بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد رأينا كثيرًا من طلاب العلمِ في زماننا يَجِدُّوْنَ إلى العلم ولا يَصِلُوْنَ، ومن منافعه وثمراتِهِ يُحْرَمُوْنَ؛ فنجد من يقضونَ السنينَ الطوالَ في تعلُّم العلمَ، بل في علم واحدٍ، ولا يُحَصِّلُوْنَ منه على طائل؛ لأنهم أخْطَئُوا طرائِقَه، وتركوا شرائِطَه(1) وكما قال ابن القيم - - في الفوائد: "الجهلُ بالطريق وآفاتِهِا والمقصودِ: يوجبُ التعبَ الكثيرَ مع الفائدةِ القليلة"
لذا فقد رأت المجلة أن تخصص بابًا جديدًا للتعريف بأبرز المتون العلمية - وبيان أبرز شروحها، وأصح طبعاتها - والمنهج المقترح لدراستها؛ حتى نمهد الطريق للطلاب المبتدئين، وفي هذه المقالة نبذة يسيرة عن المتون وأنواعها، مع بيان مناهج وأساليب أهل العلم في شرحها، والله المُسْتَعَان.

• أولاً: المتون العلمية، أهميتها، تعريفها، وأنواعها:

• حينما تتأمل مسارات طلب العلم لدى العلماء؛ ستجد لهم في ذلك طرقًا متنوعة، فكل عالم سلك ما يسره الله له مما يوافق ما أنعم الله به عليه من مَلَكَات وإمكانات، وستجد من هذه المسارات: مسار المتون العلمية: فقد اتخذه كثير من العلماء منهجًا موصلاً إلى حسن التحصيل، وقوة التأصيل؛ لأن المتون تجمع للطالب في كل فَنٍّ لُبَّ مسائله، بألفاظ مختصرة، وتقسيمات معتبرة، تقرب البعيد، وتجمع المتفرق، مما يمكن الطالب من تكوين صورة مجملة للفن الذي ألفت فيه في زمن قليل، ينفتح له بها أبوابًا عظيمة من العلم النافع – إن شاء الله -، لذا ينبغي على طالب العلم أن يعتني بهذه المتون، مع حفظ بعضها، فكما قال أهل العلم "من حفظ المتون حاز الفنون" (2)
• والمتن: هو ما يكتُبُهُ مُؤلِّفُهُ ابتداءً، أو استخلاصًا من كُتبِ من سَبقهُ، دُونَ الارتباطِ بشرح كتابٍ آخرٍ. ثم يلحقُ المتنَ: الشرحُ، وما إليه. فالمتن إذاً يطلق على «الكتاب» المقابل للشرح".(3)

• والمتون على نوعين:
1- المتون المنثورة: وهي الكتب التي تحتوي على مسائل علمية في علم من العلوم، وصيغت بطريقة إنشائية. (4) ك: «المقدمة الآجُرُّومِيَّة» في النحو.
2- المتون المنظومة: وهي القصائد التي تحتوي على مسائل علمية في علم من العلوم، وصيغت بطريقة النظم الشعري. وهي على صورتين:
أ- أن يكون النظم أصيلاً: بأن يعمد المصنِّف إلى علم من العلوم، فيكتب – ابتداءً - في أصوله منظومة علمية. ك:«بغية الباحث عن جمل الموارث»، المشهورة ب: «الرَّحْبِيَّة».
ب- أن يكون النظم تبعاً: بأن يعمد المصنِّفُ إلى متن منثور، فيقوم بنظم مسائل هذا المتن في منظومة علمية. ك: «نظم الآجُرُّومِيَّة» في النحو، لمحمد بن آبَّ القلاوي التواتي. (5)

