أنقل شروطالقراءة والقارئ والمقرئ ذكرها الإمام شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بنمحمد بن يوسف (المتوفى: 833هـ (،عليه سحائب الرضوانوالرحمةمن كتابه المفيد منجد المقرئين ومرشدالطالبين:
قال تعالى:
الباب الأول: "في القراءات والمقرئ والقارئ وما يلزمهماوما يتعلق بذلك"
القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزوالناقلة. خرج النحو واللغة والتفسير وما أشبه ذلك.
والمقرئ العالم بها ورواها مشافهة، فلو حفظ "التيسير" مثلا ليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا لأن فيالقراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة.
والقارئ المبتدئ من شرع في الإفراد إلى أنيفرد ثلاثا من القراءات،
والمنتهى من نقل القراءات أكثرها وأشهرها.
وأول مايجب على كل مسلم أن يخلص النية لله تعالى في كل عمل يقربه إليه، وأن يقصد به رضاالله تعالى لا غير قال تعالى: مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5] و إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَالْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] وعلامة صدق المخلصين ما قاله السيد ذو النونالمصري: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤيةالأعمال في الأعمال، واقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة.
والذي يلزمالمقرئ أن يختلق به من العلوم قبل أن ينصب نفسه للاشتغال أن يعلم من الفقه ما يصلحبه أمر دينه، ولا بأس من الزيادة في الفقه بحيث إنه يرشد طلبته، وغيرهم إذا وقع لهمشيء، ويعلم من الأصول قدر ما يدفع به شبهة من يطعن في بعض القراءات،
وأن يحصلجانبا من النحو والصرف بحيث إنه يوجه ما يقع له من القراءات، وهذا من أهم ما يحتاجإليه وإلا يخطئ في كثير مما يقع في وقف حمزة والإمالة ونحوذلك
منالوقف والابتداء وغيره، وما أحسن قول الإمام أبي الحسنالحصري

لقديدعي علم القراءات معشر ... وباعهم في النحو أقصر منشبر
فإن قيلما إعراب هذا ووجهه؟ ... رأيت طويل الباع يقصر عنفتر

وليحصل طرفا مناللغة والتفسير، ولا يشترط أن يعلم الناسخ والمنسوخ كما اشترطه الإمام الجعبري.
ويلزمهأيضا أنيحفظ كتابا مشتملا على ما يقرئ به من القراءات أصولا وفرشا، وإلاداخله الوهم والغلط في كثير. .
وإن أقرأ بكتاب وهو غير حافظ له فلا بد أن يكون ذاكرا
كيفية تلاوته به حال تلقيه من شيخه مستصحبا ذلك، فإن شك في شيء فلا يستنكف أن يسألرفيقه أو غيره ممن قرأ بذلك الكتاب حتى يتحقق بطريق القطع أو غلبة الظن فإن لم. وإلا فلينبه على ذلك بخطه في الإجازة، وأما من نسي أو ترك فلا يعدل إليه إلالضرورة، ككونه انفرد بسند عال أو طريق لا توجد عند غيره فعند ذلك والحالة هذه لايخلو إما أن يكون القارئ عليه مستحضرا ذاكرا عالما بكيفية ما يقرأ أولا، فإن كانفسائغ جائز وإلا فحرام ممنوع.
وأن يحذر الإقراء بما يحسن في رأيه دون النقل أو وجهإعراب أو لغة دون رواية.
ونقل أبو القاسم الهذلي عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال: لاتغتروا بكل مقرئ إذ الناس على طبقات؛ فمنهم من حفظ الآية والآيتين والسورةوالسورتين، ولا علم له غير ذلك فلا تؤخذ عنه القراءة، ولا تنقل عنه الرواية ولايقرأ عليه، ومنهم من حفظ الروايات، ولم يعلم معانيها ولا استنباطها من لغات العرب،ونحوها فلا تؤخذ عنه لأنه ربما يصحف، ومنهم من يعلم العربية، ولا يتبع الأثروالمشايخ في القراءة فلا تنقل عنه الرواية لأنه ربما حسنت له العربية حرفا ولم يقرأبه والرواية متبعة والقراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، ومنهم من فهم التلاوة وعلمالرواية، وأخذ حظّا من الدراية من النحو واللغة، فتؤخذ منه الرواية ويقصد للقراءة.
