الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله

وآله وكافة المرسلين وعباده الصالحين



قال تعالى في محكم كتابه العزيز :



إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً




في هذه الآية الكريمة اخبار من الله وإثبات أنه تعالى هو القيّوم على السموات والأرض لتبقَيَا موجودتَيْن فهو الحافظ بقدرته نظام بقائهما
وأن الله ممسكهما عن الزوال فعلم أن زوالهما المفروض لا يكون إلا بإرادة الله تعالى وإلا لبطل أنه ممسكهما من الزوال
ولا يستطيع أحد كائناً من كان إمساكهما وإرجاعهما
الا الله الموصوف بالحلم والمغفرة لما يشمله صفة الحليم من حلمه على المؤمنين أن لا يزعجهم بفجائع عظيمة فالحليم لا يستفزه غضب ولا يحمله على استعجال العقوبة بمعنى أنه هو الذي يسامح الجاني مع استحقاقه العقوبة والمؤاخذة بالذنب

( لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً) الآية ، وهو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله شيء على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) الآية ، والحليم من كان صفاحاً عن الذنوب ستاراً للعيوب وهو الذي غفر بعد ما ستر وهو الذي يحفظ الود ويحسن العهد وينجز الوعد ويسبل ستر عفوه على المذنبين ، وعلى المشركين بتأخير مؤاخذتهم فإن التأخير من أثر الحلم ، وما تقتضيه صفة الغفور من أن في الإِمهال إعذاراً للظالمين لعلهم يرجعون

(إنه كان حليماً غفورا) الآية ً


(حليماً) يمهل الناس ، ولا ينهي هذا العالم بهم ، ولا يأخذ بنواصيهم إلى الحساب والجزاء إلا في الأجل المعلوم ويدع لهم الفرصة للتوبة والعمل والاستعداد (غفوراً ) لا يؤاخذ الناس بكل ما اجترموا ، بل يتجاوز عن كثير من سيئاتهم ويغفرها متى علم فيهم خيراً وفي هذا تنبيه للغافلين لاقتناص الفرصة قبل أن تذهب فلا تعود
فسبحان من له كمال العلم قبل الحلم ووسع كل شيء رحمة وعلما فهو المحيط علماً لكل شيء ظاهره وباطنه دقيقه وجليله أوله وآخره فاتحته وعاقبته وهو العالم والكاشف بكل شيء وهو الذي لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عن علمه قاصية ولا دانية ومن عرف أن الله عليم بحاله صبر على بليته وشكر على عطيته واعتذر عن قبح خطيئته
، فأسباب الرحمة متصلة دائمة لا انقطاع لها لأنها من صفة الرحمة ، والأسباب التي عارضتها مضمحلة زائلة لأنها عارضة على أسباب الرحمة طارئة عليها ، وإذا كان كل مخلوق قد انتهت إليه الرحمة ووسعته فلا بد أن يظهر أثرها فيه آخرا كما ظهر أثرها فيه أولا ، فإن أثر الرحمة ظهر فيه أول النشأة ثم اكتسب ما يقتضي آثار الغضب ، فإذا ترتب على الغضب أثره عادت الرحمة فاقتضت أثرها آخرها كما اقتضته أولا لزوال المانع وحصول المقتضى في الموضعين


ومما يوضح هذا المعنى أن الجنة مقتضى رحمته ومغفرته ، والنار من عذابه ، وهو مخلوق منفصل عنه ، ولهذا قال تعالى ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) الآية ، وقال تعالى
( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) الآية ، وقال تعالى ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) الآية ، فالنعم موجب أسمائه وصفاته ، وأما العذاب فإنه من مخلوقاته المقصودة لغيرها بالقصد الثاني ، فهو سبحانه إذا ذكر الرحمة والإحسان والعفو نسبه إلى ذاته ، وأخبر أنه من صفاته ، وإذا ذكر العقاب نسبه إلى أفعاله ولم يتصف به ، فرحمته من لوازم ذاته ، وليس غضبه وعقابه من لوازم ذاته ، فهو سبحانه لا يكون إلا رحيما ، كما أنه لا يكون إلا حيا عليما قديرا سميعا ، وأما كونه لا يكون إلا غضبانا معذبا فليس ذلك من كماله المقدس ، ولا هو مما أثنى به على نفسه وتمدح به
يوضح هذا المعنى أيضا أنه كتب على نفسه الرحمة ، ولم يكتب عليها الغضب ، وسبقت رحمته غضبه وغلبته ، ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ، ووسعت رحمته كل شيء ، ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء ، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم ، والعفو والمغفرة أحب إليه من الانتقام ، والفضل أحب إليه من العدل ، والرحمة آثر عنده من العقوبة ، لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير ، وجعل جانب الفضل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وجانب العدل السيئة فيه بمثلها وهي معرضة للزوال بأيسر شيء ، وكل هذا ينفي أن يخلق خلقا لمجرد عذابه السرمدي الذي لا انتهاء له ولا انقضاء ، لا لحكمة مطلوبة إلا لمجرد التعذيب والألم الزائد على الحد ، فما قدر الله حق قدره من نسب إليه ذلك ، بخلاف ما إذا خلقهم ليرحمهم ويحسن إليهم وينعم عليهم ، فاكتسبوا ما أغضبه وأسخطه فأصابهم من عذابه وعقوبته بحسب ذلك العارض الذي اكتسبوا ثم اضمحل سبب العقوبة وزال وعاد مقتضى الرحمة ، فهذا هو الذي يليق برحمة أرحم الراحمين وحكمة أحكم الحاكمين

فلن يستطيع أحد أن يمسكها ويمنعها عن هذا الزوال سوى الله تعالى ( إِنَّهُ ) - سبحانه – ( كَانَ ) وما زال ( حَلِيماً ) بعباده ( غَفُوراً ) لمن تاب إليه وأناب ، كما قال تعالى
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ) الآية .