التناسب التام بين آيات القرآن و ما ختمت به من أسماء الله الحسنى-

يقول شيخ الإسلام تعالى:" والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدرا من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك.. وأعظم سورة أم القرآن.."اهـ- درأ تعارض العقل و النقل-.
و بشيء من التدبر نجد أن هذه الأسماء وضعت في مكانها المناسب بإحكام بالغ، بحيث لا يمكن أن نستبدل بعضها ببعض، فكل آية ختمت ببعض أسماء الله تعالى، نجد علاقة وطيدة بين معناها و ما ختمت به من الأسماء،و هذه بعض الأمثلة:
1- قال تعالى:" و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله و الله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم"-المائدة: 39-.
ذكر ابن الجوزي تعالى في تفسيره عن الأصمعي أنه قال:" قرأت هذه الآية و إلى جنبي أعرابي فقلت " و الله غفور رحيم" سهوا-أي بدلا من و الله عزيز حكيم"،فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت كلام الله، قال: أعد فأعدت" و الله غفور رحيم"، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت فقلت:" و الله عزيز حكيم"، فقال: أصبت هذا كلام الله، فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال:لا، فقلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا إنه عز فحكم فقطع و لو غفر و رحم ما قطع".
2- و من الأمثلة كذلك قوله تعالى:" ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا و الله يريد الآخرة، و الله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، و اتقوا الله إن الله غفور رحيم"- الأنفال:67-69-.
فانظر كيف ختمت الآية الأولى بقوله سبحانه:" و الله عزيز حكيم" و الثالثة بقوله:" إن الله غفور رحيم"، و ذلك لأن العتاب من الله تعالى ناسبه اسمه العزيز الدال على عزته و اسم الحكيم الدال على حكمته سبحانه، و لو انتهت باسم الغفور الرحيم لما كان للعتاب وقع على النفوس، ثم لما أذن الله تعالى في الأكل من الغنائم تائبا سبحانه ناسب أن تختم الآية باسمين كريمين دالين على عظم مغفرته و سعة رحمته.
3- و من الأمثلة كذلك قوله تعالى على لسان نوح :" إن ابني من أهل و إن وعدك الحق و أنت أحكم الحاكمين"-هود45-،مع أنه ظن أن ابنه من أهله الذين سينجون، لكن ناسب أن يصف الله بهذا الوصف لأن الله تعالى لا أحكم منه و حكمه الحق و العدل الذي لا يجور و لا يحيف في حكمه.
4- و مثال آخر أختم به من سورة الشعراء، فكثيرا ما يختم الله قصة كل نبي في هذه السورة بقوله: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"، وذلك لأنه سبحانه بعزته ينتقم من أعدائه وبرحمته ينجي أولياءه، يقول ابن القيم : "وهو سبحانه يذكر في سورة الشعراء ما أوقع بالمشركين من أنواع العقوبات ويذكر إنجاءه لأهل التوحيد ثم يقول: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"، فيذكر شرك هؤلاء الذين استحقوا به الهلاك وتوحيد هؤلاء الذين استحقوا به النجاة، ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهانا للمؤمنين، ثم يذكر مصدر ذلك كله وأنه من أسمائه وصفاته، فصدور هذا الإهلاك عن عزته وذلك الإنجاء عن رحمته"اهـ- مفتاح دار السعادة-.
وهذا باعتبار كل اسم من هذين الاسمين على حدة، أما باعتبارهما مقترنين فإن السر في اقترانهما الدلالة على أن الله تعالى رحيم في عزته عزيز في رحمته، وهذا هو الكمال، العزة مع الرحمة والرحمة مع العزة، بخلاف المخلوق فقد يكون معتزا بقوته ولا رحمة في قلبه أو رحيما لكن مع ذل.
ولا ريب أن أيَّ جمع بين اسمين من أسماء الله يزيدها حسنا على حسن، كما يقول الشيخ ابن عثيمين : "والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال"- القواعد المثلى-.