الحمل على الظاهر
(دراسة تطبيقية من خلال تفسير ابن جرير الطبري)
إعداد
د.إبتسام بنت بدر عوض الجابري
أستاذ مشارك
كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
مكة المكرمة – المملكة العربية السعودية
1431-1432هـ

المقدمة
الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً، وجعله هادياً للتي هي أقوم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم... وبعد:
فإن الظاهر هو أحد أهم المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه، ومما لاشك فيه أن هذه المسائل وإعمالها، والحمل عليها، وكيفية وضوابط ذلك، وقواعد الترجيح التفسيرية الناتجة عن إعمالها أو عدم ذلك؛ كل ذلك له أثر بالغ في علم تفسير كتاب الله، والوصول إلى فهمه فهماً صحيحاً سليماً، واجتناب الانحرافات والتأويلات الباطلة.
والظاهر هو أحد أهم المسائل المشتركة التي قد زلَّ من حادّ عن العمل بها كالمؤولة والمشبهة والمعطلة وغيرهم.
ولذا آثرت أن يكون هو محور حديثي في هذا البحث.
ثم أتبعته بالجانب التطبيقي معتمدة على تفسير الطبري : لعظيم مكانة هذا التفسير أولاً، ولبالغ اهتمام مؤلفه بهذه المسألة ثانيا، فقد كرر هذه الكلمة عدة مرات، وبتصاريف مختلفة، وعبارات مشابهة، وكما أنه قد أعملها وحمل عليها وطبق الكثير من قواعد الترجيح في التفسير المرتبطة بها.
وقسمت البحث إلى فصلين:
الفصل الأول: مفهوم الظاهر عند العلماء؛ واشتمل على تمهيد وعدة مطالب:
التمهيد: وقد ذكرت فيه جملة من الأمور التي لوحظت في اشتراك هذه المسألة بين أصول الفقه وعلوم القرآن.
المطالب:
1. تعريف الظاهر.
2. أفسام المنطوق.
3. حكم الحمل عليه وإعماله.
الفصل الثاني: تطبيقات الظاهر عند الطبري .
وقسمته وفق قواعد و ضوابط ترجيحية للمفسرين عند تفسير كتاب الله، وقد استنتجت بعض هذه القواعد من كلام الطبري نفسه –-، وبعضها الآخر-وهو الأكثر- رجعت فيه إلى ما نص عليه المفسرون كقواعد للترجيح،وتوصلت إليه من خلال بعض كتب قواعد الترجيح والتفسير عند المفسرين.
وجعلت هذه القواعد على قسمين:
القسم الأول: قواعد ترجيحية انتهجها الإمام الطبري في الحمل على الظاهر:
وهي مقسمة إلى عدة مباحث، تحتها مطالب تشتمل على عدة تطبيقات من تفسير الطبري حسب الحاجة.
المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب:
1. يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والمنكر.
2. يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة.
3. إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت الشرعية.
4. القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير.
5. إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى.
6. القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية.
7. يجب حمل نصوص الوحي على العموم إلا مادل الدليل على تخصيصه.
8. يجب الحمل على ألفاظ العموم الظاهرة في الاستغراق مالم يرد مخصص لها.
9. الأصل في الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم.
10. جواز الإضمار في الحكاية بمحذوف دل عليه الظاهر.
11. غير جائز حمل كلام الله على الشواذ من الكلام، وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود.
12. توجيه معاني كتاب الله إلى الظاهر المستعمل في الناس أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال.
13. التأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم.
14. تقديم الظاهر المعنوي دون اللغوي.
15. لا يجوز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.
16. إجراء العرب في منطقها ببعض دون بعض، إذا كان البعض ظاهر دالاً على البعض الباطن وكافياً منه.
المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات:
1. اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه.
2. تقديم القراءة التي يؤيدها ظاهر القرآن وتؤيدها الأخبار عن رسول الله .
3. إذا اختلفت القراءات في الألفاظ واتفقت في المعاني، قدم ماكان أظهر وأشهر في قراءة أهل أمصار الإسلام.
4. إذا أمكن القول بمقتضى القراءات جميعها فهو أولى.
5. إثبات معنى القراءتين أولى من رد أحدهما وفيه زيادة معنى.
المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني:
1. إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك.
2. كل تفسير ليس مأخوذاً من دلالة الألفاظ وسياقها فهو رد على قائله.
3. حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها، والاستغناء بدلالة الظاهر عليه.
المبحث الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة:
1. إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ماخالفه.
المبحث الخامس: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار.
1. تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم.
القسم الثاني: قواعد ترجيحية انتهجها الإمام الطبري في الصرف عن الظاهر:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة:
إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ماخالفه.

المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار:
تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم.

ثم الخاتمة. هذا وأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا أهليته بفضله ومنه. والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين.
الفصل الأول: مفهوم الظاهر عند العلماء
تمهيد
تعد هذه المسألة من المسائل المشتركة بين أصول الفقه وعلوم القرآن، ومما يلحظ في هذه المسألة عدة أمور:
1. أن بحث الأصوليين في هذه المسألة غير واسع، فقط ذِكرُ عددٍ من التعريفات وبيانٌ لبعض المحترزات.
2. يذكر الأصوليون هذا النوع في أقسام الكلام المفيد، حيث يقسمون الكلام المفيد إلى نص وظاهر ومجمل.
3. قسم أبو الوليد الباجي اللفظ إلى حقيقة ومجاز، وجعل الحقيقة على قسمين: مفصل ومجمل، فيقع الاستدلال بالمفصل دون المجمل، ثم قسم المفصل إلى قسمين: غير محتمل وهو النص، ومحتمل، ويشمل الظاهر والعام.([1])
4. عدم تعرض علماء علوم القرآن لهذه المسألة إلا من قبل عدد قليل منهم كالزركشي، والبلقيني، والسيوطي في الإتقان، وابن عقيلة المكي، في صفحات قليلة جداً، واقتصرت مسائلهم على التعريف وضرب الأمثلة، والتفريق بين التأويل وكل من الإجمال والتفسير.
5. أن علماء علوم القرآن لم يجعلوه نوعاً مستقلاً من علوم القرآن.
6. اكتفى ابن عقيلة بذكر تعريف عام للظاهر، وأفرده بنوع مستقل عن المؤول، وجعله مقابلا للخفي، فقال النوع التاسع والتسعون: علم ظاهره وخفيه، وهو بذلك يسير على أصول مذهبه الحنفي، حيث يجعل الظاهر في مقابل الخفي. وأما الجمهور فإنهم يجعلون الظاهر في مقابل المجمل.([2])
7. ذكر الزركشي مايصلح أن يدخل في تعريف الظاهر، وتحدث عنه في فصل مستقل داخل النوع الحادي والأربعين: معرفة تفسيره وتأويله.([3])
8. ذكره السيوطي في النوع السابع والسبعين: في معرفة تفسيره وتأويله وبيان شرفه والحاجة إليه، وتحدث في باب المحكم والمتشابه عن الظاهر والمؤول نقلاً عن الطيبي.([4])


1. تعريف الظاهر:
لغة: الشاخص المرتفع، والواضح المنكشف، ويطلق أيضاً على خلاف الباطن، ومنه قولهم: ظهر الأمر الفلاني إذا انكشف.([5])
اصطلاحاً: للعلماء تعريفات عديدة للظاهر؛ منها:
الحنفية:
قال أبو زيد الدبوسي الحنفي: الظاهر ماظهر للسامع بنفس السمع.
فالظاهر هو: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعا فيما هو المراد مثاله قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم وقال تعالى وأحل الله البيع وقال تعالى فاقطعوا أيديهما فهذا ونحوه ظاهر يوقف على المراد منه بسماع الصيغة.
وأما النص فما يزداد وضوحا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرا بدون تلك القرينة.
([6])
وقال السرخسي: الظاهر: مايعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل، وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعاً فيما هو المراد.
و إلى هذا ذهب متأخرو الحنفية.
المالكية والحنابلة:
الظاهر هو المتردد بين احتمالين فأكثر وهو في أحدهما أرجح.
