لم يَزَل العرب على مَرِّ الزَّمَن يُعنَون بترتيب حروفهم، مُراعين جُملةً من الاعتبارات، وسأُحاوِل الوقوف على رُتبة كُلٍّ مِن الضاد والظاء في تلك التَّراتيب.

الترتيب الأبجدي:

سَرى ترتيب الحروف الفينيقيَّة الاثنين والعشرين إلى سائر اللغات السَّامية، ومنها العربية، وقد نُعِت هذا الترتيب بالأبجدي؛ نِسبةً إلى أُولى كلماته السِّت (أبجد)، وكان الغرض منه حفظ تلك الحروف، واستخدامها أعدادًا في الحساب المسمَّى بـ(الجُمَّل).

وبعد أَنْ اقتبس السُّريان الأرقام الهندية تداولَتْها العرب فيما بينها[1]، لكنها بقيَتْ محافظةً على الاستعمال الحسابي الأبجدي حتى بعد الإسلام؛ إمَّا لِفَكِّ رُموز بعض النُّصوص والتَّنبُّؤ بالأمور الغَيبِيَّة، وإما في الطَّلاسِم السحريَّة، وإما لتأريخ الوقائع والحوادث المهمَّة.

ولأنَّ في ترتيب حروف الأبجدية روايتَين؛ فقد وُجدت أبجديتان: مَشرقيَّة (هي: أبجد، هَوز، حُطي، كَلَمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ)، ومغربية (هي: أبجد، هوز، حطي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش)[2]،وبالعودة إلى الأبجديتَين؛ نجد أن: الضاد تحتل المرتبة السادسة والعشرين في المشرقية، والثامنة عشرة في المغربية، بينما تحتل الظاء في المشرقيَّة المرتبة السابعة والعشرين، والسادسة والعشرين في المغربية.

وباعتبار (حساب الجُمَّل) فرعًا عن الأبجدية، فهو عند المشارقة غيره عند المغاربة؛ فالقيمة العددية لحرف الضاد عند المشارقة هي (800)، وعند المغاربة هي (90)، وفي الجُمَّل المشرقيِّ يُساوي الظاء عدديًّا الرقم (900)، وهو في الجُمَّل المغربي مُساوٍ للرقم (800).


الترتيب الهِجائي:

دَعَت الحاجة العِلمية والتعليمية إلى إصلاح الخطِّ، وتمييز الحروف والحركات، وإعادة النَّظر في ترتيب الحروف العربية[3]؛ فظهر إلى الوجود الترتيب الهِجائي المَشرقيُّ على يد نصر بن عاصم ويحيى بن يَعْمر، زمنَ عبد الملك بن مروان، ومن الاعتباراتِ الَّتي رُوعِيَت في هذا التَّرتيب: تقديم الحروف المُزدَوجة على المُفرَدة، وضَمُّ كُلِّ حَرفٍ إلى شَبِيهِه في الرَّسم[4]؛ لأنَّ جَمعَ ما اتَّفَقَت صُورتُه في موضعٍ واحدٍ يكونُ أنسَبَ وأليقَ بأُصول التَّعليم[5]، وأسهلَ على المُتعلِّم.

ولِكَون الألفبائيَّةِ فرعًا عن الأبجديَّة، فقد كان ترتيب الحروف عند المغاربة بعد ضَمِّ كُلِّ حَرفٍ إلى شبيهِهِ في الشَّكل مختلِفًا عن المشارقة؛ ففي الألفبائية المَشرِقِيَّة أُنزلت الظَّاءالمرتبة السابعة عشرة، وفي المرتبة الخامسة عشرة جاءت الضَّاد، وكان للظَّاء في الألفبائية المغربية المرتبة الثالثة عشرة، تليها الضَّاد في المرتبة الرابعة عشرة[6].

الترتيب الصوتي:

أوَّلُ ترتيبٍ مُدَوَّنٍ معروف للحروف استنادًا إلى تدرُّجِها في الجهاز النُّطقي - يُعزى إلى الخليل، الذي اعتبر ترتيب الحروف على مخارجها الطبيعيَّة ذاهبًا مِن الصَّدر إلى الشَّفتَين، وبنى على هذا الوضع كتابَ "العين" الذي يقول في مُقدمته: "فهذه صورة الحروف التي أُلِّفت منها العربية على الولاء، وهي تِسعةٌ وعشرون حرفًا: ع، ح، هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، د، ت، ظ، ث ر، ل، ن، ف، ب م، و، الألف، ي، الهمزة"[7]، فأُنزِلت الضاد المرتبة العاشرة في هذه القائمة، وجاءت الظاء في المرتبة السابعة عشرة.

