" لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ "

قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن أَبِي زَيْد الفقيه إِمَام الْمَالِكِيَّة بِالْمَغْرِبِ الأدنى : جِمَاع آدَاب الْخَيْر وأَزِمَّتِهِ تَتَفَرَّعُ مِنْ أَرْبَعَة أَحَادِيث : قَوْل النَّبِيِّe: " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت " ، وَقَوْله e : " مِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه " ، وَقَوْله e لِلَّذِي اِخْتَصَرَ لَهُ الْوَصِيَّةَ : " لَا تَغْضَب " ، وَقَوْله e : " لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " ( 1 ) .
ومعنى الحديث - كما قَالَ الْعُلَمَاء : لَا يُؤْمِن الْإِيمَانَ التَّامَّ ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَان يَحْصُل لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَة ؛ وَالْمُرَاد يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنْ الطَّاعَات وَالْأَشْيَاء الْمُبَاحَات ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث : " حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " .
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح - : وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنْ الصَّعْب الْمُمْتَنِع ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُل إِيمَان أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مِثْل مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، وَالْقِيَام بِذَلِكَ يَحْصُل بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ حُصُولَ مِثْل ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمهُ فِيهَا ، بِحَيْثُ لَا تُنْقِصُ النِّعْمَةُ عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ النِّعْمَة عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ سَهْل عَلَى الْقَلْب السَّلِيم ، إِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْب الدَّغِل ؛ عَافَانَا اللَّه وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ ؛ وَاَللَّه أَعْلَم ( 2 ) .
وقال ابن حجر - : وَالْمُرَاد أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَحْصُل لِأَخِيهِ نَظِير مَا يَحْصُل لَهُ ، لَا عَيْنه ، سَوَاء كَانَ فِي الْأُمُور الْمَحْسُوسَة أَوْ الْمَعْنَوِيَّة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنْ يَحْصُل لِأَخِيهِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا مَعَ سَلْبه عَنْهُ وَلَا مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِهِ لَه ( 3 ) ؛ وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد ، وذلك واجب .
والمقصودُ أنَّ مِن جملة خِصال الإيمانِ الواجبةِ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمن ما يحبُّ لنفسه ، ويكره له ما يكرهه لنفسه ، فإذا زالَ ذلك عنه ، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك ؛ وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ e قال لأبي هريرة t: " أَحِبَّ للنَّاسِ ما تُحبُّ لنفسِك تكن مسلمًا " خرَّجه الترمذي وابن ماجه ( 4 ) ، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - - عن النَّبيِّ e قال : " مَنْ أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنة فلتدركه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ، ويأتي إلى الناسِ الذي يحبُّ أنْ يُؤْتَى إليه " ( 5 ) .
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظيرها من غير أن تزول عنه ؛ وروى البخاري في تاريخه عن الربيع اليحمدي قال : رأيت محمد بن واسع بسوق مرو يبيع حمارًا ، فقال رجل : يا أبا عبد الله ، ترضاه لي ؟ فقال : لو رضيته لم أبعه ( 6 ) .


1 - نقلا عن ( صيانة صحيح مسلم ) لابن الصلاح ص 203 .

2 - انظر شرح مسلم : 2 / 16 ، 17 .

3 - انظر فتح الباري : 1 / 57 ، 58 .

4 - رواه أحمد : 2 / 310 ، والترمذي ( 2305 ) ، وابن ماجة ( 4217 ) ، وحسنه الألباني في الصحيحة ( 930 ) .

5 - جزء من حديث مسلم ( 1844 ) عن أبن عمرو .

6 - التاريخ الكبير : 1 / 255 ، وأبو نعيم في الحلية : 2 / 349 ، ورواه البيهقي في الشعب ( 5296 ) .