وليس الشرطأن يجتمع فيه جميع العلوم إذا الشريعة واسعة والعمر قصير وفنون العلم كثيرة ودواعيهقليلة، والعوائق ملعومة تشغل كل فريق بما يعنيه. قلت: فحسبك تمسكا بقول هذا الإمامفي المقرئ الذي يؤخذ عنه ويقصد.
ولا يجوز له أن يقرئ إلا بما سمع أو قرأ، فإن قرأ الحروفالمختلف فيها أو سمعها فلا إخلاف في جواز إقرائه القرآن العظيم بها بالشرط المتقدم،وهو أن يكون ذاكرا، وما بعده وهل يجوز له أن يقول قرأت بها القرآن كله؟ لا يخلو إماأن يكون قرأ القرآن كله بتلك الرواية على شيخه أصولا وفرشا، ولم يفته إلا تلكالأحرف فيتلفظ بها بعد ذلك أو قبله أو لا، فإن كان فيجوز له ذلك وإلا فلا. ورأىالإمام ابن مجاهد وغيره جواز قول بعض من يقول قرأت برواية كذا القرآن من غير تأكيدإذا كان قرأ القرآن، وهذا قولا يعول عليه، وكنت قد ملت إليه ثم ظهر لي أنه تدليسفاحش، وهذا يلزم منه مفاسد كثيرة فرجعت عنه.
وهل يجوز له أن يقرأ القرآن بما أجيز لهعلى أنواع الإجازة؟ جوز ذلك العلامة الجعبري مطلقا، ومنعه الحافظ الحجة أبو العلاءالهمداني، وجعله من أكبر الكبائر.
وعندي أنه لا يخلو إما أن يكون تلا بذلك أو سمعه فأرادأن يعلي السند أو يكثر الطرق فجعلها متابعة أولا، فإن كان فجائز حسن فعل ذلكالعلامة أبو حيان في كتاب "التجريد" وغيره عن أبي الحسن بن البخاري وغيره متابعة،وكذا فعل الشيخ الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ بالمستنير عن الشيخ كمالالدين الضرير عن السلفي.
وممن أقرأ بالإجازة من غير متابعة الإمام أبو معشرالطبري، وتبعه الجعبري وغيره، وعندي في ذلك نظر لكن لا بد من اشتراط الأهلية.
ولابد للمقرئ من التنبيه بحال الرجال والأسانيد مؤتلفها ومختلفها، وجرحها وتعديلها،ومتقنها ومغفلها، وهذا من أهم ما يحتاج إليه. وقد وقع لكثير من المتقدمين في أسانيدكتبهم أوهام كثيرة وغلطات عديدة من إسقاط رجال، وتسمية آخرين بغير أسمائهم وتصاحيفوغير ذلك، وقد نبهت على ذلك في كتاب طبقات القراء، وعقدت في أوله فصلا مشتملا علىما اشتبه في الاسم والنسبة.
