ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: 82]
كانا يسيران إلى السوق, وكانت آثار التعب بادية على أحدهما ..
قال له صاحبه وهو يحاوره : عليك تقع اللائمة .. أنت بادرت وحملتهما!!.
فتبسم وكان عـــلى قــــدم التـــــــقى والصلاح قال : يا مسكين .. بل عليك تقع إذ لم تحملهما ..
يا صاحبي لو وسعني لافترشت خدي لهما, فهما من عباد الله الصالـــحين, ووالله لقد سررت بهما سرورا لا أجد معه أسى على ذلك الخرق اليسير ..
فقال صاحبه وقد عبس وبسر: وهذا الذي فعلاه ؟؟ أتراه من عمل الصالحين ؟؟ أهذا جزاء الإحسان ؟؟ !!
فقال التقي : لعله خير يا صديقي .. لعله خير فلا تتعجل الحكم ..
فتبسم ضاحكا ضحك سخرية: تقول خير!! وهل في إفساد ما يصلح الناس خير, أنسيت أنكم شارفتم على الهلكة وما وصلتم الساحل إلا بشق الأنفس, لا أراك يا صديقي المسكين إلا خُدِعت بهما, والآن تعال نبحث عن لوح جيد, نــرقع ما خـــرقاه ..
ودخلا السوق فابتاعا لوحا جيدا ورجعا, فلما وصلا أبصرا رهطا من الملاحين وكتيبة من زبانية الملك يدعُّونَهُمْ دعَّا شديدا وقد ارتفعت أصواتهم, وهم بين مجروح ومغلول, وشاهدوا خيالة من الحرس الملكي حالت بين الناس والشاطئ, وفرقة جعلت تسم كل سفينة بوسم, وحانت التفاتة من صاحبه فصرخ مما رأى !! .
كتيبة من الحرس الملكي كانت تعلــِّـــم سفينته, وكل سفينة صالحة على طول الساحل بأمر من الملك الظالم ..
فاندفع كالمجنون بين الحشود, واختلطت صرخاته بصرخات الناس, لينال المسكين حظا مما ناله بقية الملاحين من الضرب ..
وهنا فزع الرجل الصالح إلى إخوته وجلا, وألقى الألواح, وهرع ينظر ما حــل بسفينته, وكان يعدو وظنه أنه سيرى إخوته يرسفون في الحديد, وأيقن أن السفينة مأخوذة ولا سبيل إليها وقد علمها الشُــــــــرَط وصارت للملك ..
ويصل ويكاد قلبه يشق صدره من الإعياء, وقد شخصت عينه وفغر فاه .. فتهلل وجهه مما رأى ..
رأى إخوته جالسين يصلحون شباكهم, والسفينة هي هي ما مسها أحد بسوء, فقد مر بها الحرس فرأوا أنها معيبة فتركوها وتركوهم ..
فلما ذهب عنه الروع راحت دموعه تتساتل على خديه وهو يقول ألم أقل لعله خير .. ألم أقل لعله خير ..
وارتفعت جعجعة قوية وجلبة فحانت منه التفاتة, فرأى الخيالة يجرون عربة السجناء إلى القلعة, وإذا بصوت ينبعث من العربة "ليتني حملتهم .. صدقت والله لعله خير" ..
إنه هو .. صاحبه الذي كان من قريب ساخرا متهكما ..
إي وربي .. لعله خير .. قد يخرق سفينتك لينجيك لا ليؤذيك .. وقد يبتليك بخرق فيكون فيه حياتك وإن بدا أن فيه مماتك .. فكن مؤمنا وثق بكل ما يقدره الله لك فلا يقدر الله لعبده المؤمن إلا الخير .. واصبر .. واصبر يأتيك تأويل ما قدره الله لك ..
* * *