وعرفه أبو يعلى وأبو الخطاب أنه (ماحتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر).([7])
الشافعية:
قال الإمام الزركشي في البرهان: (والشافعي يسمي الظواهر نصوصاً في مجاري كلامه، وكذا القاضي أبوبكر، وهو صحيح في أصل اللغة).([8])
وقال الغزالي في المستصفى الظاهر: هو الذي يغلب على الظن فهم معناه من غير قطع.([9])
وعرفه شيخنا ابن عثيمين --: أنه ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره، فخرج بقوله (مادل بنفسه على معنى) المجمل لأنه لايدل على المعنى بنفسه، وخرج بقوله (راجح) المؤول لأنه يدل على مرجوح لولا القرينة، وخرج بقوله (مع احتمال غيره) النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحد.([10])

وعلى هذا نجد أن بعض العلماء فرق بين النص والظاهر: فقالوا النص: مالايحتمل إلا معنى واحداً، والظاهر: ما احتمل معنيين فأكثر، ويكون أحدهما أرجح.([11])
وفرق بعض الحنفية بينهما فقالوا: النص ما سيق الكلام لأجله، والظاهر ماليس كذلك.([12])
وقال عبد العلي الأنصاري: أما القدماء فلم يعتبروا التباين (أي بين أقسام اللفظ المفرد) بل أخذوا في الظاهر مطلق الظهور سواء كان مع السوق أم لا.
ولهذا عرفه الشاشي والسرخسي والخبازي بما عرف به المالكية والشافعية والحنابلة.([13])
وحكم الظاهر والنص وجوب العمل بهما عامين كانا أو خاصين مع احتمال إرادة الغير.([14])

التعريف الراجح: الظاهر: هو اللفظ الدال على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي، ويحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً. وهو تعريف الآمدي.([15])
وسبب الترجيح أمران:
أنه جامع مانع، ولبيان ذلك أقوال:
أن لفظ (اللفظ) جنس في التعريف جامع وشامل للنص، والظاهر، والمجمل. وأتي بلفظ (الدال على معنى) لمنع دخول المهمل، وهو: غير الدال، أو اللفظ المنسوخ المعنى والحكم كقوله تعالى: )وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ( [البقرة: 240]، وأتي بلفظ (بالوضع الأصلي) لمنع دخول المجاز، وهو اللفظ الدال على غير موضوعه الأصلي. وأتي بلفظ (الأصلي أو العرفي) لبيان أقسام اللفظ الظاهر. وأتي بلفظ (احتمالاً مرجوحاً) لمنع دخول (المجمل) (والمشترك)؛ حيث أنهما (لفظ دال على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر).([16])
2. أقسام المنطوق:
ألفاظ القرآن من حيث الدلالة على المعاني ثلاثة أقسام:
· القسم الأول: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحداً، وهذه هي دلالة النص وهي مفيدة للعلم واليقين قطعاً.
وهذا القسم على ثلاثة أنواع:
ü الأول: مالا يتطرق إليه احتمال أصلاً.
ü الثاني: ماتطرق إليه احتمال لادليل عليه، فهو بمنزلة المعدوم فلا يُلتفت إليه.
ü الثالث: نصوص تحتمل غير معانيها الظاهرة منها، ولكن طردها في الاستعمال على معنى واحد جعلها تجري مجرى النصوص التي لا تحتمل غير مسماها، فهذه لا تقبل تأويلاً ولا مجازاً، بل التأويل إنما هو حق الشاذ الذي يرد مخالفاً لنظائره، فيُرد بالتأويل إليها حتى يكون موافقاً لها في الدلالة، فعادة المتكلم في الخطاب واطراد كلامه، وإلف الـمُخَاطَب لسماع ذلك منه تقتضي عدم إرادة غير الظاهر، لاسيما إذا كان المتكلم متصفاً بالبيان وإرادة النصح، ولهذا كان من العجيب أن يعمد أهل التأويلات الفاسدة إلى نصوص القرآن الكريم وقد تواترت في الدلالة على معنى معين كاليد أو الاستواء أو العلو... ثم تبع ذلك إجماع الصحابة والتابعين على إثبات معانيها اللائقة بالله، ثم يقول النفاة: الظاهر غير مراد.([17])
وحكم ألفاظ القرآن المنصوص عليها أن لا يُعدل عنها إلا بنسخ.
· القسم الثاني: المجمل وهو ضربان:
ü الأول: مالاعُرف له في الشرع ولا في اللغة، وحكمه: لا يجوز المصير إليه حتى يرد مايفسره.
ü الثاني: ماله عُرف في اللغة، وحكمه يصار إليه حتى يرد ما يفسره، وعموماً تفسيره قد يُحال إلى خطاب آخر، سواء كان متصلاً به، أو منفصلاً عنه كما بين الله أموراً كثيرة بسنة نبينا r.
وحكم المجمل أياً كان نوعه التوقف حتى يرد ما يفسره.
· القسم الثالث: الظاهر: وهو على أنواع:
ü النوع الأول: الظاهر الشرعي كلفظ (الصلاة).
