مركزية الإيمان
من مألوفات حياتنا اليومية أن نرى طفلا ينفجر باكيا أو يبكي منفجرا حين يؤخذ من بين يدي أمه ولن تهدأ هذه الثورة منه حتى يعاد إليها , وهذه الحالة ليست مع الإنسان وحسب بل حتى مع الحيوان , فنرى فيما نرى صغير الماعز أو الضأن حين ينفصل عن قطيعه وعن أمه بالتحديد إذا به يصدر أصواتا ونداءات أشبه ما تكون بالاستغاثة والاستنجاد لا تختلف عن بكاء الطفل إلا من حيث الكيفية أما من حيث الباعث- على الأرجح- فهو واحد, وهذا الآخر لن ينقطع عن إصدار هذه الأصوات حتى يلحق بقطيعه ويرجع لأمه.
والمسألة ليست عرضية - كما يظن – لأنها من الكثرة التي يضيق بها حيز الصدفة والعرض , وتكرار مشاهدتها في حياتنا اليومية وكثرتها بنفس الوقت مدعاة للتأمل والبحث عن أصل هذه العلّة .
ولنا في هذه الحالة رأي قصارى ما نقول فيه أن مخالفونا لن يأتوا بحجة أقرب زلفى لمكسر هذه الظاهرة من حجتنا , على أنا لا ندعي أن حجتنا فيها هي الصواب ولكنها كلمة تقال ورأي نزجيه فإن أصبنا بالقول الحقيقة فمن توفيق الله وفتحه, وإن أخطأنا فحسبنا أنا أبدينا رأيا رأيناه, وفي معرفة الخطأ بعد ذلك ما نجد به عزاء لأنفسنا ومنفعة في آن واحد وحسبنا به عزاء لو تعزينا وحسبنا منه منفعة حين نرومها و نبتغيها .
أولا الضعف في الإنسان فطرة , وعليه فالشعور بالضعف من فطرة الإنسان أيضا , وبهذا فالمركزية بالنسبة للإنسان ضرورة تقضي بها فطرته عن حس صادق وسليقة سليمة قبل أن يرتأيها عقله عن بحث وتأمل , وأعني بالمركزية هنا ضرورة ركون الإنسان لما يعزز به ضعفه الفطري وإلا فهو أضعف من ذبابة لقوله تعالىوإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب فقدم سبحانه ضعف الإنسان على ضعف الذبابة , ومن كان بهذه الدرجة من الضعف هو – لعمر الله – أحوج ما يكون لركن شديد, بل أفقر إليه من تلك الذبابة .
وهذا الركن الذي سيأوي إليه الإنسان لا بد أن يكون أقوى من الإنسان وإلا فلا يصح أن نجوّز الركون لما هو أضعف , وهذا الركن الشديد هو ما أراده الله تعالى بقوله وإذ أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسكم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا لغافلين وأعني به هنا الإيمان وأريد بذلك صلة الإنسان بالله ..
و ما بين الطفل والبالغ هو أن الطفل محكوم بتصرفاته وأفعاله لفطرته وسليقته دون ضوابط غير ضوابط الفطرة فإن جاع بكى وإن شبع لعب وإن غشّاه النعاس نام وإن انفصل عن أمه – مركزيته – أحس بضعفه – فطرة- فاضطرب عندئذ فاستحال اضطرابه بكاء , ولو أودع الله في الإنسان آلة يعبر بها عن شعوره بالضعف لما أخفتها فطرته , بينما البالغ فمحكوم لضوابط الحياة واعتبارات بلوغه , فإن انفصل عن مركزيته وأعني بها الإيمان اضطربت حركة حياته , لأن ضعفه سينكشف حينها بل سيكون الشعور بالضعف مضاعفا, فيستحيل هذا الاضطراب إلى تخبط في حياته قد يستحيل بعد ذلك لعلّة نفسية- مرض نفسي – أو حالة من عدم التوازن وعدم اعتدال نسق الحياة , وقد يفضي به هذا الاضطراب آخر الأمر إلى الركون لغير الله علّه يعزز ضعفه , فإذا به يركن للمال باعتبار أن المال قوة وفيها ما يعزز به ضعفه وفي هذا النوع من الركون يضرب الله أمثلة قرآنية فيقول إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ثم بعد ذلك قال قال إنما أوتيته على علم عندي ,لكنها قوة لا تكاد تنهض بصاحبها حتى تهوي به لواد سحيق إذ كلما كثر المال كثر الانشغال به والاستغراق في المحافظة عليه وهذا ضرب من الشقاء الذي لا يبتلى به أفقر الفقراء بفقره بقدر ما يبتلى به أغنى الأغنياء بماله .
