نبيل فياض كاتب سوري، اشتهر باستهزائه بالقرآن والسنة.
من أقواله: في مقابلة مع مجلة الرجل اليوم الإماراتية، عدد شهر نيسان 2005م: " لقد ذهب البلد!! ألا ترى يا صديقي كمّ النقاب بين النساء السوريات بعد أن انتهى البوطي وقبيسيته وآل كفتارو من الحجاب؟ ألا ترى كم الطفلات المحجبات أمام مدارس حلب الابتدائية؟ هل مررت يوم جمعة أمام مساجد دمشق ولاحظت الملايين الزاحفة بالأبيض نحو منابر الأصولية في عاصمة الصمود والتصدي؟ هل ذهبت يوماً إلى جامع بلال الدمشقي وسمعت المعزوفات النشاز.. سوريا متخلفة لأن الغالبية فيها من السنة الأصوليين ".

وحين أخذ يبحث في مصادر القرآن الكريم، كتب تحت عنوان: " الابن الوفي ":
" لقد خرج الإسلام من رحم اليهودية – التلمودية [1] - الحاخامية! فرغم كل ما قيل أو يقال حول العلاقة بين الإسلام والنصرانية - وليس المسيحية – [2] فالإسلام، في نهاية الأمر، لم يخرج إلا من الرحم الآنف الذكر ".
ثم يعقب كاتب الصفحة مظهراً شفقته على المسلمين، محذراً من أن ترك الرواسب اليهودية المزعومة بين دفتي القرآن الكريم، يمنع من تحرير الأوطان المسلوبة !! ويجعل الغلبة لليهود في صراعهم الثقافي مع المسلمين!! فيقول:
" كيف يستطيع من يؤمن عقائدياً أن بني إسرائيل مفضلون على العالمين أن يرفض اليهودية وجودياً؟ هل حقاً أن الحديث عن الأصول الحاخامية للتراث الإسلامي عموماً يصبّ في نهاية الأمر في صالح الإسرائيليين في صراع الوجود الحضاري العربي - الإسرائيلي؟ لكن: هل باستطاعة الإسلامي، الذي قد يكون أول المبادرين إلى التشكيك السابق، أن يناقش اليهودي بصحة مزاعمه، إذا كان هو ذاته يؤمن بتلك المزاعم عموماً ؟ إن نقطة القوة اليهودية بالنسبة للإسلام هي أن الإسلام يؤمن بكلّ المسلمات اليهودية تقريباً، في حين ترفض اليهودية جوهر الإسلام: نبوّة محمد. لذلك يستطيع اليهودي الصول والجول، قدحاً وذمّاً، في الإسلام، دون أن يستطيع ذلك المسلم [3] ".

وأخذ يذم مذهب أهل السنة مادحاً الفرق الباطنية، معللاً سبب انتشاره مقارنة بتلك، فقال:
المذهب السنّي: وهو المذهب الأكثر انتشاراً والأوهى أسساً بين كلّ مذاهب الإسلام، خاصة وأنه يتبنى الأشعرية اللاعقلانية اللاسببية كعقيدة [!!!!]، ويغلق بالتالي عملياً ونظرياً، باب الاجتهاد - بمعنى أنه يرمي بالعقل في أقرب سلّة قمامة. هذا النوع من الإسلام هو الأسهل انتشاراً لأنه تحديداً الأقل تطلباً للتفكير ولإعمال العقل - وهكذا فنحن نجد أنّ قواعده الأرسخ هي بين الطبقات غير المثقفة أو تلك التي تلقت تعليماً مهنياً يعتمد التلقي أساساً ولا يحتاج إلى أدنى تفعيل لمقولات الفهم المثقفة (كالأطباء والمهندسين والصيادلة ومن على شاكلتهم).
وكما أشرنا، فالإسلام السنّي المتداول حالياً هو النسخة الأموية للشكل العمري للإسلام المحمدي - وقد حررها العباسيون، بعد دمغها بالختم الأشعري اللاعقلاني. التيار الإسلامي السنّي - وهذا أمر يتضح بالكامل لكل من عايش التجربتين: الإسلامية السنية واليهودية الحاخامية - ممهور بالروح التلمودية. وأهم مراجعه تغصّ حتى الاختناق بالتراثيات الحاخامية. ورغم كل العدائية التي يظهرها شيوخ السنّة لليهود، إلا أنك تشعر بالمعاشرة وكأن حاخاماً صغيراً يسكن داخل كل شيخ، يبرمجه بأسلوب حاسوبي، ويتحكّم في تصرفاته منذ ولادته وحتى مماته.وحده عنصر الزمن، هذا العنصر السيء السمعة، هو الذي يجعل الشيخ يشعر أنه نقيض الحاخام مع أنه النتيجة الطبيعية له.
وفي اعتقادنا، فالمشكلة تتجلّى في دخول اليهود بكثرة في الإسلام زمن عمر بن الخطاب - عمر هذا شخصية نقية، لكنها، ككل بدوي، ساذجة ومعادية للثقافة والمعرفة، وبالتالي الحضارة. لقد اخترق اليهود رأس الدولة - الخليفة ذاته.. وأطلق عليه بعضهم لقب مخلّص – فاروق [4] ".

