البشرى .. وخطاب التطلع المؤمن في القران الكريم
نايف عبوش
إذا كان راهن الحال العربي المسلم على هذا النحو السيء، من مال الحال المنهك، المثقل بالشرذمة، والنكوص، والإحباط، والتخلف المطبق، وهو بلا ريب، واقع مزر، ومقرف، بحيث يمنع بصيرة المسلم تحت وطأة ارهاصات هذا الواقع، من تلمس حقيقة التصور القرآني، للحال الايجابي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، من الإيمان، والاقتدار، والرفعة، في الحياة الدنيا، باعتبارها المقدمة الطبيعية للحياة الأخرى، وذلك بالرغم من أن قانون الحياة الإنسانية يحتم دوما أن يواجه الإنسان، مصاعب الحياة الأولى بمشقة، بدءا من خط الشروع، عند الولادة، بكل الآم مخاضاتها الشاقة، بمعيار: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، وانتهاء بالموت المحقق، على قاعدة: (كل من عليها فان)، كنهاية حتمية للمسيرة الدنيوية، المثقلة بكل هذه الآلام، فتلك هي واقعية الدين الإسلامي، الذي تعاطى بشكل لا نظير له بتاتا مع الحياة، بعملية منصفة، تتوافق مع طبيعة الإنسان البشرية، وفطرته الخلقية، التي فطره الله عليها (ومن أحسن من الله فطرة).
والذي يتأمل القران الكريم بقليل من التدبر، يلحظ بيسر وسهولة متناهية، أن الخطاب القرآني في جله، جاء مبنيا على قاعدة التطلع المؤمن، في أغلب السياقات، التي وردت فيها نصوص الخطاب القرآني للمسلمين، حيثما تعلق الأمر بالجزاء، إذ يبرز الترغيب، وتتصدر البشرى عندئذ كل وعد به على قاعدة: (وبشر الذين امنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم).
ولم يقتصر التطلع في نص الخطاب القرآني، على البشرى لما ينتظر المسلم من الخير العميم، في الدار الآخرة وحسب، بل أن البشرى بدأت بالحياة الدنيا: (فلنحيينه حياة طيبة)، كخط شروع للآخرة على قاعدة: (وأن سعيه سوف يرى).. فكان المسلم بالنموذج القرآني، قد استوعب هذه المقاربة الربانية القرآنية بتوازن تام، وفق معيار: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، باعتبار أن تواصل الزمنين، الدنيوي والأخروي، في مسعاه المعتقدي والسلوكي، يمضي بجدلية عضوية لا انقطاع لها. ولا جرم أن الرسول محمدا- - جسد أقصى درجات التطلع المؤمن، في تعامله مع حقائق الحياة الإنسانية، إذ كان ينظر إلى متطلبات البناء والإعمار، بعين التفاؤل على طول الخط، في نهجه النبوي العملي الكريم، ويمكن أن يتلمس الباحث في المنهج النبوي ذلك الأسلوب المتطلع جليا في قوله - -: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألاَّ تقوم حتى يغرسها، فليغرسها))[رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد]، ولعل هذا منتهى التطلع المتفائل، الذي قلما نجده في أي نهج آخر. وإذا كان الخط العام للنهج القرآني في الحياتين، أو لنقل في الدارين، هو التطلع المتفائل المؤمن برحمة الله، المتطلع إلى نعمائه وغفرانه: (بلدة طيبة ورب غفور).. وحيث يبدو أنه لا مكان في نهج القران لليأس والقنوط، عند تعاطيه مع حقائق الحياة بقياس: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فلماذا إذن يتباطأ الوجدان العربي المسلم، الفردي والجمعي، المثقل بكل هذه الإرهاصات السلبية لواقعه الدنيوي الراهن، بالاستيقاظ المبكر، بعد أن تداعت عليه التحديات من كل حدب وصوب، وأنهكت حاله؟ لكي يتجاوز على عجل حالة الإحباط، والنكوص والتشاؤم، مستلهما نهج التطلع المؤمن في القران، ويستنفر كل عناصر القوة الكامنة في ذاته، ماديا ومعنويا، وزجها في إستراتيجية معاكسة لواقع سوء الحال الراهن، بقصد استثمارها في إعادة صياغة الحال، بتطلع مؤمن في عملية تكوين مستبشرة، وصولا إلى إعادة انبناء نموذج المسلم القرآني، الذي أراده الله خليفة لأعمار الدنيا، وقيادة مسيرتها المتطلعة بنور الهدي الإلهي، في مسارها الصاعد، نحو الآخرة، التي ستكون حصاد غلة الأعمار الدنيوي المتوازن، روحا ومادة، بقياسات ما أراده الله للناس، والاقتراب المتجسد بها من مرادات القران، فيعمل على ترسيخ عقيدة التوحيد الخالص لله - تعالى - في الكون، ويؤدي حقوق الله كما شرعها له، في ذات الوقت الذي ينبغي له أن يعمل بشكل متوازن، على امتلاك ناصية العلم، والتكنولوجيا، والتصنيع، بما يسره الله للمسلم من إمكانات، بمنظور: (وأتاكم من كل ما سألتموه)، وعلى قاعدة: (علم الإنسان ما لم يعلم)، من أجل النهوض بالحال، لكي يتخطى العرب والمسلمون باقتدار، شراك التدخل الأجنبي في صياغة مصيرهم، ويعيدوا لأنفسهم الاعتبار بمقتضى قانون: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، فيعاودوا بهذا السلوك المتطلع، دورهم المسئول على الساحة الإنسانية، في مسعى جاد لإنقاذ البشرية المعذبة، من شر طاغوتية العصر بكافة اشكالها، التي أرهقت الشعوب طغيانا وظلما، فيكونوا دوما، كما أرادهم الله بحق، خير أمة أخرجت للناس، في حياتهم الدنيا، مرورا إلى الآخرة التي ستكون لهم عندئذ، دار قرار عامرة برضا الله عليهم.