ولون آخر من ألوان الركون لغير الله , وأعني هنا لون من ألوان التخبط والاضطراب التي تعتري من ينفصل عن مركزية الإيمان , هذا اللون الآخر هو الركون إلى قوة الجاه والسلطان وفيها يقول تعالى في النمرودإذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت وفي فرعون يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ويقول تعالى في ملكة سبأ وقادة جيشها نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد وهذه كتلك لا تؤمن عليها دول الأيام وصروف الدهر وإذا بالأمير أسير , وإذا بعزيز قومه ذليل حقير .
وقد يركن أيضا لتخاريف العقل وأضاليله ظنا منه أن العقل قوة قد تغنيه عن الله وكما قال تعالى في قوم من هؤلاء وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وهذه أدهى وأمر من سابقتيها , إذ العقل مرتبط بطبيعة النفوس من صلاح أو فجور , والنفوس مرتبطة بالإيمان باعتبار التزكية الإيمانية للنفس , وانتفاء الإيمان انتفاء التزكية وانتفاء هذه الأخيرة يعني رجوع النفس لطبيعتها – بظلمها وفجورها وأهواءها – والعلم بيد هذه النفوس وبال على الإنسانية وشقاء , ويصير الجهل حينئذ غاية تنشد ومطلب يرام .

* * *

وفي موضع آخر من القرآن يعرض الحق سبحانه دور هذه المركزية – مركزية الإيمان – في تقوية النفس وشد العزيمة وتثبيت الأقدام , يعرض الحق سبحانه دورها في رفع قدرات النفس وطاقاتها لفوق مستواها حين تتصل بالله , ففي قصة موسى يذكر تعالى ويا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين وهنا تنكشف طبيعة صلة قوم موسى بالله ومدى رسوخها وثباتها في نفوسهم , فإذا بها ضعيفة واهية وإذا بهم منفصلون عن هذه المركزية ,فأفضى بهم هذا الأمر إلى الجبن والخوفقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون وهنا يعرض الحق سبحانه صورة إيمانية تقابل هذه الصورة فجاء وصف من استعلج عودهم بالإيمان وثبتت أقدامهم بالتقوى وقويت نفوسهم بصدق الصلة بالله قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين , لكن مركزية الإيمان إذا انتفت من القلب عمي ذلك القلب وبقي صاحبه يتكفأ كالذي يتخبطه الشيطان من المسقالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدونوهنا يلوذ موسى بإيمانه وربه قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين, فماذا كانت نتيجة الانفصال عن مركزية الإيمان ؟؟؟
نتيجتها التيه والعماءة قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين.
وهكذا في كل من ينفصل عن مركزية الإيمان على صعيد الفرد أو المجتمع أو حتى الأمة يفضي هذا الانفصال آخر ما يفض لاضطراب وتعثّر بمجريات الحياة , وقد يختلف انعكاس هذا الاضطراب من حيث الكيفية , فهو في الطفل بكاء وهو في البالغين سوء تدبير ووقوع في الخطأ وتخبط لكنه - من حيث أصل العلة- واحد , وهي ضعف الإنسان , وحاجته الملحة لمركزية يقوي بها ضعفه .
وهذا الشعور هو ما أبكى الطفل حين انفصل عن أمه , وهذا ما زلزل النفوس وأربكها عند الكبار فاضطربت حين انفصلت عن الله فبقيت ضعيفة تتحسس من الحياة مواطن القوة فلا تجدها , وإن وجدت ما تصانع به نفسها أنه قوة , فهي مؤمنة في قرارة نفسها- شاءت أم أبت- أن حقيقة القوة التي يعوّل عليها في الحياة لا يمكن أن تكون سوى التقوى وحسن الصلة بالله ..