بين السَداد والسِداد
قال السيوطي في المزهر : وقال الإمام أبو محمد بن علي البصري الحريري ( صاحب المقامات ) أخبرنا أبو علي التستري ، عن القاضي أبي القاسم ، عن عبد العزيز بن محمد بن أبي أحمد الحسن ابن سعيد العسكري اللغوي ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن صاعد ، عن محمد بن ناصح الأهوازي ، حدثني النضر بن شميل قال : كنت أدخل على المأمون في سمره ، فدخلت ذات ليلة وعليَّ قميص مرقوع ، فقال : يا نضر ! ما هذا التقشف ؟ حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان ؟
قلت : يا أمير المؤمنين ، أنا شيخ ضعيف ، وحر مرو شديد ، فأتبرد بهذه الخلقان .
قال : لا ، ولكنك قشف .
ثم أجرينا ذكر الحديث ، فأجرى هو ذكر النساء ، فقال : حدثنا هشيم ، عن الشعبي ، عن ابن عباس - - قال : قال رسول الله : " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سَداد من عوز " ، ( فأورده بفتح السين ) ، فقلت : صدق يا أمير المؤمنين هشيم ؛ حدثنا عوف بن أبي جميلة ، عن الحسن ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله : " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد من عوز " قال : وكان المأمون متكئا فاستوى جالسًا ، فقال : كيف قلت ؟ سِداد ؟ قلت : لأن السَداد هنا لحن ، قال : أو تلحنني ؟ قلت : إنما لحن هشيم ، وكان لحانًا ، فتبع أمير المؤمنين لفظه .
قال : فما الفرق بينهما ، قلت : السداد ( بالفتح ) : القصد في الدين والسبيل ؛ والسِداد ( بالكسر ) : البلغة ؛ وكل ما سددت به شيئًا فهو سِداد .
قال : أو تعرف العرب ذلك ؟ قلت : نعم ، هذا العرجي يقول :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِداد ثغر
قال المأمون قبح الله من لا أدب له !
وأطرق مليًّا ثم قال : ما لك يا نضر ؟ قلت : أريضة ( تصغير أرض ) لي بمرو أتصابها وأتمززها ، قال : أفلا نفيدك معها مالا ؟ قلت : إني إلى ذلك لمحتاج .
قال : فأخذ القرطاس ، وأنا لا أدري ما يكتب ، ثم قال : كيف تقول إذا أمرت من يترب الكتاب ؟ قلت : أتربه ، قال : فهو ماذا ؟ قلت : مترِّب .
قال : فمن الطين ، قلت : طِنْه ، قال : فهو ماذا ؟ قلت : مُطَيِّن .
فقال : هذه أحسن من الأولى ؛ ثم قال : يا غلام أتربه وطنه .
ثم صلى بنا العشاء ، وقال لخادمه : تبلغ معه إلى الفضل بن سهل .
قال : فلما قرأ الكتاب قال : يا نضر ، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم ، فما كان السبب فيه ؟ فأخبرته ، ولم أكذبه ؛ فقال : ألحنت أمير المؤمنين ؟! فقلت : كلا وإنما لحن هشيم ، وكان لحانة ، فتبع أمير المؤمنين لفظه ؛وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ، ثم أمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم ، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني ( 1 ) .
__
( 1 ) المزهر : 2 / 254 ، 255 .