قد عملت جاهداً على أن أتناول الموضوع بطريقة من ألف في علوم القرآن بعيدا عن الطريقة التي اتبعها علماء أصول الفقه ، وقد بذلت في ذلك جهداً ليس بالهين ، نتيجة لشح مادة الموضوع في كتب علوم القرآن .علما أن عملي قائم على الجمع والترتيب لاغير .
سائلا الله تعالى أن يكتب لنا ولكم التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة.
وسيكون تنزيل الموضوع في هذا الملتقى المبارك على أجزاء , والله ولي التوفيق .

المطلق والمقيد
ترد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص مطلَقَة بأوامر ونواهٍ مختلفة غير مقيَّدَة بصفة معينة, أو حال مخصوصة، أو غاية محدَّدَة. وترد في القرآن والسُّنَّة أيضًا نصوص مقيَّدَة بقيود معتبرة في تقرير الحكم، لحكمة سامية ينص عليها الشارع حينًا، ويترك التنصيص عليها حينًا؛ ليدرِّبَ العقول على استنباطها بالقرائن الملحوظة من سياق الكلام، أو من العرف اللغوي، أو العرف الشرعي، أو العرف العادي.
وفي الأحكام المطْلَقَة والمقيَّدَة رعاية لمصالح العباد في العاجل والآجل بوجه عام.(1)
تعريف المطلق والمقيد في اللغة :
المطلق لغة:
" مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد(2)
وعرف أيضا : بأنه المنفك من كل قيد حسيًّا كان أو معنويًّا، تقول: أطلقت الدابة إذا فككت قيدها وسرحتها، وهذا إطلاق حسي، ويقال: طلق الرجل زوجته إذا فك قيدها من الارتباط به وهذا إطلاق معنوي.(3) وقال ابن فارس: أما الإطلاق: فأن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به صفة، ولا شرط، ولا شيء يشبه ذلك.(4)
المقيد لغة:
هو ما يقابل المطلق في اللغة فالقيد هو الربط حسيًّا كان أو معنويًّا تقول قيدت الدابة إذا ربطتها بحبل ونحوه، وهذا قيد حسي، وفي الحديث: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن"(5)
قال ابن منظور: "معناه أن الإيمان يمنع عن الفتك بالمؤمن"(6)

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- دراسات في علوم القرآن ، محمد بكر إسماعيل (1/227)
2- انظر معجم مقاييس اللغة (3/420).
3- دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي (ص: 557 )
4- الصاحبي: ابن فارس (ص:146)
5- صححه الألباني في الصحيح ج1 ص541 حديث 2802.
6- لسان العرب: ابن منظور ج3 ص372.
7- دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي (ص:559).

تعريف المطلق والمقيد اصطلاحاً "
المطلق اصطلاحاً: هو ما دلَّ على الحقيقة بلا قيد.(1)
أو هو كما قال الشوكاني(2): "ما دلَّ على الماهية بلا قيد من حيث هي هي، من غير أن تكون له دلالة على شيء من قيوده".
وقال الآمدي(3) في تعريف المطلق: "هو عبارة عن النكرة في سياق الإثبات.
قال: فقولنا: "نكرة", احتراز عن أسماء المعارف, وما مدلوله واحد معين, أو عام مستغرق. وقولنا: "في سياق الإثبات", احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعمّ جميع ما هو من جنسها, وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق، وذلك كقولك في معرض الأمر: "اعتق رقبة"، أو مصدر الأمر كقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَة ، أو الإخبار عن المستقبل كقوله: "سأعتق رقبة", ولا يتصور الإطلاق في معرض الخبر المتعلِّق بالماضي كقوله: "رأيت رجلًا" ضرورة تعينه من إسناده الرؤية إليه.
والمقيَّد اصطلاحاً: هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها (5). وقيل : هو المتناول لمعين ، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه (6)

علاقة المطلق والمقيد بعلوم القرآن:
1- هو من علوم التفسير لأن له أثراً في فهم المعنى.
2- له علاقة بالمتشابه النسبي؛ لأن من أسباب التشابه النسبي: المطلق والمقيد.
3- له علاقة بأحكام القرآن؛ لأن جزءاً منها مرتبط به فله ارتباط بعلم الفقه وأصوله.
4- له علاقة بالناسخ والمنسوخ. (7)
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1- الإتقان ،للسيوطي (ص: 483) ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان (ص: 253)
2- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (2 / 6):
3- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3 / 3):
4- إرشاد الفحول : الشوكاني( 2/6)
5- روضة الناظر : ابن قدامة (2/102)
6- المطلق والمقيد ، الصاعدي (ص: 124)
7- المطلق والمقيد ، د. مساعد الطيار (بحث منشور في ملتقى أهل التفسير )

أمثلة للمطلق والمقيد :
مثال المطلق :"كلفظ "رقبة" في كفارة اليمينفَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ سورة المائدة: الآية 89 فإنه يتناول عتق إنسان مملوك وهو شائع في جنس العبيد مؤمنهم وكافرهم على السواء وهو نكرة في الإثبات؛ لأن المعنى: فعليه تحرير رقبة
مثال المقيد:"كالرقبة المقيَّدة بالإيمان في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.النساء ، آية :92
أنواع المطلق :
المطلق على أنواع (1) :
1-...... كقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ سورة المائدة: الآية 89
2- غير عام كقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6], فالأيدي مطلق والمرافق تقييد, أي: قد يكون اللفظ عاماً من جهة ومطلقاً من جهة, وقد يكون عاماً يقابله الخاص ومطلقاً يقابله التقييد.

والصحيح أن الإطلاق والتقييد لا يختص بالأحكام بل يدخل في الأخبار, ولكن علماء الأصول كان ميدانهم الأحكام ، وهم السابقون بالتصنيف في هذا ؛ لذا كانت أكثر أمثلة السيوطي في الأحكام.
ومن أمثلة الأخبار كما في تفسير الطبري قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي بعد الموت, وقال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين
ومن الأمثلة: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:23] هذا خبر مطلق ، والدليل على ذلك أنه لم يحدد الأحقاب بعدد معين ، بل أطلقها ؛ لذا لا يصلح الاستدلال بها على فناء النار.

قال الزركشي في البحر المحيط(2) (وأقول: التحقيق أن المطلق قسمان:
أحدهما: أن يقع في الإنشاء، فهذا يدل على نفس الحقيقة من غير تعرض لأمر زائد، وهو معنى قولهم: المطلق هو التعرض للذات دون الصفات، لا بالنفي ولا بالإثبات، كقوله تعالى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [البقرة: 67] .
والثاني: أن يقع في الأخبار، مثل رأيت رجلا، فهو لإثبات واحد مبهم من ذلك الجنس غير معلوم التعيين عند السامع، وجعل مقابلا للمطلق باعتبار اشتماله على قيد الوحدة ،

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
(1)المطلق والمقيد ، د. مساعد الطيار (بحث منشور في ملتقى أهل التفسير ) (2) البحر المحيط في أصول الفقه (5 / 7)