قصة تائبة من التبرج
هذه قصة تائبة من التبرج كما حكتها هي في كتابها ، تقول الأستاذة الفاضلة نعمت صدقي في كتابها ( التبرج ) : ولقد منَّالله علي بالشفاء من هذا الوباء ( التبرج ) الذي سرى إلي من البيئة والغفلة عدواه ؛ فداواني منه ربي سبحانه بمرض أليم في بدني ، أعاد إلي الصحة والعافية في روحي وقلبي؛ فغن الرسولe يقول : " إذا أراد الله بعبد الخير عجل له العقوبة في الدنيا " ، مرضت مرضًاشديدًا بعد خلع ضرس قاسيت منه آلامًا مبرحة ، حرمتني طعم النوم والأكل شهرًا كاملا، إذ لم يكن يكف الألم لحظة ليلا ولا نهارا ؛ وزاد الورم حتى كاد خدي ينفجر ، وامتد إلى عنقي ورأسي ، وأغلق جفني عيني ، فحار في أمري الجراحون والأطباء ، وعجز الطبوعز الدواء ، وقطع الأمل بتاتًا من الشفاء .
وإذا بيد الله الكريم تمتد وتمسحالمرض والورم ، وتمحو على مهل الجرح وتصرف الألم ؛ فوقف الأطباء مدهوشين من هذهالمعجزة ، وقالوا خاشعين : حقًا إن الله القدير الرحيم يحيي العظام وهي رميم .
فعانيت تفاهة الخلق ، وعجز من ادعى العلم والسلطان ، وأدركت أن الخالق سبحانهأبر وأرحم بعبده من كل إنسان .
وفي أثناء مرضي عادتني سيدة ، وقالت لي مجاملة : إنك لا تستحقين كل هذا العذاب ، أنت السيدة المؤمنة المصلية الحاجة بيت الله الحرام، فماذا اقترفت من الآثام حتى يعاقبك الله بهذه الآلام ؟ فصرخت قائلة : لا تقوليهذا ! فإن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ! إني آثمة أستحق هذاالعقاب وزيادة : هذا الفم الذي أدبه الله بالمرض والألم كان يصبغ بالأحمر ، وكان لايأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ؛ وهذا الوجه الوارم كان يتجمل بالمساحيق ، وهذاالجسم الطريح كان يتبرج بالثوب الأنيق ؛ وهذه الرأس المتألمة المتأججة بنار الحمى ،كانت لا تحتجب بالخمار كما أمر الله ؛ وهي الآن تحجب قهرًا باللفائف الطبية ، تحيطبها كالخمار تمامًا ؛ لم أختمر بخمار الاحتشام ، فخمرني الله بخمار الآلام ؛ جملتفمي ووجهي بالأصباغ والأدهان ، فصفعهما الله صفعة العذاب والهوان .
أجابتنيالسيدة قائلة : إنك لم تفعلي غلا ما يفعله غيرك ، بل وأقل مما يفعله غيرك ؛ فكلالنساء يتبرجن ويتجملن أكثر منك ، وها هنَّ يرتعن في بحبوحة الصحة ؛ ويرفلن في حللالسعادة !!
فقلت : هذا من فضل ربي علي ، وحبه لي ، ورحمته بي ؛ فإن الله إذا أحبعبدا ابتلاه وطهره بعذابه ورباه ؛ ثم إذا أراد ساق له العافية ونجَّاه وهذا الألمالشافي الناجع ، وهذا العقاب المؤدب الرادع ، وهذا المرض المهذِّب اللاذع .
إنالله سبحانه يأمرني بفعله عندما رآني لم أأتمر بقوله ، فكيف لا أشكره على هذهالعناية ؟ وكيف لا أطيع من يرعاني هذه الرعاية ؟
وهكذا شُفيت من مرضي ضعيفةالجسم قوية الإرادة، ضعيفة الهوى قوية الصبر والجلادة ، وفهمت ما قاله الله لي بهذاالمرض ؛ وما سكبه في قلبي بلا ألفاظ ، وما صوره لعيني فرآه قلبي جلِّيًا واضحًا .
فهمت كيف يجب أن تحاط رأسي ووجهي بالخمار كما مثَّله لي الله تعالى ؛ وأن يدعوفمي ولساني شكرًا وخوفًا وطمعًا ؛ فكنت بعد مرضي غير ما كنت قبله ، وكان أعظم نعمةعليَّ جعلتني أقهر هوى نفسي ، وصيرت يومي أغنى وأقنى من أمسي .
ولم تقتصر هذهالنعمة عليَّ وحدي ، بل عمت أهل بيتي ، وانتشرت من حولي ، وأنقذت بناتي وكثيرا منمعارفي وأهلي.
والحمد لله علي أني تبت إلى الله من قريب ، ولم أصر على ما فعلتوأنا أعلم ؛ واحتشمت قبل فوات الوقت ، لا كما تفعل بعض النساء اللاتي يحتشمنويختمرن في وقت لا جناح عليهن فيه أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ، فلا يكونتركهن المعصية إلا من عجز ، لا عن توبة صادقة .
ومنذ ذلك اليوم عزمت على أنأحارب الفسق ، وأن أجاهد في سبيل الله بلساني وقلمي ، كرست لذلك كل ما أستطيع منقوتي ووقتي وفهمي ..ا.هـ ( 1 ) .
_
( 1 )
انظر ( التبرج ) لنعمت صدقي ص 9 : 14 .