مدلولات النص القرآني كيف ينبغي ان نفهمها
نايف عبوش
لا جرم أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ، الذي نزله على رسوله خاتم المرسلين محمد ()، بشمولية تامة، لم يغادر فيها صغيرة،ولا كبيرة من متطلبات الدارين، من العبادات، والمعاملات، وما بينهما ،وما يتعالى عليهما، إلا أحصاها. فأكمل الله بهذا الكتاب المجيد، الدين القيم(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). وبذلك ختمت النبوات، ليكون هذا القرآن منهجاً حركيا مستمرا،وبلاغا عاما، شاملا للإنسانية كلها،يتخطى بشموليته، الزمان والمكان، بالمفهوم الساكن،مع انه عالج في هديه العام اشكاليات كل زمان، بأدق التفاصيل،دون تخصيص لمفردات التفصيل بذاتها،كي يبقى النص القراني مفتوحا على افاق التطور،ويستوعب متغيرات الحال حتى تقوم الساعة.فجاء القران الكريم بهذه الخاصية الشمولية، خطابا عاما لكل العالمين على قاعدة قصد الرحمة من وراء هذا الدين ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).
وقد فصل الله كتابه المجيد على علمه المحيط بكل شيء باللغة العربية ( كتاب فصلَت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون)،وتميز هذا التفصيل بالعلم الإلهي اليقيني الشامل،والمطلق،حاملا حقائق الوجود، والظواهر الكونية ،محسوسها،ومغيبها،كما هي كلها، فجاء محكما، خاليا من أي شك، أو اختلاف،أو تناقض على قاعدة (ذلك الكتاب لاريب فيه)،فاعجز بذلك دهاقنة العرب، وهم أرباب الفصاحة والبيان،ف(لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا).فقد أحاط بالعلم الشامل لنشأة الكون،والإنسان،والحياة،وأ لم بقوانين التسخير الكونية، الغيبية منها والمشهودة ، ولا تزال تترى عجائبه،وفقا لما توصلت اليه العلوم المعاصرة من معطيات،وما اثبته المكتشفات الحديثة من حقائق لم تكن معروفة للناس وقت نزول القران.

وبهذه الخواص اليقينية المحكمة، اتسم النص القرآني بقدسية تامة، بمعنى أن الاقتراب المتجسد من مراد الله في فهم النص، هو مسؤولية الإنسان،في استحضار وسائل الفهم الصحيح،التي تتسلح باليات التفسير المنهجي،والتأويل المقعد،والمنهجيات المعتمدة في المعرفة الاسلامية،التي تتجسد في وسائل التدبر العقلي،والإلمام التام ببيان اللغة العربية،ومعرفة السياق،والإحاطة بأسباب النزول،وإدراك المقاصد من النص،ومعرفة الناسخ،والمنسوخ، حتى لا يتقاطع الفهم الانساني مع مدلول النص بالغرض او الهوى، بأي شكل من الأشكال.وبذلك يتفادى أن يجادل المفسر، والمؤول، والناقد،والمتلقي، في آيات الله بغير علم،ولا هدى، ولا كتاب منير،فيهلك عندئذ، ويهلك.

ولعل من المفيد التنويه، إلى أن من مميزات النص القرآني الكريم الفريدة المعروفة للمختصين في علوم القران، هي أن بيان ما أشكل منه يكمن في ذاته، فما يجمله في موضع، يفصله في موضع آخر،وما يطلقه في موضع، يقيده في موضع آخر،وما يعممه في موضع، يخصصه في موضع آخر،وهكذا.. فعلى سبيل المثال لما نزل قوله تعالى ( وان تبدوا ما في أَنفسكم أَو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قَدير ) ، شق ذلك على الصحابة،فلما رأى ذلك رسول الله منهم، قال لهم ( وأين منكم )قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)..فاستعمل رسول الله بذلك الإيضاح للصحابة، القرآن لبيان ما أشكل عليهم من القرآن. ولعل هذا المنهج النبوي في التفسير،يعني أن تعتمد هذه القاعدة للحالات المماثلة،من قبل المفسر، او المؤول، او الناقد بدقة للاستنباط، من دون توسع متعمد، يقحم حالات أخرى،قد يتم التجاوز فيها على النص، لتمرير اجتهادات قد لا تقع ضمن القاعدة لاي سبب،حيث الأصل في الاجتهاد لفهم النص ينبغي ان يتحدد بقاعدة(أن هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق).
لذلك ينبغي على المسلم الورع، وأن يحرص على تدبر آيات القرآن الكريم بعناية تامة، وان يستحضر أمامه أدوات التفسير مما ذكر من مستلزمات، عندما يريد فهم النص، لأنه بهذا التدبر المؤمن، وتوفير متطلبات الإعانة للتدبر، يتمكن من الوصول إلى الفهم الصحيح للنص القرآني،ويقترب من مراد الله بالنص إلى أدنى حد.