وتوالت القوائم الصَّوتية بعد الخليل؛ ومِن أشهرها: قائمة تلميذه سيبويه[8]، الذي ابتدأ مِن حروف المُعجَم بما يكون مِن أقصى الحلق، وتدرَّج إلى أن ختم بما يكون مخرجه الشَّفة[9]، وقد انتصر لترتيبِه هذا جمعٌ، منهم ابن جني الذي يقول: "ذِكرُ الحروف على مراتبها في الاطِّراد؛ وهي: الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، والقاف، والكاف، والجيم، والشين، والياء، والضاد، واللام، والراء، والنون، والطاء، والدال، والتاء، والصاد، والزاي، والسين، والظاء، والذال، والثاء، والفاء، والباء، والميم، والواو"[10]، فلم يختَلِف ابن جِنِّي مع سيبويه إلاَّ في تقديمه القاف على الكاف، وتأخيره الضاد إلى ما بعد الياء[11]، ويُعلِّل ابن جني مَيلَه إلى هذا الترتيب قائلاً: "فهذا هو ترتيب الحروف على مَذاقِها وتَصعُّدِها، وهو الصَّحيح، فأما ترتيبها في كتاب "العين"، ففيه خَطَلٌ واضطرابٌ، ومُخالَفة لما قدَّمناه آنفًا مما رتَّبه سيبويه وتلاه أصحابُه عليه، وهو الصَّواب"[12]، وفي هذه القائمة تتأخَّرُ الضاد لتحتل المرتبة الثالثة عشرة، وتأتي الظاء في المرتبة الثالثة والعشرين.

أمَّا في التَّرتيب الصَّوتي الحديث، فتأتي الضَّاد في المرتبة الثانية عشرة عند بعضهم، وفي العاشِرة عند أغلب علماء الصوتيات المُعاصِرين، أي: في المرتبة نفسها التي وضعَها فيها الخليل، وللظاء الرتبة الخامسة والعشرون عند معظم علماء الصوتيات المُعاصِرين.

ومع بروز الحاجة إلى كتابة موحَّدة للغات المختلفة، ظهرت (سنة 1888م) الألفبائية الصوتية العالميَّة مُعتمِدةً الحرف الروماني؛ وفيها يُرمز للظاء بالرَّمز ( )، وللضاد الأصلية بالرَّمز ( )، وللضاد الدَّاليَّة بالرَّمز ( ) [13]، وإنما خُصَّ هذا الألوفون بالرَّمز دون غيره؛ لكونه الأكثر شيوعًا واستعمالاً.

ترتيب الشيوع:

هذا النوع مِن الترتيب تُراعى فيه نسبة استعمال صوتٍ بعينه في لغةٍ ما، وتكون رُتبَتُه بحسب كثرة أو قِلَّة توظيفه في المفردات، وبالنسبة للأصوات العربية، يَقتضي المقام النَّظر في نِسبة توظيفها داخل النَّصِّ القُرآني والمُعجم العربي.

1- القرآن الكريم:

لأنَّ بعضَ سُوَرِ القرآن مُفتَتَحٌ بحروف مُقطَّعةٍ، والبعض الآخر خالٍ منها؛ فالبحث يَستوجِبُ الوقوف على نسبة استعمال الأصوات اللغوية في فواتح السُّوَر، ثم في باقي مُفردات المصحف.

أ- في فواتح السوَر: بُدِئَت تسعٌ وعشرون سورةً من القرآن بحروفٍ مقطَّعةٍ، عِدَّتُها أربعةَ عشرَ حَرفًا، جمَعَها بعضُهم في عبارات منثورة منها: "نصٌّ حَكيمٌ قاطعٌ له سِر"، وقد كانت الضاد والظاء ضمن الحروف المتروكة؛ ويُعلِّل الزمخشري تَرْكَها بقوله: "إذا استَقرَيت الكَلِمَ وتراكيبَها، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرَها من هذه الأجناس المعدودةِ مَكثورةً بالمذكورة منها"[14]، فَانعَكَست قِلَّةُ استعمالها في الكلام العربي على توظيفها القرآني.

ب- في مُفرَدات المصحف: عن ترتيب دوران الحروف في المفردات القرآنية باعتبار الكثرة والقِلة؛ يقول القَلقشَندي: "واعلم أنَّ كلام العرب أكثر ما يقع فيه على ما دَلَّ عليه استقراء القرآن الكريم: الألف، ثم اللام، ثم الميم، ثم الياء المُثناة تحت، ثم الواو، ثم النون، ثم الهاء، ثم الراء المُهملة، ثم الفاء، ثم القاف، ثم الدال المُهمَلة، ثم الذال المعجمة، ثم اللام ألف، ثم الحاء المهمَلة، ثم الجيم، ثم الصاد المهملة، ثم الخاء المعجمة، ثم الشين المُعجمة، ثم الضاد المعجمة، ثم الزاي المعجمة، ثم الثاء المثلَّثة، ثم الطاء المهملة، ثم الغَين المعجمة، ثم الظاء المعجمة"[15]في مؤخِّرة القائمة، في المنزلة الرابعة والعِشرين، بعد الضاد التي أُنزلت المرتبة التاسعة عشرة.

ويَستَطرِد القَلقشَندي؛ فَيقول مُعلِّقًا على هذا التَّرتيب: "وقد جمَع بعضهم أحرف الكثرة في قوله: (اليمونه)، وبعضهم يجمعها في قوله: (اليوم هن)، وجمع الحروف المتوسِّطة في قوله: (رعفت بكدس قحج)، وجمع أحرف القِلة في قوله: (طظغ صخذز ثضش)"[16]، والمُلاحَظ هُنا أنَّ القائمة سالِفة الذِّكرِ أَغفَلَت خمسةً من الحروف المتوسطة الدَّوران، وهي: (الباء والتاء والسين والعين والكاف)؛ فلم تُحدِّد رُتَبَها، وتقدَّمت الذال المُعجَمَة فيها على ثلاثة من الحروف المتوسِّطة، كما أن اللام ألف لم يُنصَّ عليها في العبارة التي تجمع تلك الحروف.

2- المعجم العربي:

كان الجاحظ من الأوائل الذين تفطَّنوا إلى قضية الشيوع الاستِعمالي، وهو يقول في هذا السِّياق: "ولكُلِّ لغة حروفٌ تدور في أكثر كلامها؛ كنحو استعمال الروم للسِّين، واستعمال الجَرامِقة[17] للعين" [18]، ولعلَّ هذه الإشارة العابرة هي التي دفعت ابنَ دُرَيد إلى استقراء مواقع الحروف في كلام العرب باعتبار الأسباب اللسانية في دورانها، فرأى: "أنَّ أكثر الحروف استعمالاً عند العرب: الواو، والياء، والهمزة[19]، وأقل ما يستعملون - لِثِقَلها على ألسنتهم - الظَّاء ثم الذَّال، ثم الثَّاء ثم الشِّين، ثم القاف ثم الخاء، ثم العين ثم الغين، ثم النُّون ثم اللاَّم، ثم الرَّاء ثم الباء ثم الميم، فأخفُّ هذه الحروف كُلِّها ما استعملته العرب في أصول أبنيتِهم من الزَّوائد لاختلاف المعنى"[20]، وهي حروف الزِّيادة العشرة المجموعة في قولهم (سألتمونيها).

فعلى هذا يكون استعمال صوت الضاد متوسِّطًا في اللسان العربي، وقليلاً في النَّص القرآني، أما الظاء، فأقل الأصوات استعمالاً فيهما معًا؛ لا لِشيءٍ إلا لِثِقَلها البيِّن على اللسان، وقد أشار إلى ذلك الجاحظ فيما حكاه عن يَزيد مولى عون قال: "كان رجلٌ بالبصرة له جاريةٌ تُسمَّى "ظمياء"، فكان إذا دعاها قال: يا ضمياء! بالضاد فقال له ابن المقفَّع: قُل: يا ظمياء! فناداها: يا ضمياء! فلما غَيَّر عليه ابن المقفَّع مرَّتين أو ثلاثًا، قال: هي جاريتي أو جاريتك؟!"[21]، ثم نقل الجاحظ عن نَصر بن سيار قوله: "لا تُسمِّ غلامك إلا باسمٍ يخِفُّ على لسانك"[22]، في إشارةٍ إلى أنَّ صوت الظاء مما يثقُل على اللسان، وهذا ما يُفسِّر إعراض جملة الألسن البشرية عن استعماله، وقِلَّة دَوَرانه على اللِّسان العربي.