ثم أخذ يذم عناية القرآن الكرم بالتوحيد !!!
فقال:
" الإله الذي لم يسمح لإله غيره بأن يوجد، ولم يسمح أتباعه بالتالي لأتباع إله غيره بأن يوجدوا، هو بالتالي أقسى شكل للألوهة وأكثرها إرهابية وتشرّباً للبدائية والبداوة والصحراوية. وإذا ما أخذنا الحضارية كمعيار لتصنيف مقولات الآلهة مراتبياً، فسوف يحتل يهوه الدرك الأسفل، كإله واحد أوحد، والذي لا تسمح وحدانيته المطلقة الدكتاتورية بأي شكل للتعددية الديمقراطية ".
فإله النصارى حضاري، يقبل وجود (الآخَر). بينما إله اليهود ـ والإسلام جزء من اليهودية بزعمه كما سبق بيانه قبل قليل ـ دكتاتوري، يغار من الآلهة الأخرى !! ولتأكيد ذلك قال قبيل نهاية صفحته: " كان الله الواحد الصمد غيوراً واستبدادياً في مملكته (أوّل ما فعله محمد حين دخل مكّة كان إزالة الآلهة الأخرى المنافسة من الوجود-وإزالة أتباعها أيضاً من خارطة عالمه: إما بقتلهم أو بإجبارهم على الهروب [5] أو بتركهم يعتنقون ديانة إلهه حتى لو كانوا ضمنياً غير مقتنعين بذلك وحتى لو كان هو ذاته يعرف أنهم منافقون-من دخل دار أبي سفيان فهو آمن !) [6] ".

هذه الشبهة الغريبة، لا تثبت أمام الحس والمشاهدة والمنطق والتاريخ، فالدول الغربية لم ترقَ سُلَّم المدنية والتقنية إلا بعد أن نحَّت الكنيسة ـ والدين الذي تمثله ـ عن طريق البحث العلمي، ولفظِ عقلائهم النصوص ـ المقدسة ـ التي تحوي أخطاءً علمية، وراء ظهورهم.
في المقابل: لم يرتق العرب علياء الحضارة والمدنية إلا بعد التزام الإسلام، والتحلي بأسس البحث العلمي، مستهدين بنور القرآن الكريم.. ولم يتخلفوا عن الركب، إلا بعد أن ابتعدوا عنه.
ولله در عمر بن الخطاب حين قال: " إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ". [8]

إن كان كلام نبيل فياض حقاً، يجب أن تكون الشعوب البدائية الوثنية ـ التي جعلت لكل شيء في الكون إلهاً ـ أكثر شعوب الأرض حضارة ومدنية وتقدماً ؟! وحضارة عرب الجاهلية، أرقى من حضارة الدولة العباسية، واليهود أكثر الناس تخلفاً علمياً وتقنياً.. وهذا خلاف الحس والمشاهدة، ولا يرضى تصديقه أحد.
لو كان الدكتور نبيل فياض منصفاً، لدعا الأمة إلى التوحيد، ونبذ الشرك.. التوحيد أصل عزتهم وسؤددهم، لا أن يدعوهم إلى الشرك بما يمثله من رجعية وتخلف وتبعية، عنوان جاهليتهم.
أوَ ليس من دعاة رفض التخلف والرجعية ؟!!
هذا إن صَدق في دعوى ديمقراطية إله النصارى، الذي أسَّس قاعدة: " من ليس معنا، فهو ضدنا ". حيث جاء في إنجيل متى [12/30]: " من ليس معي، فهو عليَّ ".

* ليس وراء الاشمئزاز من التوحيد، والاعتزاز بالشرك ـ بشتى صوَره ـ سوى قلب مريض:
" وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " [الزمر: 45].