والمراد بالشرعي: ماعرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة، والصوم والزكاة؛ إذ الصوم في اللغة كل إمساك، والزكاة في اللغة الطهارة والنماء، والصلاة في اللغة الدعاء.
ü النوع الثاني: الظاهر اللغوي الوضعي كلفظ (الأسد) يطلق على الحيوان المفترس على حسب الظاهر.
فالمراد بالوضعي هو الحقيقة اللغوية كاستعمال الرجل في الإنسان لذكر والمرأة في الإنسان الأنثى وإن كان الوضعي يشمل في اصطلاحهم المجاز؛ لأن دلالة المجاز عندهم على معناه المجازي مطابقة، وهي وضعية بلاخلاف.
ü النوع الثالث: الظاهر العرفي كلفظ (الغائط)، يطلق ويقصد به الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، وإلا فهو في الأصل اللغوي: المكان المنخفض من الأرض.
والمراد بالعرفي أمران:
1. المجاز وهو المعروف عند أهل البلاغة وغيرهم: استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينها، مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي؛ مثل استعارتهم أعضاء الحيوان لغير الحيوان كقولهم: رأس المال، ووجه النهار، وحاجب الشمس، وعين الماء وكبد السماء.
2. أن يخصص عرف الاستعمال في أهل اللغة الاسم ببعض مسمياته الوضعية، كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، مع أن الوضع لكل ما يدب على الأرض.
والتحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية ثم المجاز عند القائلين به إن دلت عليه قرينة.([18])
وقسمها الزركشي في كتابه البحر المحيط في أصول الفقه إلى قسمين:
ü الأول: الألفاظ المستعارة؛ وهي المقولة أولاً على شيء ثم استعيرت لغيره لمناسبة بينهما، ومثالها: استعارتهم أعضاء الحيوان لغير الحيوان كقولهم: رأس المال، وحكم هذا القسم:
أ- أنه إذا ورد في الشرع حُمِل على ظاهره -وهو الحقيقة- حتى يدل دليل على أنه لغيرها وهو المجاز.
ب- إن غلب المجاز حتى صار اسماً عرفياً بالمعنى الثاني، كان حمله على المجاز هو الظاهر حتى يدل دليل على الحقيقة. وذلك كقولهم الغائط للمكان المطمئن من الأرض.
ج- إذا تساوى الحقيقة والمجاز في كثرة الاستعمال فإنه يُلحق بالمجمل، وذلك كقوله تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( [الحديد:25]، فإن المراد ها هنا العدل وهو محتمل لذلك احتمالاً يساوي الحقيقة.
ü الثاني: ألفاظ العموم: فهي ظاهرة في استغراق جميع الأفراد محتملة للتخصيص وحكم اللفظ العام: وجوب اعتقاده والعمل به من غير توقف على البحث عن المخصِّص، لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عُمِل به.([19])
وهو أقسام:
ü القسم الأول: كل اسم عُرِّف بالألف واللام غير العهدية، وذلك يشمل ثلاثة أنواع:
أ- ألفاظ الجموع؛ مثالها: لفظ المسلمين، والمسلمات، والمشركين، والمشركات.
ب- أسماء الأجناس: )وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ( [البقرة: 275]، أي كل بيع.
ج- لفظ الواحد: )إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ( [العصر: 2]، أي كل إنسان.
ü القسم الثاني: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة السابقة إلى معرفة؛ مثاله: قوله تعالى: )وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا([إبراهيم: 34]، أي نعم الله، وقوله تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أمره( [النور: 63]، أي جميع أوامره.
ü القسم الثالث: أدوات الشرط: ومن أمثلتها:
أ- مَن: وهي للعاقل، )مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا( [النساء: 123].
ب- ما: لغير العاقل، )وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ( [البقرة: 197].
ج- أي: )قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ( [الإسراء: 110].
والصحيح أن هذه الأدوات الثلاث تعم مطلقاً، سواء كانت شروطاً، أو موصولات، أو استفهامية.
د- أين: مثالها: )أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا([البقرة: 148]، )أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ([النساء: 78].
ü القسم الرابع: أسماء الاستفهام: من أمثلتها:
أ- مَن: )مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا( [البقرة: 245]، )مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا( [الحديد: 11]، )مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ( [البقرة: 255].
ب- ما: )وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ( [طه: 17].
ج- أي: )أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ( [النمل: 38].
د- متى: )حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ( [البقرة: 214].
هـ- أين: )أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ( [الأنعام: 22]، )أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ( [الأعراف: 37].
و- أنى: )قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ( [البقرة: 247]، )قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا( [البقرة: 259]، )قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا( [آل عمران: 37].
ü القسم الخامس: الأسماء الموصولة؛ ومثالها:
أ- من: )أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ( [الحج: 18].
ب- ما: )وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ( [البقرة: 27]، )قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ( [آل عمران: 29].
ج- الذين: )إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ( [الأنبياء: 101].
د- اللآتي: )وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ( [النساء: 15].
هـ- اللآئي: )وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ( [الطلاق: 4].
ü القسم السادس: الألفاظ المؤكدة؛ مثل: كل وجميع ومعشر وكافة.
أ- كل: وهي أقوى صيغ العموم، تشمل المذكر والمؤنث، والفرد والمثنى والجمع، )يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ( [آل عمران: 30].
ب- جميع: ومثلها مايتصرف كأجمع، وأجمعين، )فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ( [يس: 53].
ج- معشر: )وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ( [الأنعام: 128].
د- كافة: )وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً( [التوبة: 36].
ü القسم السابع: النكرة في سياق النفي، والشرط والنهي، والاستفهام الإنكاري والامتنان:
أ- في سياق النفي )وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ( [البقرة: 255].
ب- في سياق الشرط: ومثالها قوله تعالى: )وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ( [التوبة: 6].
ج- في سياق النهي: ومثالها قوله تعالى: )وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا( [الإنسان: 24].
د- في سياق الاستفهام الإنكاري: ومثالها قوله تعالى: )هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا( [مريم: 65]، وقوله: )هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا( [مريم: 98].
هـ- في سياق الامتنان: ومثاله قوله تعالى: )وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا( [الفرقان: 48].
أما النكرة في سياق الإثبات فلا تعم إلا بقرينة.([20])
أقسام العام بحسب دلالته وتخصيصه([21]):
1. العام المراد به العموم. ويسمى هذا العام محفوظاً، أو باقياً على عمومه. ومن أمثلته قوله تعالى: )وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( [هود: 6]، وقوله: )إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( [يونس: 44].
2. العام المراد به الخصوص، وذلك بقيام الدليل أو القرينة -كالسياق وسبب النزول وقرائن الأموال- على أن المراد بهذا العام بعض أفراده، قال تعالى: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ( [آل عمران: 173]، والقائل واحد هو نعيم بن مسعود، أو أعرابي من خزاعة. وقال تعالى: )أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا( [النساء: 54]، والمراد بالناس رسول الله r.([22])
3. العام المخصوص: قال السيوطي([23]): وأما المخصوص فأمثلته كثيرة جداً، وهي أكثر من المنسوخ، إذ ما من عام إلا وقد خص. قال تعالى: )وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ( [البقرة: 222]، وقال: )وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( [القصص: 88].
النوع الرابع: الظاهر بدليل، مثل الأمر بصيغة الخبر.([24])
- من الظاهر الأوامر والنواهي والأصل فيها أن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، وقد قال الزركشي نقلاً عن القشيري قوله: (ومن الظواهر مطلق صيغ الأمر فإن ظاهره الوجوب ومنه صيغ العموم وفحوى الخطاب لا يدخله التخصيص والتأويل لأنه نص قال والظهور قد يقع في الأسماء وفي الأفعال والحروف مثل إلى فإنه ظاهر في التحديد والغاية مؤول في الحمل على الجمع).([25])
3.حكم الحمل على الظاهر:
يجب المصير إليه، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى الاحتمال المرجوح، وهذا ما يسمى بالتأويل.([26])
وقال الزركشي([27]) في كتابه البرهان: وكل لفظ احتمل معنيين تصاعداً فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه. وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان: أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه.
الثاني: أن يكونا جليين والاستعمال فيهما حقيقة؛ وهذا على ضربين:
أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما، فيدور اللفظ بين معنيين، هو في أحدهما حقيقة لغوية، وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينته على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى: )وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( [التوبة: 103]، وكذلك إذا دار اللفظ بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة، ولو دار بين الشرعية والعرفية، فالشرعية أولى لأن الشرع ألزم.
الضرب الثاني: لا تختلف أصل الحقيقة، بل كلا المعنيين استعمل فيهما، في اللغة أو في الشرع أو العرف على حد سواء. وهذا أيضاً على ضربين: أحدهما: أن يتنافيا اجتماعاً، ولا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء حقيقة في الحيض والطهر، فعلى المجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه.
الضرب الثاني: ألا يتنافيا اجتماعاً، فيجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، وأحفظ في حق المكلَّف، إلا أن يدل دليل على إرادة أحدهما، وهذا أيضاً ضربان: أحدهما: أن تكون دلالته مقتضية لبطلان المعنى الآخر، فيتعين المدلول عليه للإرادة.
الثاني: ألا يقتضي بطلانه؛ وهذا اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: يثبت حكم المدلول عليه ويكون مراداً، ولايحكم بسقوط المعنى الآخر، بل يجوز أن يكون مراداً أيضاً، وإن يدل عليه دليل خارج، لأن موجب اللفظ عليهما، فاستويا في حكمه، وإن ترجح أحدهما بدليل من خارج، ومنهم من قال: ماترجح بدليل من خارج أثبت حكماً من الآخر لقوته بمظاهرة الدليل الآخر.
ثم قال الزركشي: الظاهر دليل شرعي يجب إتباعه والعمل به، بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ وهو ضروري في الشرع كالعمل بأخبار الآحاد وإلا لتعطلت غالب الأحكام فإن النصوص معوزة جداً كما أن الأخبار المتواترة قليلة جداً.([28])
وبهذا يتبين أن إعمال النصوص على ظواهرها هو الأصل، ولا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا لدليل صحيح من كتاب أو سنة، لأن تأويل الظواهر بلا دليل إلغاء لإرادة الشارع من اللفظ، واستبدالها بإرادة المؤول، وهو لايجوز إطلاقاً.
ونلاحظ هذه المسألة مما يأتي:
1. أن هذه المسألة من أهم المسائل، لتعلقها بباب الاعتقاد، وذلك لأن كثيراً من المؤولة قد ادعوا أن ظواهر نصوص الصفات دالة على معانٍ لا تليق بالله تعالى، فهي -عندهم- دالة على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فأوجبوا فيها التأويل، وسبب هذا القول ظنهم أن ظاهر لفظ الصفة التي امتدح الله بها نفسه يدل على مشابهة صفة الخلق، فنفوا الصفة -التي ظنوا أنها لا تليق- قصداً منهم لتنزيه الله، وأوّلوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم. والصحيح أن ظواهر نصوص الصفات دالة على مخالفة صفات الله تعالى لصفات خلقه، إذ الظاهر المتبادَرُ مخالفةُ الخالقِ للمخلوق، في الذات والصفات والأفعال، فكل لفظ دل على صفة الخالق، فإن ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقاً بالخالق منزهاً عن مشابهة صفات المخلوق.
2. إن بعض الأصوليين حصر العمل بالظاهر فيما لا يحتاج إلى دليل قطعي، فقال: (الظاهر حيث لا يُطْلَبُ العلم؛ معمول به، والمكلَّف محمول على الجريان على ظاهره في عمله)، ولعلهم أرادوا بذلك عدم جواز الاستدلال به في مسائل منها مسائل الاعتقاد، ولا شك أن الصحيح في هذه المسألة الاستدلال بظواهر نصوص الكتاب والسنة في مسائل الاعتقاد، لأن الظاهر هو الأصل، ولم يرد عن السلف أنهم رفضوا العمل بظواهر النصوص في باب الاعتقاد، بل الوارد عنهم إعمال تلك الظواهر والاستدلال بها على مسائل العقيدة، فقد أثبت العلماء ما دل عليه ظاهر آيات الصفات من علو الله تعالى واستوائه تعالى على عرشه... بما يليق بجلاله تعالى، لا كما يتوهمه أهل التأويل من مشابهته للمخلوقين.
وأخيراً فإن العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد والانقياد. ولا يخفى على أولي الألباب والأخيار من الأمة أهمية الاحتياط لأمر دينهم، كأشد ما يحتاط المرء لأمر دنياه.([29])

الفصل الثاني: تطبيقات الحمل على الظاهر في تفسير الطبري .