وبلُغة الأرقام يُحدِّثُنا مكي درَّار قائلاً: "يحتلُّ صوت الضَّاد المكانة السادسة مِن كل ألف، وهي نسبة تدلُّ على ضعف مكانته في موقعيات الأداء، ولم يبقَ مِن ورائه إلا ستة أصوات"[23]، آخِرها الظاء، التي "لِغَرابتها صارت أقلَّ حروف المُعجَم وجودًا في الكلام، وتصرُّفًا في اللَّفظ، واستعمالاً في ضُروب المنطِق، فهي لا توجد إلاَّ في نحو مائة كلمة من جملة كلام العرب؛ منظومِه ومَنثورِه، وغريبه ومشهورِه" [24]، ولِغرابتِها أيضًا؛ فالغالبُ دخولها في غرائب المُفرَدات العربية؛ كما في: الكعيظ والجنعاظ، والجعظري، والجعظار، والشنظير، والشيظم.

-----------------

[1] انظر: أنيس فريحة: نظريات في اللغة، دار الكتاب اللبناني، لبنان، ط2، 1981 (ص: 90).

[2] انظر: القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (3: 24).

[3] الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب (1: 89).

[4] انظر: إميل بديع يعقوب وجروس برس، الخط العربي، دار الجيل، لبنان، ط: 1، 1986 (ص: 37).

[5] انظر: إميل بديع يعقوب، موسوعة الحروف في اللغة العربية (ص: 445).

[6] مكي درار، الضاد العربية إلى أين؟، مجلة القلم (ص: 87).

[7] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين (1: 58).

[8] انظر: سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب (4: 433، 434).

[9] الإستراباذي، محمد بن الحسن، شرح شافية ابن الحاجب (3: 251).

[10] ابن جني، عثمان، سر صناعة الإعراب (1: 45).

[11] انظر: أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب، عالم الكتب، مصر، ط: 6، 1988 (ص: 115).

[12] أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب (ص: 115).

[13] انظر: الغامدي، منصور بن محمد، الألفبائية الصوتية الدولية والحرف الروماني، مركز علوم وتقنية الأصوات، السعودية، 2000 (ص: 10).

[14] الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تح: عبدالرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، لبنان، ط: 1، 1993 (1: 71).

[15] القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (9: 237).

[16] القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (9: 237).

[17] الجَرامِقَةُ: قومٌ من العَجَم صارُوا بالمَوْصِل في أَوائل الإِسْلام، وقال اللَّيثُ: جَرامِقَةُ الشام: أنباطُها، الواحِدُ مِنهُم: جرمقانيٌّ، ويُقال أَيضًا في الواحِد منهم: الجرمقيُّ.

انظر: المرتضى الزَّبيدي، محمد بن محمد، تاج العروس من جواهر القاموس (25: 125).

[18] الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين(1: 65).

[19] قد يبدو هذا مُتعارِضًا مع ما تقرَّر من كون: الهمزة مُستَثقَلةً عندهم؛ لذلك دخلها الحذف والبدل في كثير من الكلام، والجواب عن هذا الإشكال مِن وجوه:

أولها: المرونة التي في هذا الصوت؛ فالمتكلِّم قادرٌ على إعلالها وقلبها والتَّلعُّب بها كيفما شاء، ولا يَتأتَّى له هذا في غيرها من الحروف.

والثاني: مُجاوِرة مخرجها لمخرَج أخفِّ الحروف، وهو الألف.

والثالث: توظيفها في الفصل بين الأصوات مُتقارِبة المخارج، بالنظر إلى تباعُدها عن مخارج أكثر الأصوات؛ ففُصِلَ بها بين الدال والباء في نحو: (دأب)، وذلك أحسن مِن الفصل بينهما بالفاء لو جاء عنهم نحو (دفب)، وفُصل بها بين النون واللام في (نأل)، ولو فُصل بينهما بالراء، فقيل: (نرل) لم يكن حسنًا، ويُنظر في هذا: عثمان بن جني، سر صناعة الإعراب (2: 812).

[20] ابن دريد، محمد بن الحسن، جمهرة اللغة (1: 50).

[21] الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين (2: 211).

[22] المرجع نفسه.

[23] مكي درار، الضاد العربية إلى أين؟، مجلة القلم (ص: 87).

[24] الداني أبو عمرو، عثمان بن سعيد، الفرق بين الضاد والظاء (ص: 34).


المصدر :موقع الألوكة