وشرط المقرئ وصفته أن يكون مع ما ذكرناه حرا عاقلا مسلمامكلفا ثقة مأمونا ضابطا متنزها عن أسباب الفسق ومسقطات المروءة، أما إذا كان مستوراوهو أن يكون ظاهر العدالة، ولم تعرف عدالته الباطنة فيحتمل أنه يضره كالشهادة،والظاهر أنه لا يضره لأن العدالة الباطنة تعسر معرفتها على غير الحكام ففي اشتراطهاحرج على الطلبة والعوام. وينبغي للمقرئ أن لا يحرم نفسه من الخلال الحميدة المرضيةمن الزهد في الدنيا، والتقلل منها وعدم المبالاة بها وبأهلها والسخاء والحلم والصبرومكارم الأخلاق وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة وملازمة الورع والخشوعوالسكينة والوقار والتواضع والخضوع، وليجتنب الملابس المكروهة وغير ذلك مما لا يليقبه، وليحذر كل الحذر من الرياء والحسد الحقد والغيبة واحتقار غيره، وإن كان دونهوالعجبوقل من يسلم منه.
روينا عن الإمام أبي الحسن الكسائيأنه قال: صليت بالرشيد فأعجبتني قراءتي فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط أردت أنأقول: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72، الأعراف: 168، يوسف: 62] فقلت: لعلهم يرجعين. قال: فوالله ما اجترأ هارون أن يقول لي أخطأت، ولكنه لما سلمت قاللي: يا كسائي، أي لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد! قال: أمافنعم.
وينبغي له أيضا أن لا يقصد بذلك توصلا إلى غرض من أغراضالدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة أو ثناء عند الناس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحوذلك.
وأماأخذ الأجرة على الإقراء ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء؛ فمنع أبو حنيفة والزهري،وجماعة أخذ الأجرة وأجازها الحسن وابن سيرين والشعبي إذا لم يشترط، ومذهب الشافعي،ومالك وعطاء جوازها إذا شارطه واستأجره إجاره صحيحة. قلت: لن يشترط أن يكون في بلدهغيره،أما إذا لم يكن غيره فلا يحل له أخذ الأجرة لأن الإقراء صار عليهواجبا.
وأما قبول الهدية ممن يقرأ عليه فامتنع من قبولها جماعةمن السلف، والخلف تورعا خوفا من أنها تكون بسبب القراءة. وقال الإمام محيي الدينالنووي: ولا يشين المقرئ إقراؤه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه سواء كانالرفق مالا أو خدمة، وإن قل ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لماأهداها إليه. قلت: وحسن التفصيل كما قيل في القاضي لا يخلو إما أن يكون القارئ كانيهدي للشيخ قبل قراءته عليه أولا، فإن كان فلا يكره.
قال الإمامالنووي: وليحذر -يعني المقرئ- من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذهمصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيتهوفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى فإنه لو أرادالله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، ولقال لنفسه أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلتوهو قصد بقراءته على غيري زيادة علم فلا عتب عليه.
فإذا جلس ينبغي أن يكون مستقبل القبلة علىطهارة كاملة، ويجلس جاثيا على ركبتيه، ويصون عينيه في حال الإقراء عن تفريق نظرهمامن غير حاجة، ويديه عن العبث إلا أن يشير إلى القارئ بأصابعه إلى المد والوقفوالوصل، وغير ذلك مما مضى السلف عليه. وينبغي أن يوسع مجلسه ليتمكن جلساؤه فيه لأناقد روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليهوسلم قال: "خير المجالس أوسعها" وليقدم الأول فالأول، فإن رضي الأول بتقديم غيرهقدمه؛ هذا الذي رأينا عليه الخلف من شيوخنا لا يفعلون غيره وأخبرونا بذلك عن شيوخهممسلسلا،وروي عن حمزة أنه كان يقدم الفقهاء من طلبة العلم، فأول منيقرأ عليه سفيان الثوري. وكان أبو عبد الرحمن السلمي وعاصم يبدآن بأهل السوق لئلايحتبسوا عن معايشهم. قلت: الظاهر أنهم كانوا يجتمعون للصلاة بالمسجد ثم يجسون بعدأجمعون جملة لا يسبق أحدا أحدا، وإذا كان كذلك فالشيخ عند ذلك مخير في تقديمأيهم.
وهليمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية؟ فالذي نصر عليه العلماء أنه لا يمتنع،وقالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله. معناه أنه كانت عاقبته لله. وينبغي له القيام في مجلسه لمن يستحق الإكرام من طلبته، وغيرهم استمالة لقلوبهم علىحسب ما يراه فقد كاننافع يقوم لابن جماز إذا رآه ويرفع قدره ويجل منزلته؛ لأنهكان رفيقه في القراءة على أبي جعفر ثم قرأ عليه. ويستحب أن يسوي بين الطلبةبحبسهم إلا أن يكون أحدهم مسافرا أو يتفرس فيه النجابة أو غير ذلك، وله أن يقرئهمما شاء كثرة وقلة، وأما ما ورد عن السلف من أنهم كانوا يقرئون ثلاثا ثلاثا، وخمساخمسا وعشرا عشرا لا يزيدون على ذلك فهذه حالة التلقين. وأما من يريد تصحيح قراءة أونقل رواية أو نحو ذلك فلا حرج على المقرئ أن يقرئ ما شاء، وقد قرأ ابن مسعود علىالنبي من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: وَجِئْنَا بِكَعَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [الآية: 41] وقال نافع لورش: لما قدم عليه وسأله أن يقرأعليه: بت في المسجد فلما اجتمع عليه أصحابه قال لورش: أبت في المسجد؟ قال: نهم. قال: أنت أولى بالقراءةفقرأ عليه القرآن كله في خمسينيوما. وعلى هذا مضت سنة المقرئين،
وقد قرأ الشيخ نجم الدين عبد الله بن عبدالمؤمن مؤلف الكنز القرآن كله جمعا بالعشر على شيخ شيوخنا الإمام تقي الدين بن أحمدالصائغ لما رحل إليه إلى مصر في كدة سبعة عشرة يوما،
وقرأت أناعلى شيخنا العلامة الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ لما رحلت إليهالرحلة الأولى إلى مصر وأدركني السفر، وكنت قد وصلت عليه إلى آخر "الحجر" جمعاللقراءات السبع ضمن "الشاطبية" و"العنوان" و"التيسير" فابتدأت عليه "النحل" ليلةالجمعة، وختمت عليه ليلة الخميس في ذلك الأسبوع، وآخر مجلس قرأته أني ابتدأت من أول "الواقعة" ولم أزل حتى ختمت في مجلس واحد ليلا.
وقدم على دمشق شخص من حلب، فقرأ علي القرآنأجمع بقراءة ابن كثير في خمسة أيام متتابعات، ثم قراءة الكسائي في سبعة أيامكذلك.
ويجوزله الإقراء في الطريق لا نعرف أحدا أنكر هذا إلا ما روي عن الإمام مالك -رضي اللهعنه- أنه قال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق. وكان الشيخ علم الدين السخاوي -رحمهالله- وغيره يقرؤن في الطريق، وروى ابن أبي داود عن أبي الدرداء -- أنهكان يقرئ في الطريق. وعن عمر بن عبد العزيز أنه أذن فيها. قال الشيخ محي الدينالنووي -: وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لميلْتَهِ صاحبها، فإن التهى عنها كرهت كما كره النبي القراءةللناعس مخافة من الغلط. قلت: وقد قرأت على الإمام شمس الدين بن الصائغ في الطريقغير مرة، تارة أكون أنا وهو ماشيين وتارة يكون راكبا على البغلة وأنا ماش. وأخبرنيغير واحدة من شيوخنا منهم الإمام العلامة القاضي محب الدين بن يوسف الحلبي ناظرالجيوش الشامية أنهم كانوا يستبشرون يوم بروح الشيخ تقي الدين الصائغ إلى جنازة. قال القاضي محب الدين: كثيرا ما كان يأخذني في خدمته، فكنت أقرأ عليه في الطريقماشيا، وهو راكب على حمارته. وقال عطاء بن السائب: كنا نقرأ على أبي عبد الرحمنالسلمي، وهو يمشي قال السخاوي عقب هذا: وقد عاب قوم علينا الإقراء في الطريق، ولنافي أبي عبد الرحمن أسوة، كيف وقد كان لمن هو خير مناقدوة؟
وينبغي له إذا أراد التصنيف أن يبدأ بما يعم النفع بهوتكثر الحاجة إليه بعد تصحيح النية، والأولى أن يكون شيئا لم يسبق إلى مثله، وليحذرما استطاع وليحسن الثناء على من يذكره من الأئمةوالشيوخ.
