عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ e : أَوْصِنِي ؛ قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " رواه البخاري .
قيل : من الجائز أن النبي e علِم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية ؛ وعدل عن وصيته بالتقوى ؛ وليس المراد النهي عن الغضب الذي هو طبيعة من طبيعة الإنسان , ولكن المراد : املك نفسك عند الغضب بحيث لا تنفذ إلى ما يقتضيه ذلك الغضب؛ وقد مدح الله تعالى الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ؛ ومدح النبي e الذي يملك نفسه عند الغضب فقال : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " ( [1] ) ، وروى أحمد ومسلم عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ ؟ " قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ ؛ قَالَ : " لَيْسَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " ( [2] ) ؛ وروى أحمد وأهل السنن إلا النسائي عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ ، دَعَاهُ اللَّهُ U عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ " ( [3] ) ؛ وفي الحديث : " إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ " ( [4] )، ولهذا يُخرج به الإنسان من اعتدال حاله ، فيتكلم بالباطل ، ويرتكب المذموم ، وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك من القبائح المحرمة ، كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه ( [5] ) .
وفي هذا الحديث جَمَعَ النَّبِيُّ e لمن استوصاه الْخَيْرَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لَهُ : " لَا تَغْضَبْ " وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْغَضَبَ يُفْسِدُ كَثِيرًا مِنْ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ وَيُؤْذَى ، وَأَنْ يَأْتِيَ فِي وَقْتِ غَضَبِهِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا يَأْثَمُ بِهِ وَيُؤْثِمُ غَيْرَهُ ، وَيُؤَدِّي الْغَصْبُ إِلَى الْبَغْضَاء ؛ وَيَمْنَعُ الْغَضَبُ صَاحبَهُ كَثِيرًا مِنْ مَنَافِعِ دُنْيَاهُ ؛ قال ابن رجب في ( جامع العلوم ) : قولُه e : " لا تَغْضَبْ " يحتَمِلُ أمرين ؛ أحدُهما : أنْ يكونَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء ، والحلمِ ، والحياء ، والتواضع ، والاحتمال ، وكفِّ الأذى ، والصفح والعفو ، وكظم الغيظ ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة ، فإنَّ النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق ، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه .
والثاني : أنْ يكونَ المرادُ : لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَل لك ، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به ، فإنَّ الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر والناهي له ، ولهذا المعنى قال الله U : ] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [ [الأعراف : 154 ] ، فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه ، وجاهد نفسه على ذلك ، اندفع عنه شرُّ الغضب ، وربما سكن غَضَبُهُ ، وذهب عاجلاً ، فكأنَّه حينئذٍ لم يغضب ، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله U : ] وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ [ الشورى : 37 ] ، وبقوله U : ] وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ [ آل عمران : 134 ] ؛ وكان النَّبيُّ e يأمرُ من غضبَ بتعاطي أسبابٍ تدفعُ عنه الغضبَ ، وتُسَكِّنُهُ ، ويمدح من ملك نفسَه عند غضبه ، ففي الصحيحين عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ t قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ e وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ e : " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ ؛ لَوْ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " فَقَالُوا لِلرَّجُلِ : أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ e ؟ قَالَ : إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ ( [6] ) .ا.هـ. وذلك أن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل ما لا تحمد عاقبته ، فإن الشيطان يغويه ويبعده عن رضا الله U ، فالاستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده .
والغضب هو غليانُ دمِ القلب طلبًا لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه ، أو طلبًا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه ( [7] ) ، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان ، وكثيرٌ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش ، وربما ارتقى إلى درجة الكفر ، كما جرى لجبلة بن الأيهم ( [8] ) ، وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعًا ، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ .
والواجبُ على المؤمن أنْ تكون شهوتُه مقصورةً على طلب ما أباحه الله له ، وربما تناولها بنيةٍ صالحةٍ ، فأثيب عليها ، وأنْ يكونَ غضبه دفعًا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقامًا ممن عصى الله ورسولَه ، كما قال تعالى : ] قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ[ [ التوبة : 14،15 ] ؛ وهذه كانت حالَ النَّبيِّ e ، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه ، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء ( [9] ) .


[1] - أحمد : 2 / 236 ، والبخاري ( 6114 ) ، ومسلم ( 2609 ) ، والترمذي ( 2020 ) عن أبي هريرة t .

[2] - أحمد : 1 / 382 مطولا ، ومسلم ( 2608 ) .

[3] - أحمد : 3 / 440 ، وأبو داود ( 4777 ) ، والترمذي ( 2021 ، 2493 ) ، وقال : حسن غريب ،‎ وابن ماجة (4186) ، وغيرهم ، من طرق الحديث بها حسن ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود .

[4] - أحمد : 4 / 226 ، وأبو داود ( 4784 ) عن عطية السعدي مرفوعا ، ولفظه : " إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ " ، ورواه البخاري في التاريخ الكبير 7 / 8 ، في ترجمة عطية بن عروة السعدي ، ورواه الطبراني في الكبير من طريق أحمد : 17 / 167 ( 443 ) ، والبيهقي في الشعب ( 8291 ) . وفيه أبووائل القاص: عبدالله بن بحير، وثقه ابن معين ، وذكره البخاري في التاريخ الكبير : 5 / 39 ( 106 ) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا ، واضطرب فيه ابن حبان فذكره في الثقات : 7 / 22 ( 8828 ) ، وفي المجروحين 2 / 24 ( 554 ) ، وعده رجلين . ونقل ابن حجر في التهذيب عن الذهبي قال : لم يفرق بينهما أحد قبل ابن حبان ، وهما واحد . ا.هـ . وقال الذهبي في الكاشف : وثق ، وليس بذاك . ا.هـ . قلت : وسكت عنه أبو داود فهو عنده حسن ، وذكره المنذري في الترغيب : 3 / 451 ، وسكت عنه ، وكذلك سكت عنه في مختصر أبي داود . والعلم عند الله تعالى . فائدة : قال ابن المنذر في الأوسط : 1 / 241 : إن ثبت هذا الحديث فإنما الأمر به ندبًا ليسكن الغضب ، ولا أعلم أحدا من أهل العلم يوجب الوضوء منه .ا.هـ .

[5] - انظر شرح النووي للأربعين حديث رقم ( 16 ) .

[6] - البخاري (3282،6048،6115) ، ومسلم (2610) ، وأبوداود (4781) ، والنسائي في اليوم والليلة (394،395) .

[7]- انظر : المفردات في غريب القرآن : 375 ، والتعريفات : 162 .

[8]- جبلة بن الأيهم ملك غسان ؛ وقد كان رسول الله e كتب إليه يدعوه إلى الإسلام ، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله e وأهدى له هدية ، ثم لم يزل مسلماً حتى كان زمن عمر بن الخطاب ، فبينا هو في سوق دمشق إذ وطئ رجلاً من مزينة ، فوثب المزني فلطمه،فأخذفانطلقبهإلىأبيعبيدةبن الجراح ، فقالوا : هذا لطم جبلة ؛ قال : فليلطمه . قالوا : أو ما يقتل ؟ قال : لا ، فقالوا : أفما تقطع يده ؟ قال : لا ، إنَّما أمر الله بالقَوَدِ ، قال جبلة : أترون أني جاعل وجهي ندًا لوجه جَدْيٍ جاء من عمق ؟ بئس الدين هذا ! ثم ارتد نصرانيًا ، وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم . انظر تاريخ دمشق : 11 / 19 .

[9]- رواه أحمد :6 /31،32،232، والبخاري(3560،6126،6853) ، ومسلم (2327)من حديث عائشة رضي الله عنها.