• ثانيًا: الشروح العلمية، مناهجها، وأساليبها:
مهمة الشرح تعليمية، إذْ تُيَسِّرُ للطالب فهم المتن، ويمكن تحديد هذه المهمة بما يأتي:
1- توضيح عبارة المتن: لغة، وتفصيلاً لمُجْمَلٍ، وتصحيحًا أو تضعيفًا لقَوْلٍ، وضربًا للأمثلة.
2- الزيادة في المعلومات؛ ب: بيان القيود، والشروط في المسألة المشروحة، وإيراد أقول العلماء المختلفة فيها.
3- نصرة ما التزم شرحه بقدر الاستطاعة، والدفاع عمَّا تكفَّل بإيضاحه، اللهم إلا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح؛ فحينئذ ينبه عليه. أما مبادرة كلام «الماتن» بالرد عليه، في كل مرة، فهذا خلاف ما تعارف عليه أكثر أهل العلم. (6)
وللعلماء في أداء هذه المهمة عدة مناهج، بعضها لها سلبيات كثيرة تُضِعف من قيمتها، ومنها:
1- المنهج الإجمالي: فيوضح الشارح بعض عبارات المتن، ويشرح مقصوده باقتضاب شديد. ويتميز هذا المنهج بأنه يعطي للطالب تصورًا أوليًّا لمسائل المتن، لكن لا يمكن الاقتصار عليه.
2- المنهج التحليلي: فيعتني الشارح بجميع ألفاظ المتن، فلا تكاد تفوت لفظة أو جملة إلا ويشرحها وربما يعربها. ويتميز هذا المنهج بأنه يمكِّن الطالب من فهم عبارات المتن، وتفصيلات المسائل التي يتطرق لها، لكن يعيبه أن الطالب عند إغراقه في التفصيلات قد يَذهل عن المقصد العام لموضوع الدرس، وقد ينسى كثيرًا مما شُرح.
3- المنهج الموضوعي: فيبدأ الشارح بشرح عام لموضوع الدرس، وتأصيل مسائله حتى ولو كان بعضها غير مذكور في المتن، ثم يعرج على عبارات المتن بشيء من الشرح. ويتميز هذا المنهج بأنه يبني الملكة العلمية للطالب التي يتمكن بها من فهم مسائل العلم وارتباط بعضها ببعض. لكن يعيبه أن الطالب قد يفوته فهم بعض العبارات المشكلة.
4- المنهج التلخيصي: فيجمع ما قاله الشراح، ويلخصه للطالب بشيء من الانتقاء، والتهذيب والاختصار، وربما يضيف بعد الأقوال النافعة، والضوابط والتقسيمات الجيدة، واللطائف والاستنباطات ونحو ذلك، دون التعرض – في الغالب – لألفاظ المتن، وهذا المنهج عليه العديد من المؤاخذت؛ أبرزها أن الطالب قد يفوته فهم الكثير من عبارات المتن، مع عدم تنمية ملكة الاستنباط والدقة.
5- المنهج الدعوي: فيبدأ الشارح بشرح موضوعات المتن بصورة مبسطة دون التطرق لألفاظه إلا أحياناً. ويتميز هذا المنهج بأنه يصلح لمن أراد أن يتعلم العلم الواجب، أو بمعنى أدق ما لا يسع المسلم جهله، فهي لا تنتج تحصيلاً علميا يعتمد عليه.
مع العلم أن بعض العلماء قد يختلف منهجه من متن لآخر، بل من درس لآخر، وربما يجمع بين أكثر من طريقه. (7)

• ثانياً: أساليب الشرح:
الأول: الشرحُ ب(قال – أقول)، وفي هذا الأسلوب قد يُكتبُ المتن في بعض النُّسَخ بتمامه، وقد لا يُكتَب؛ لكونِه مندرجًا في الشَّرحِ بلا امتياز. كشرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي.
الثاني: الشَّرْحُ ب(قوله). وفيه لا يلتزم المتن، وإنما المقصود ذكر المواضع المشروحة. ك:«شرحِ البخاري» لابن حجر.
الثالث: الشرح مزجًا، ويقال له: «شرحٌ ممزوجٌ» يمزج فيه عبارة المتن والشرح. ك: «الروض المربع شرح زاد المستقنع».
الرابع: الشرح الذي يعمد الشارح فيه إلى شرح ما ورد في المتن دون أن يلتزم بذكر عبارة المتن أبدًا، ودون أن يشير إليها بشيء. ك: «أوضح المسالك إلى (ألفيَّة) ابن مالك» لابن هشام.
الخامس: الشرح الذي يعتمد إيراد المتن أولاً، ثم يأتي بعد ذلك الشرح، وقد يشير بعضهم إلى المتن بحرف الصاد أو الميم، وإلى الشرح بحرف شين. ك: «شرح قطر الندى» لابن هشام. (8)