وأما القارئ فتقدم حكمه، وما يجب عليه من الإخلاص وحسنالنية ثم يجد في قطع ما يقدر عليه من العلائق والعوائق الشاغلة عن تمام مراده،وليبادر في شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف فهذه آفة الطالب،
وأن لايستنكف عن أحد وجد عنده فائدة. وليقصد شيخا كملت أهليته، وظهرت ديانته جامعا لتلكالشروط المتقدمة أو أكثرها، فإذا دخل عليه فليكن كامل الحال متنظفا متطهرا متأدبا،وعليه أن ينظر شيخه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على نظرائه. قالالربيع صاحب الشافعي: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. فإن وقعمنه نقص فليجعل النقص من نفسه بأنه لم يفهم قول الشيخ كان بعض أهل العلم إذا ذهبلشيخهتصدق بشيءوقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمهمني.
وينبغي أن لا يذكر عند شيخه أحدا من أقرانه ولا يقول قالفلان خلافا لقولك، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر، فإن تعذر عليه ردها قام وفارق ذلكالمجلس. وإذا قرب من حلقة الشيخ فليسلم على الحاضرين وليخص الشيخ بالتحية، ولايتخطى رقاب الناس بل يجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم. ولايقيم أحدا من مجلسه فإن آثره لم يقبل اقتداء بابن عمر -- إلا أن يقسمعليه أو يأمره الشيخ بذلك. ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما،
وإذا جلسفليتوسع وليتأدب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ فإن ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه. ولا يرفع صوته رفعا بليغا ولا يضحك ولا يكثر الكلام ولا يلتفت يمينا ولا شمالا بليكون مقبلا على الشيخ مصغيا إلى كلامه. قال الشيخ محي الدين النووي: ومن آدابه -يعني القارئ- أن يحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقادكماله فيتأول أفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة فلا يعجز عن ذلك إلاقليل التوفيق أو عديمه انتهى.
وينبغي أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ ومللهوغمه وجوعه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشق على الشيخ أو يمنعه من كمال حضورالقلب، وأن يحرص كل الحرص على أن يقرأ على الشيخ أولا فإنه أَفْوَد له وأسهل علىالشيخ. وإذا أراد القراءة ينبغي أن يستاك بعود من أراك فإنه أبقى للفصاحة وأنقىللنكهة. ويجوز له القيام لشيخه وأستاذه وهو يقرأ، ولمن فيه فضيلة من علم أو صلاح أوشرف أو سن أو حرمة بولاية أو غير ذلك، وذكر الشيخ محيي الدين النووي أن قيام القارئفي هذه الأحوال وغيرها مستحب لكن بشرط أن يكون القيام على سبيل الإكرام والاحتراملا على سبيل الرياء والإعظام.
وينبغي أن يفرد القراءات كلها، فإنأراد الجمع فلا بد من حفظ كتاب جامع في القراءات. وعليه أن يحفظ كتابا في الرسم وليعلم حقيقة التجويد ومخارج الحروفوصفاتها، وما يتعلقبها علماوعملا.
