المطَّردات وشبه المطردات في التنزيل..

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على أشرف المرسلين...
وبعد،
فإني أعني بالمطردات ما جاء على وتيرة واحدة في مواضع متفرقة من القرآن الكريم،سواء أكان هذا الاطراد للمعنى أم للمبنى،وأعني بشبه الاطراد تخلف مفردة او اثنتين عن القاعدة العامة بما لا يلغي هذه القاعدة ،فمن المقررعند الناس أن القاعدة ليس من شرطها أن تكون مطلقة تذعن لها كل الجزئيات بل يكتفى فيها بالأغلب والأعم،ولو تم تكذيب كل قاعدة بتخلف جزئية عنها لما استقام للناس علم ولا فهم... فما زال النحاة يقولون" يحفظ ولا يقاس عليه" وما زال أهل الرياضيات -وهو مجال الصرامة والضبط الشديد-لا يتبرمون من "الحالات خاصة " التي تنفلت من القواعد الكلية..
والغربيون ينعتون المفردة الخارجة عن القاعدة ب"الاستثناء المؤكد للقاعدة".
وهو تعبير صحيح ،فلولا أن القاعدة فرضت سلطانها على العقل لما أمكن الوعي بالاستثناء !!
وعلى كل حال لا ينبغي التسوية بين القاعدة العقلية والقاعدة اللغوية. فإذا كان المنطقيون يقولون –مثلا-إن الكلية الموجبة تنقض بالجزئية السالبة ،فإن القاعدة اللغوية تتميز بمرونة أكثر ،وتسامحا أكبر ،بل ربما اجتمع الشيء وضده تحت خيمة واحدة ،كأن يجعل البلاغيون النكرة دالة على التعظيم وعلى التحقير معا !!
سنجمع- إن شاء الله تعالى -في هذا المقال بعض المطردات :
1-
من مطردات التنزيل اقتران الاسمين العظيمين:الواحد/القهار

1-يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف : 39]
2-قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد : 16]
3-يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم : 48]
4-قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ص : 65]
5-لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر : 4]
6-يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر : 16]

يمكن تفسير الاقتران في كل موضع بحسبه ،لكننا نقترح تفسيرا كليا فنقول:

لعل السر في هذا التلازم –والله أعلم-أن الذهن الإنساني يتوهم في" الواحد" ضعفا وذلة ويتوسم في الكثرة قوة وعزة، ويعتقد أن الانحياز إلى الجماعة يتيح من الأمن والاهتداء أكثر مما يتيح الانحياز إلى الواحد..
فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ [القمر : 24]
والقرآن أزال هذا الوهم الذي قد يطوف بالذهن تحت إيحاء الكلمات ،فشفع اسم " الواحد" باسم "القهار" ...

1-يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف : 39]
لنلحظ التقابل بين: أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ/ الْوَاحِدُ الْقَهَّار
فلو قيل "أأرباب خير من واحد ؟"
لربما قال الجاهل:
" الأرباب خير"، انحيازا منه إلى حيث يتوهم القوة ..
فكان إحكام الآية أن نكرت وعرفت ...
وقيدت الكثرة بالتفرق لتذهب فضيلة قوة الجماعة المتوهمة، وقرنت الواحد بالقهار .. على تقدير:
هو واحد، نعم، لكنه قهار!!