• ثالثًا: المنهج المقترح لدراسة المتون عمومًا: عليك أن تستعين بالله تعالي في شرح المتون من خلال الطرق التالية:
الأولى: أنْ تأخُذَ شَرْحَهَا على أيْدِي العلماء الربانيين.
الثانية: فإنْ لمْ يكن؛ فَلْتأخُذْ شَرْحَهَا على أيْدِي طلاب العلم النابغين.
الثالثة: فإنْ لمْ يكن؛ فَلْتأخُذْ شَرْحَهَا من خلال المنهج المقترح الذي سأذكره مع كل متن، والذي يتلخص في الكتب والأشرطة الشارحةِ لها مع سُؤالِ أهلِ العلمِ عما يُشْكِلُ عليك، والله المُسْتَعَان! (9)
مع مراعاة التالي:
1- لا تَنتقل من متن إلى آخَرَ بلا موجبٍ، وإياك وكثرة الشروح، والتنقل بينها.
2- ستجد الكثير من المناهج العلمية، فالتزم واحدًا منها، وإياك وكثرة السؤال.(10)
3- قراءة بعض الكتب المتعلقة بالعلم، وآدابه، مثل: التعالم، وحلية طالب العلم كلاهما للشيخ بكر أبو زيد، والدليل إلى المتون العلمية، للشيخ عبد العزيز بن قاسم.
هذا، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ. ( 11)
عبد الله بن داود ibndawod@gmail.com

(1) تعليم المتعلم للزَّرْنُوجي، والمدخل لابن بدرَان بتصرف.
(2) ملخصًا من مقالة بعنوان مسارات طلب العلم بموقع آفاق التيسير، لعبد العزيز الداخل، مع بعض الزيادات.
(3) بتصرف من المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (2/678) لبكر أبو زيد.
(4)وفي بعض الأحيان نجد أن المصنفين لا يُراعون الجوانب الأدبية والبيانية في أثناء كتابة المتن، بل الأهم عندهم هو جمع المادة العلمية، وربط بعضها ببعض، فهم يجمعون أكبر عدد من مسائل العلم الذي يكتبون فيه، في أقل ما يمكن من الجُمَل.
(5) المدخل إلى علم المختصرات بتصرف (ص 31 – 41) لعبد الله الشمراني.
(6) بتصرف من المناهج والأُطُر التأليفيَّة، لمحمد بن لطفي الصباغ، بواسطة المدخل إلى علم المختصرات.
(7) استفدت من مشاركة للشيخ عبد العزيز الداخل.
(8) بتصرف من كشف الظنون لحاجي خليفة، والمناهج والأُطُر التأليفية لمحمد الصباغ، نقلاً من المدخل إلى علم المختصرات.
(9) المنهج العلمي لطلاب العلم الشرعي، لذياب الغامدي، بتصرف.
(10) ذكر عبد الله الحويل، أنه زار الشيخ بكر أبو زيد في مكتبه بهيئة الإفتاء، وسأله عن المتون والكتب التي تصلح لطالب العلم، فأجابه: "طلاب العلم - سبحان الله - دائما يسألون عن الكتب والمتون التي تصلح للحفظ والدراسة؛ العلم هو توفيق من الله، فاسأل الله أن يوفقك للعلم، إذا وُفِّقت للعلم عرفتَ ما الذي يصلح وما الذي لا يصلح".
(11)هذه المقالة ليس لي فيها من عمل إلا الجمع ثم الترتيب ثم التلخيص.