وأما الجمع وكيفيته :
فلم أر أحدا نبه عليه، ولم يكونوا في الصدر الأول يقرئون بالجمع، وقد تتبعت تراجم القراء فلم أعلم متى خرج الجمع، وقد بلغني أن شخصا من المغاربة ألف كتابا في كيفية الجمع ،
لكن ظهر لي أن الإقراء بالجمع ظهر من حدود الأربعمائة وهلم جرا وتلقاه الناس بالقبول، وقرأ به العلماء وغيرهم لا نعلم أحدا كرهه. أقرأ به الحافظ أبو عمرو الداني ومكي القيسي وابن مهران وأبو القاسم الهذلي، وأبو العز القلانسي والحافظ أبو العلاء الهمداني والشاطبي وإسحاق، وممن قرأ به من المتأخرين الإمام الحافظ أبو شامة والإمام المجتهد أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي والإمام الجعبري والناس.
والذي ينبغي أن القارئ لا يقصد بتكراره وجه الرواية فقط، وإنما يقصد التدبر والتفكر وتكثير الأجر وأن له بكل حرف عشر حسنات. وينبغي أن لا يقف إلا على وقف أجازه العلماء، ولا يبتدئ إلا بما تظهر به الفائدة
وليكرر الوجه بعد الوجه من الابتداء إلى الوقف. وأما ما أخذ به بعض المتأخرين من أنهم يقرؤن الجمع كلمة كلمة فبدعة، وحشة تخرج القرآن عن مقصوده ومعناه، ولا يحصل منها مراد السامع والله تعالى أعلم بما على من يتعمد ذلك.
ولا حرج على القارئ أن يبتدئ في حالة الجمع بما شاء من القراءات في تقديم وتأخير إذ المقصود قراءة جميع الأوجه لكن الأسهل أن يقرأ بالترتيب كما رتبه صاحب كتابه. والأولى أنه إذا وقف على قراءة يبتدئ بها فإنه أقوى في الاستحضار وأبعد من التركيب.
وأما ما يتعلق بذلك فمعنى قولنا فيما تقدم أن يكون ذاكرا كيفية تلاوته به الخ إنما هو المذكور في الكتاب من فرش وأصول ونحوه مما لا حرج فيه إذ غيره لا ينضبط لأن كل كلمة وصلها أو فصلها على شيخه متى فصل الموصولة أو وصل المفصولة خالفه كما لو ابتدأ بهمزة الوصل في نحو لِقَاءَنَا ائْتِ [يونس: 15] أو وقف على حرف مبدل نحو "نعمة" و"رحمة" أو حرف مد نحو قَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل: 15] قَالُوا الْآنَ [البقرة: 71] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ [القرة: 269] فإن ادعى أحد ضبط كيفية تلاوته على شيخه بذلك، وقال أصل ما وصلت وأفصل ما فصلت، فجوابه أن سوعدت على ذلك، وتحريت وضبطت فأقرأت به جعلت الجائز واجبا .
لكن نقول: النقل على قسمين: مقروء ومروي، فالأول المقروء على معرفة كيفية تلاوته وضبطها، والثاني نحو ما مثلنا به آنفا فينبغي للمجيز أن يقول: أذنت أو أجزت له أن يقرأ بما قرأه علي وما لا حرج فيه، ويقول المجاز في الأول قرأته، وفي الثاني رويته، وأعلى ما يكتب للمجاز الإذن والأهلية لا يكتب إلا لذلك، وذاك ثم كذلك، ويجوز له أن يقول: أجزت له أن يقرئ بكذا عند تأهله لذلك. ولا بد من سماع الأسانيد على الشيخ والأعلى أن يحدث الشيخ بها لفظه، فأما من لم يسمع الأسانيد على شيخه فأسانيده من طريقه منقطعة.
وأما ما جرت به العادة من الإشهاد على الشيخ بالإجازة والقراءة فحسن يدفع التهمة ويسكن القلب، وأمر الشهادة يتعلق بالقارئ يشهد على الشيخ من يختار، والأحسن أن يشهد أن أقرانه النجباء من القراء المنتهين لأنه أنفع له حال كبره.إ.هـ