سلسلة معالم الشخصية القرآنية ..
أولا .. من حيث مفهوم النفس
النفس في عالم القرآن عدو يتقى وليست صاحبة تؤمن , وفي هذا يقول رسولنا (( أعدا أعدائك نفسك التي بين جنبيك )) , وأكيس الناس وألبّهم ذاك الذي صحبها وهو لها محاذر يتقي شطط أهواءها وجموح اندفاعها وثورتها ولا يكون منها إلا كما يكون الحاذر الفهم, وأقل الناس عقلا وأشقاهم حظا ذاك الذي صحبها صحبة العاشق المدنف لعشيقته المدللة إذا ما التمست شيئا أتى به... قبل أن تقوم من مقامها !!!
وما بين المفهومين من البعد كما بين النجم ورائيه , والخلد ومبتغيه , إذ كل مفهوم منهما له عالمه الذي يناسبه , وله غايته التي يرومها ومقصده الذي يبتغيه .
فالمفهوم الأول أي – كون النفس عدو – يحفظ للإنسان مساحة كبيرة من اهتماماته التي قد توجه بعد ذلك للخير والصلاح على صعيد المجتمع وعلى صعيد الفرد , بينما المفهوم الثاني أي – كون النفس صاحبة – يبدد الكثير من الطاقات والاهتمامات التي يبتغي بها مرضاة نفسه الممعودة , وليته بعد ذلك يدرك غايته ويريح نفسه فيكون عزاءه منها أنها رضيت, وليتها حين رضيت أبقت على ما بقي من طاقاته واهتماماته علّه يقصد بها منفعة شخصه .. على الأقل !!!
والمفهوم الأول عن النفس يرتفع بالإنسان للمرتبة التي توافق قدره باعتباره حامل الأمانة وخليفة الله في أرضه , فهو بهذا أجدر أن لا يجنح لأهوائه ويأتمر بأمر نفسه وهو يقرأ قوله تعالىإن النفس لأمارة بالسوء, وهذا يعني بالمقابل أن المفهوم الثاني للنفس قد ينحدر بالإنسان لما دون مرتبته , وما دونها إلا الحيوانية الغريزية التي تتحرك بباعث الشهوات والنزوات .
وإذا كان إثبات الشيء إثبات لنقيضه – كما يقول الفلاسفة- فالمفهوم الأول على هذا الأساس يوقظ في القلب روح الصلاح ويوقد جذوة الخير لان نقيضه أي المفهوم الثاني يحيي في النفس حس الأنانية وحب الذات ومتى ما ارتفع الإنسان عن هذه النزعة ارتفع لمرتبة الصلاح وحب الخير وغلبت على نفسه روح التعاون , وهذا ما المجتمعات أحوج ما تكون له.
فهذه بعض الفوارق بين المفهومين عن النفس,وأقصد بالمفهومين هنا, المفهوم القرآني للنفس والمفهوم الدنيوي لها,على أن الموضوع يحمل في ثناياه من التفصيل والإجمال ما قد يضيق به هذا المقام , ولكن حسبنا من اقتضاب القول أنا قد بلغنا من قارئنا مبلغ الفهم وهذا عهدنا به , ونعتذر له عن الإطالة.. ونمضي .. لعل لقاء به يتجدد مع معلم آخر من معالم الشخصية القرآنية ..