من تواضع لله رفعه
قال أحدهم :
ان دورة في علم التجويد كانت نقطة تحول في حياتي ومن خلالها اكتشفت اعظم الكنوز .. والحق ايضاً ان هذا العلم هو الباب الصحيح الواجب ولوجه ابتداءً قبل الخوض في غمار اي علم من العلوم الدينية .. ومع اقبال نعمة المعرفة والتعلم تتسلل نقمة الانتقاد والمحاسبة .. فهذا القارئ لايحسن الاتيان بالغنة وذاك القارئ لايتقن المد الطبيعي وذاك لايحسن القلقلة ولك ان تتخيل مقدار ابواب الاجر من جهة وابواب الاستغابة التي قد يفتحها هذا العلم على متعلميه وعلى متقنيه في ذات الوقت .
في مرة دخلت المسجد .. وجدت رجلا يقرأ القرأن في مكبر الصوت كان صوته الرتيب ينساب ببطء في الهواء ليصيب كل من يسمعه بالملل ومع رتابة الصوت كان يصر على إرتكاب اخطاء فادحة في مخارج الحروف .. بعد ان أكمل تلاوته اقتربت منه مسلماً ، واثنيت على تلاوته وحاولت ان ابين له الاخطاء التي ارتكبها ، قال لي وهو يرسم ابتسامة استصغار لحديثي (( انا لا أخطأ ابداً في التجويد )) وقال مردفاً (( اعتقد اني اقرأ بدرجة قريبة من الكمال)) !! لم افهم حينها كيف يمكن لاحد ان يصل الى درجة الكمال مقابل كلمات الله العظيمة التي يتوجب ان يشعر الانسان ازاءها بالصغر والتضاؤل. وكيف يمكن ان يوصف قارئ ما بالعملاق في حضرة كلمات الله العظيم ، القاهر فوق عباده ..
وفي احدى المحافل القرآنية وقف عريف الحفل بانتشاء وهو يقدم القارئ كمن يقدم نجما سينمائيا .. فراح صوته يتردد في جنبات المكان محتفلاً بالقارئ الذي طال انتظارُ السامعين له وتلهفَّ المتلهفون عليه ، صاحب الفتوح الاقرائية في المجال الدولي والحائز على احدى المراتب الاولى في مسابقة دولية .. تربع قارئ طويل القامة على منصة القراءة ، استعاذ باحترافية وبسمل بإتقان مفرح وراحت كلمات الله تنساب من بين شفتيه بحنان ثم اعاد الايات ذاتها بصوت اعلى واتى بها مرة اخرى بصوت اعلى من السابق ثم توقف عند كلمة معينة وراح يلوكها يمينا وشمالا ويعيدها مرة بعد اخرى ويتوقف عند كلمة لايصح الوقوف عليها فقط ليخرج لنا همس الكاف باحترافية ، لم نكن نصغي للمفردة القرآنية وما تحمله من معاني ، كنا فقط نسمع دون شعور كلمة واحدة ظلت تتردد دون ان تُنطَق ((أنا)) ((أنا)) ((أنا)) .. ونسمع في المقابل صيحات الجهل والغفلة ((الله)) ((الله)) ..
فأين القرأن أذن؟ اين معانيه العظيمة ؟
عجباً كيف اختفت في زحمة التكلف اللفظي وصرخات جواب الجواب الحادة !
ثم راح صاحبنا يمعن في ((أناه)) لينتقل الى مضمار القراءات ليقرأ لنا رواية ورش وقراءة حمزة على هواه وهو غير مجاز بها الا ان الفوضى التي تنشر جناحيها على كل شي زحفت الى تلاوة القرأن فأوحت الى صاحبنا انه قادر ان يقرأ ما يشاء أنى يشاء وان يخلط الروايات دون علم ليصفق له الجهلة وان يتجاوز على المدود والاحكام فيهلل له المغفلون .
لم ينجح قارؤنا الدولي رغم دوليته العارمة ان ينقلنا من احتراف الاداء اللفظي الى الاحساس بجمال المعاني الكامنة في كلمات الله ، كنت اجده متكبراً في ادائه يعوزه الكثير من التواضع لكلمات الله .. حينها فقط قفزت الى ذاكرتي عبارة خجولة كانت قابعة في زاوية موحشة من ركن سبورةدرس التجويد، واضحة وضوح القمر في صفحة سماء داكنة الزرقة .. (( من تواضع لله رفعه ))
من (( تواضع لكلمات الله رفعته ))
اليست هي كلمات الله ذاتها لقارئ القرأن؟ .. (( إقرأ وترقى ، فإن منزلتك عند آخر حرفٍ تقرؤه)) .. وقد جــــاء في كـــتاب الله (( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك يؤمنون به )) وحق التلاوة ان نتواضع لكلمات الله ونخشع لما تحمله من معاني لا ان نجعلها علكة نمضغها في افواهنا لنتكسب بها ونستعلي بها على الناس.
فاتقوا الله يا اولي الالباب!
ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم