الاعتقاد المؤمن.. بين الكتاب المسطور والكون المنظور
نايف عبوش
لاشك أن الاعتقاد عند الإنسان يكون سهلاً في المشاهدات المحسوسة، حتى وإن كان يتعذر عليه مشاهدتها ببصره مباشرة، وذلك لأن إدراكه العقلي للمحسوسات، يسهل عليه تمثلها الحقيقي، وبالتالي ييسر عليه عملية الاعتقاد بحقيقة وجود تلك المحسوسات، ويتحقق له عندئذ الإيمان بها، إلى درجة اليقين التام.
لذلك كانت الظواهر المحسوسة من الكون المرئي للإنسان، سهلة الرصد، ويسيرة الملاحظة،ويقينية الاعتقاد، بحيث تمكن الإنسان مع تطور قدراته العلمية،وتكنيكاته التشخيصية، وتقدم أدواته المعرفية، من إخضاع الكثير منها إلى التجربة العملية، والاستقراء العلمي، الأمر الذي مكنه من استكشاف العلل، ومعرفة العلاقات القائمة بين الظواهر،وتحديد درجة الارتباط بينها،وحصر الأسباب التي تحكم العلاقة بينها، حيث أفلح في صياغة قوانين عامة مكنته من التنبؤ بما سيحصل من نتائج، فيما لو استمرت معطيات الحال لتلك الظواهر على وضعها،وتوليد المعالجات اللازمة لها، حتى اضحت المعرفة المتراكمة في هذا المجال من قبيل البديهيات العامة، واليقينيات العلمية.
ولعل ذلك المنجز الإنساني العظيم، يتوافق مع مراد الله في كتابه المسطور، من تأمل الإنسان العقلاني في تعامله مع الكون المنظور، على قاعدة (علم الإنسان ما لم يعلم)، ولعل الحقائق العملية التي تمكن الإنسان من استكشافها، والتيقن عملياً من موضوعيتها، ساعدته على تعزيز إيمانه بالخالق العظيم، الذي حث الإنسان على النظر في ملكوت السماوات والأرض، من أجل الاستدلال على رب السموات والأرض، عن طريق تدبر المحسوس من آياته، على نهج: (إن في ذلك لآيات لأولي الألباب).
على أن من الصعب على الإنسان بقدراته العقلية المجردة المحدودة، أن يتجاوز ما وراء المحسوس خارج ما تقع عليه حواسه؛ ليقف على حقيقة ما ورائها، على غرار تجربته مع ما حققه من نتائج مذهله، في تعامله مع المحسوسات التي تقع في حدود إمكانيات تناوله، لذلك تعددت رؤاه الفلسفية، وتنوعت مناهجه الفكرية، وتعقدت تناولاته المعرفية لتلك الإشكالات التي واجهته في مسيرته البحثية في هذا المجال، ولعل وصول الإنسان إلى هذه المحصلة، يتوافق تماماً مع عظمة المراد الإلهي من امتداح ذلك النمط من الإيمان بالغيب على قاعدة: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) في إشارة بليغة، إلى إحاطة الكتاب المسطور بكل حقائق الوجود، الحسية منها، والغيبية أولاً، وتعذر إحاطة الإنسان بحقائق ما وراء الغيب ثانياً، فكان لابد من إطراء الهي للمؤمنين بالغيب يقيناً، أو استدلالاً، ووصفهم بالفلاح الروحي، والحسي، لرجاحة قناعاتهم، وسمو تصوراتهم، التي تنأى بهم عن النظر الضيق الذي يقودهم إلى الوهم، والضلال، فيما لو انفرد العقل بتلك المهمة، مهووساً بقدراته المحدودة على خلفية ما ابدعه من منجزات لا حصر لها.
وهكذا نجد أن القران الكريم ذلك الكتاب المسطور، مثل المنهج الروحي للهداية على قاعدة: (إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين..) في تناول ما وراء المحسوس، معززا بالكون المادي المنظور، كوسيلة ملموسة تمكن الإنسان من التوصل إلى معرفة الخالق بقين تام كأنه يراه.
فبالاستقراء المتدبر لنصوص القران الكريم،سيجد الانسان السوي نفسه متساوقا مع الحقائق التي دأب القران على الاشارة إليها، وحث العقل على التفكر فيها،بقصد الوصول الى حقيقتها على قاعدة(سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق..)،وهذا المعطى هو فعلا ما استقر عليه الجهد الانساني من نتائج ايجابية في بحثه المتواصل في ألغاز الكثير من الظواهر الكونية، والانسانية،التي اصبحت اليوم حقائق يقينية،بفضل قانون الهداية الالهي الذي رسمه الكتاب المسطور للانسان في تعامله مع الكون المنظور بكل عناصره.