على مبدإ «السهولة» و«الصعوبة».
وأحسب أن هذا المبدأ يقتضينا في تعليم العربية ما يأتي:
1- دراسة العلاقات الداخلية بين البنى النحوية والدلالة في العربية، ثم تحديد العلاقات النحوية الدلالية الأساسية في العربية.
2- إذا كان المتعلم -كما ثبت- يميل - بتأثير من لغته الأولى- إلى أن تكون العلاقة بين النحو والمعنى علاقة مباشرة فإنه من الضروري أن نسعى إلى أن يكون ذلك هدفا من أهداف تعليم النحو.
3- إن المادة اللغوية التي تقدَّم ينبغي أن تخضع للتصنيف المتكامل الذي يهدف أساسا إلى معرفة الخصائص النحوية والدلالية لكل بنية، سواء أكانت على مستوى الكلمة، أم على مستوى التراكيب، فكل «فعل» يقدَّم، يجب أن يعرف المتعلم منه خصائصه المختلفة، من بنية صرفية وارتباطها بالدلالة، ومن علاقات نحوية، كالعمل، والتعدي المباشر وغير المباشر، وصلة ذلك بالمعنى. ومن ثم يكون ضروريا أن تكون المعاجم اللغوية التي تصنع لمتعلمي العربية مشتملة على ذلك.
ولهذا أشرنا آنفا إلى أن النحو العربي التراثي قد واجه نقدا عنيفا لدى البنائيين من أنه نحو يصدر عن المعنى، وتلك -في الحق- سمة جوهرية من سمات الدرس النحوي عند العرب منذ سيبويه، وعلينا أن نستثمر هذا الجانب الغني في النحو في التعليم.
ثالثا: النحو والخطاب:
والربط بين النحو والمعنى يقودنا إلى المبدإ الثالث، وهو ربط النحو بالخطاب discourse والذي لاشك فيه أن الخطاب هو الأساس في النشاط اللغوي، فنحن لا نتواصل «بكلمة» واحدة ولا «بجملة» واحدة وإنما نتواصل في الأغلب الأعم «بسلسلة» من الجمل أو«بكتل» كلامية.
والحق أن النحو، والدلالة، والخطاب تتشابك في علاقات داخلية لا تنفصم إحداها عن الأخرى:
أ - فالخطاب يحدد «نظاما» عاما لهيئة الكتل الكلامية أو لسلاسل الجمل.
ب - والدلالة تحدد الهيئة النحوية لمكونات الجملة.
جـ - والنحو هو الذي يحقق ذلك كله ويقدم للغة صفتها البشرية.
وإذا كان الأمر كذلك فإن تعليم النحو ينبغي أن يكون له مسار آخر، إذ يجب ألا يقتصر على درس
درس الجمل المعزولة، والأمثلة المصنعة؛ لأنها لا تكوّن خطابا ، ولا تفي بمقتضياته، ومعنى ذلك أن النحو يجب أن يتسع فيشمل -إلى جانب قوانين نظام الجملة- قوانين نظام الجمل المترابطة، أو الكتل الكلامية أوالفقرة المكتوبة إن شئت.
ومن الملاحظ أن العربي يصل إلى قوانين النظام النحوي للخطاب عن طريق الاكتساب «بالتعرض» اللغوي المستمر، وهو لا يستطيع أن يعبر عن هذه القوانين بلغة علمية في أغلب الأحيان، والأمر مختلف عند غير الناطق بالعربية.
فالقوانين النحوية للخطاب غائبة في مقررات التعليم، ومن ثم نجد الخطاب عنده مكونا من جمل معطوقة، أو مربوطة ربطا غير صحيح، نتيجة «لتدخل» قوانين الربط في اللغة الأم، وعلى ذلك فإن مكونات النحو يجب أن تحتوي على قوانين الخطاب، وأهمها الرابط بين الجمل Cohesion ، ومن الملاحظ -مثلا- أن المقررات لا تشتمل على قوانين واضحة لعلامات الترقيم؛ من النقطة، والفاصلة، والفاصلة المنقوطة، وغيرها، وكلها قوانين تعبر عن النظام النحوي للخطاب، كل ذلك رغم ماقدمه علماء السلف في رسم المصحف من رموز عن الوصل والوقف لم نستثمرها في التعليم النحوي، لا فى العربية لأبنائها ولا لغير الناطقين بها.
رابعا: النحو، في منهج اتصالى:
والمبادئ الثلاثة كلها مقدمات تؤدي إلى المبدإ الرابع، وهو الأساس الذي لا يختلف عليه أحد من المختصين في تعليم اللغات، وهو أن كل شيء في التعليم اللغوي يجب أن يقدم في إطار منهج اتصالى Communicative Curriculum. ويبدو أنه الطريق الوحيد لجعل التعليم النحوي تعليما صحيحا. وليس الأمر يسيرا على أية حال، إذ يقتضي جهودا بحثية متكاملة ومتضافرة، وأمامنا للوصول إلى المنهج الاتصالى في تعليم النحو واجبات كثيرة لعلنا نوجز أهمها فيما يلى:
1- التخلص من تقديم النحو عن طريق الجمل المصطنعة أو المعزولة عن سياقها، والتخلص من صَيْغ النحو
بصيغة الجداول التصريفية والقاعدية الجامدة.
2- تقديم الظواهر النحوية من خلال نصوص لغوية موثقة، وهذه مسألة في الأهمية لأنها تربط النحو «بثقافة» العربية، واختيار النصوص الموثقة لايمكن أن يكون عشوائيا، وهو على أية حال له معاييره وأدواته العلمية. وبالإضافة إلى النصوص اللغوية الموثقة تقدم الظواهر النحوية من خلال الاستعمال في الخطاب اللغوي العام.
3- يترتب على ذلك أن تكون المادة اللغوية التي تقدم الظواهر النحوية مادة متاحة للطالب، يستطيع أن يجدها في يسر، سواء في المكتوب الشائع أو في المسموع المستعمل.
4- أن نتوقف عن تقديم الظواهر النحوية على أساس التدريج الطولي - gradation linear وعلينا أن نغيره إلى التدريج الدوري cyclic لأن الأول يركز على ظاهرة واحدة حتى يأتي
على كل جزئياتها، فيسقط المتعلم في الإحباط، ويفقد دافعية التعلم، إذ لا يجد بعد فترة طويلة إلا عددا
قليلا جدا من قوانين اللغة لا يجد مجالا لاستعمالها- أما التدريج الدوري فيقدم جزءا قليلا من ظاهرة إلى جانب جزء من ظواهر أخرى في الوقت الواحد، ثم « يدور» ليقدم جزءا آخر، وهكذا، فيجد المتعلم فى يده أدوات يستطيع استعمالها في الإنتاج والاستقبال بما يقوي دافعيته على التعلم.
5- إذا كانت حجرة الدراسة هي المصدر الوحيد للعربية فإن علينا أن نسعى أن نجعلها قريبة من «السياق الاجتماعي» بأن نتوقف عن الممارسة اللغوية الشكلية والآلية، وبأن يكون المبدأ هو كفاءة «التعلم» Competence of learning وليس كفاءة التعليم Competence of teaching وذلك بأن ندفع المتعلم إلى «التعلم» من الممارسة اللغوية «إنتاجا» و«استقبالا»، وأن يدخل المتعلمون في«تفاعل» لغوي ينشئ هذا السياق الاجتماعي الذي أشرنا إليه، وقد أثبتت البحوث أن إفادة الطلاب من بعضهم في الظواهر النحوية تفوق إفادتهم من المدرس إذا كان هو المصدر الوحيد للتعليم.
6- وحيث إنه يستحيل تقديم «كل» الظواهر النحوية في تعليم العربية لغير الناطقين بها فإنه من الضروري أن نقدم الظواهر الأساسية، مع الاستعانة بما أشرنا إليه آنفا من الكليات اللغوية؛ لأن ذلك سوف يمكنه من اختبار فرضياته، والوصول إلى التعميمات النحوية، وكل ذلك يؤدي إلى رفع «الوعي النحوي» عند المتعلم مما يمكنه من معرفة الظواهر النحوية الأخرى التى لا يمكن أن تحتويها المقررات الدراسية ويمكنه من اختبار فرضياته، والوصول إلى التعميمات النحوية، ويمكنه من استعمال اللغة استعمالا يقرب من «الاكتساب».
وبهذا فقد يبدو هذا التقديم «نظريا»؛ لكنه فى الحق ثمرة لكثير من البحوث الحقلية التى أجراها المختصون في تعليم اللغات الأجنبية، ومن الملاحظات الفردية المبعثرة التي نخرج بها نحن الباحثين العرب من مما رستنا في تعليم العربية، على أن هذا التقديم «النظري» مقصود لذاته، إذ يستحيل التقدم في عمل علمي حقيقي دون وجود إطار نظري يحكمه ويحدد مساره.
والله من وراء القصد.