نسأل الله السلامة


الهوامش:
---------------
[1] اليهودية الحاخامية (التلمودية) (Rabbinical (Talmudic) Judaism): لها عدة أسماء: «اليهودية الحاخامية» أو «اليهودية التلمودية» أو «اليهودية الربانية» أو «اليهودية الكلاسيكية» أو «اليهودية المعيارية» وهي شكل العقيدة اليهودية السائد بين معظم الجماعات اليهودية في العالم، ابتداءً من حوالي القرن التاسع الميلادي، وحتى نهاية القرن الثامن عشر. كانت عبارة استخدمها اليهود القرّاؤون ليؤكدوا أن النسق الديني الذي يؤمن به الفريق الديني المعادي لهم، إنما هو ثمرة جهود الحاخامات (بمعنى الفقهاء) الذين فسروا التوراة (الشريعة المكتوبة)، وابتدعوا الشريعة الشفوية (التوراة الشفوية أو التلمود)، وجعلوها الأساس الذي تستند إليه رؤيتهم الدينية، والمحور الذي تدور حوله. وذلك تمييزاً لها عن اليهودية ـ التوراتية، إن صح التعبير ـ التي تستند إلى التوراة فقط (الشريعة المكتوبة)، المرسلة من الإله. ولكن، بتحوُّل القرائين إلى جماعة دينية هامشية، أصبح مصطلحا «يهودية حاخامية» و«يهودية» مترادفَين. انظر: موسوعة اليهود، د. عبد الوهاب المسيري 5/93.
[2] من خلال استقراء المواقع غير الإسلامية: يتبين أنهم يصطلحون على النصرانية بأنها فرقة من فرق المسيحية (كالأريسيين) انتشرت بدعتهم (التوحيد ورفْض التثليث !!) في جزيرة العرب قبيل الإسلام، بينما المسيحية هي ما عليه الكنائس التي يعترف البابا بها الآن.
[3] لم يفرق بين بني إسرائيل بصفتهم قوم (فيهم المسلم واليهودي والنصراني والملحد..)، واليهودية (الدين). فالمؤمنون من قومِ بني إسرائيل كانوا مفضلين على العالمين في زمانهم بحمل شرف النبوة والدعوة، لكن لمَّا تركوا الدين الحق، زال عنهم شرف التفضيل. فليس لقوم في الإسلام أي شرف لانتمائهم العرقي، بل الشرف والخيرية للتقوى والدعوة إلى الدين الحق، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]. وقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 110]. وهذا من عدل الله تعالى، ووسطية الإسلام.
[4] لا علاقة بين معنى الفاروق والمخلِّص، جاء في لسان العرب لابن منظور10/303 (فرق): " الفاروق ما فرَّق بين شيئين، ورجل فاروق: يفرق ما بين الحق والباطل. والفاروق: عمر بن الخطاب ، سمي به لتفريقه بين الحق والباطل.. أو لأنه ضرب بالحق على لسانه.. وقيل إنه أظهر الإسلام بمكة ففرق بين الكفر والإيمان ". وذكر من معاني الفاروق أيضاً ـ من الفَرَق: الفزع ـ: " رجل فرْق وفرِق وفروق وفروقة وفاروقة: فزِعٌ شديد الفَرَق ". فليس من معاني الفاروق: " المخلِّص " كما زعم.
هل نسي العهدة العمرية التي نصت على أنه لا يسكن في بيت المقدس يهودي، وأن عمر هو الذي أخرجهم من جزيرة العرب بعد أن أجلاهم عن خيبر ؟ كل هذا وعمر يحبهم !! فكيف إن أبغضهم ؟
[5] لم يذكر التاريخ أن الإسلام أباد ثقافة من الثقافات بحد السيف، أو أهلك شعباً من الشعوب، وحضارة من الحضارات. بل ما فعله أتباع الإله (الديمقراطي) المزعوم في العالم الجديد ـ الأمريكتين وأستراليا ـ، ومحاكم التفتيش في أسبانيا، وإبادة المسلمين في الفلبين.. على أيدي المنصرين الأوروبيين. انظر كتاب: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، محمد الغزالي.
[6] رواه مسلم في الجهاد والسير باب فتح مكة (1780) في قصة فتح مكة المشهورة. والحكمة من ذلك؛ أن النبي أراد دخول مكة المكرمة سلماً دون إراقة قطرة دم، فكان أفضل حل للتوصل إلى ذلك هو (مَنعُ التجول) في طرقات مكة المكرمة أثناء دخول المسلمين، ولذلك كان القرار بأن يلزم كل شخص بيته، ومَن ليس مقيماً في مكة المكرمة يدخل الحرم. وبما أن الحرم قد لا يتسع لهم كلهم، أمَرَ من لم يجد مكاناً فيه، بالتوجه إلى دار أبي سفيان؛ لأنه شخصية معروفة في مكة، بيته معروف، ويستطيع ـ لقدرته المادية ومكانته الاجتماعية عند العرب ـ استيعاب كثير من الناس. كما أن أبا سفيان لم يكن الوحيد الذي حاز على ذلك الشرف عند فتح مكة المكرمة. جاء في سير أعلام النبلاء للذهبي 3/48 في ترجمة حكيم بن حزام : " أن رسول الله قال يوم الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل دار بديل بن ورقاء فهو آمن ". إنَّ قصْدَ نبيل فياض في قوله أعلاه: الطعن بصدق إسلام أبي سفيان ؛ حقداً منه على المذهب السني.
[8] رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان 1/130 (207) وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.