على أن اعتماد الية الرجوع إلى التفاسير المتيسرة حتى مع احتمال وجود بعض التعارضات فيها، بما تمثله من ادبيات معرفة اسلامية متراكمة، للوقوف على ما في خزينها من نتائج، ستكون بلا شك طرائقية رصينة في مؤازرة نهج بذل الجهد العقلي المطلوب في التدبر، لاستحضار الدلالات المطلوبة لفهم مستجدات التطور، وتجاوز معوقات تعطيل الوعي عن التدبر، وتفادي إبعاد العقل عن التفكير المتعمق، في مدلولات النص القرآني، عندما لا تكون عملية الاجتهاد، ومحاولات فهم المراد من النص متواصلة مع رصيد المعرفة المتراكمة في العلوم الاسلامية، او متعالية عليها، بحسبان ان عملية الرجوع إلى التفاسير المتاحة بحوزتنا، ستكون عائقاً أمام حرية العقل في تدبر القرآن بذريعة التشبث الزائف بمزاعم جمود اثار النقل،وضرورة تشجيع تفعيل ظاهرة تثاقف المتفيقهين، وتعالم المهووسين، الذين يستخفون بكنوز ما ابدعته المعرفة الاسلامية من اثار، رغم كل ما اعتراها من هنات هناوهناك، مما برر زعم المتأولين من اصحاب الغرض بالتصريح بعجز مناهج المعرفة الإسلامية، وتخلف تراثها عن مراعاة فرق عامل الزمن، والقصور عن استيعاب ما افرز من مستجدات متعددة، تستوجب من المفسر والفقيه أخذها بنظر الاعتبار، عند التعاطي مع مدلولات النص،خاصة وان المخاطب بالقرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه، هو عقل الإنسان، لكي يفهمه على حقيقة مراد الله، ويستنبط البيان من داخل القران،كلما فتح الله عليه طريق الاستنباط السوي،على تأصيل(ذلك مما علمني ربي)،وبالتالي فهو المعني ألأول بالخطاب القرآني( أفلا يتدبرون القران أَم على قلوب أقفالها)،مما يسوغ عندئذ الركون الى توظيف منهجيات دخيلة، بعيدة عن بيئة المعرفة الاسلامية في التأويل، والتفسير.
ومن هنا يتوجب على كل مسلم، بل وعلى كل إنسان عاقل، ممن يريد أن يقترب من مراد الله في النص القرآني طلبا للتبصر، والهداية، أن يتدبر القرآن بشيء من التأمل المتطلع، بمؤازرة ما بحوزته من التفاسير،التي لا مندوحة له من الرجوع إليها، لاسيما إذا ما تعسر عليه التدبر المؤمن، وشق عليه فهم مدلولات النص، اذ لاجرم ان الاطلاع على آراء المتقدمين، سيعين على توسيع دائرة التطلع،والتدبر،وزيادة القدرة على الترجيح،من دون تكاسل يعطل طاقاته الذاتية في استكناه مدلولات النص،بالأتكاء المتواكل إلى ثقافة الاستظهار المجردة،العازفة عن تدبر القرآن، للوصول إلى الفهم اللغوي العربي الفصيح للنص القرآني ، الخالي من أي عجمة رطنت بها ألسنتنا بالغزو الثقافي،الذي هب علينا برياح العصرنة المعولمة،وربما تسربت تداعياته السلبية إلى أدبياتنا اللغوية،وأساليبنا التفسيرية، فأفسدت علينا بالإضافة إلى ما تقدم من معوقات، ذائقة تأمل النص بلسان عربي مبين،واختزلت فينا قدرة التمكن من الفهم الصحيح للنص القرآني،مما عطل في المسلمين عملية التواصل الخلاق مع فصاحة لغة النص،وشوش عليهم نهج التدبر،بما يستولده عطاء مستمر في الفهم الشفاف للنص القرآني حتى تقوم الساعة،فحرموا أنفسهم،وحرموا البشرية من فيض العطاء الإلهي اللامحدود، الذي يفترض أنهم مستخلفون في الأرض،لإدامة تفجيره بالتدبر المتطلع،المعزز بوسائل الاجتهاد المنهجية،وتأمين تدفقه المستمر بالخير العميم عليهم،وعلى الناس أجمعين حتى تقوم الساعة.