لقد تميز تفسير الطبري رحمة الله عليه بمزايا عديدة، ومن ذلك حمله على الظاهر مالم يرد ما يصرف عنه من المرجحات المتنوعة حسب القواعد الترجيحية عند المفسرين، وقد انتقيت في هذا الفصل أمثلة متنوعة مما قد أعمل فيها الطبري الظاهر أولم يعمله لصارف، مما يوضح هذا الموضوع ويظهر منهجية هذا المفسر الجليلة، وقد نص على ذلك في مقدمته (فالواجب أن تكون معاني كتاب الله الـمُنزلِ على نبينا محمد صلى الله عيه وسلم، لمعاني كلام العرب مُوافقة، وظاهرهُ لظاهر كلامها ملائماً، وإن باينهُ كتاب الله بالفضيلة التي فضل بها سائر الكلام والبيان بما قد تقدم وصفنا. فإذ كان ذلك كذلك؛ فبيِّنٌ – إذا كان موجوداً في كلام العرب الإيجاز والاختصار، والاجتزاء بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار، في بعض الأحوال، واستعمال الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار، وإظهار المعاني بالأسماء دون الكناية عنها، والإسرار في بعض الأوقات، والخبر عن الخاص في المراد بالعام الظاهر، وعن العام في المراد بالخاص الظاهر، وعن الكناية والمراد منه المصرح، وعن الصفة والمراد الموصوف، وعن الموصوف والمراد الصفة، وتقديم ماهو في المعنى مؤخر، وتأخير ما هو في المعنى مقدم، والاكتفاء ببعض من بعض، وبما يظهر عما يحذف، وإظهار ما حظُّهُ الحذفُ- أن يكون ما في كتاب الله الـمُنزلِ على نبيه محمد صلى الله عيه وسلم من ذلك في كل ذلك له نظيراً، وله مثلاً وشبيهاً.
ونحن مُبينوا جميع ذلك في أماكنه إن شاء الله ذلك، وأيُدُّ منه بعون وقوة).([30])
القسم الأول: قواعد ترجيحية انتهجها الإمام الطبري في الحمل على الظاهر:

· المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب:
1. يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والمنكر.
ü قال الله تعالى: )حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ( [هود: 40].([31])
ذكر عدة أقوال لقوله تعالى )وَفَارَ التَّنُّورُ(: 1- انبجس الماء من وجه الأرض، وفار التنور، وهو وجه الأرض. 2- نوّر الصبح تنويراً. 3- وفار على الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء. وقال التنور: أشرف الأرض. 4- هو التنور الذي يختبز فيه.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى هذه الأقوال عندنا هو التنور الذي يخبز فيه؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، وذلك أنه إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى ما خاطبهم به).
üقال الله تعالى: )وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ( [فصلت: 22].([32])
)وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ(: ذكر عدة أقوال في معناها: أي تستخفون منها، تتقون، تظنون.
وجه الدلالة: قوله:(معنى ذلك: وماكنتم تستخفون، فَتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذراً أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم؛ وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء) فهنا حمل على المعروف من كلام العرب وهو الظاهر في معنى الاستتار دون غيره .
ü قال الله تعالى: )يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ _ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ( [الواقعة: 17-18].([33])
ذكر عدة أقوال: 1- ولدان على سن واحدة، لايتغيرون ولا يموتون. 2- مقرّطون مسوّرون.
وجه الدلالة: قوله: (والذي هو أولى بالصواب في ذلك قول من قال معناه: إنهم لايتغيرون، ولا يموتون لأن ذلك أظهر معانيه، والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد، وإنما هو مفعل من الخلد).
2. يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة.
ü قال الله تعالى: )ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( [البقرة: 29].([34])
ذكر عدة أقوال للاستواء: أقبل عليها، استوت، عمد لها، العلو والارتفاع، الاستيلاء والاحتواء.
وجه الدلالة: قال: (والعجب ممن أنكر المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله )ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ( الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هرباً عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها- إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم ينج مما هرب منه! فيقال له: زعمت أن تأويل قوله )اسْتَوَىٰ( أقبلَ، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقُل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في الآخر مثله. ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل في ذلك قولاً لقول أهل الحق فيه مخالفاً. ولبينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على مافيه له الكفاية إن شاء الله). وفي هذا رد لأهل التعطيل.
üقال الله تعالى: )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ( [الفاتحة: 7].([35])
ذُكرت عدة أقوال لمعنى الغضب لله ، وكلها تدور حول الاثبات كما ذهب إليه السلف والتعيطل والنفي خوفا من مشابهت المخلوق زعموا ، والصحيح ثبوت صفة الغضب الله كثبوت صفة العلم، والقدرة وغيرها؛ ثبوت يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وجه الدلالة: قوله: (واختُلف في صفة الغضب من الله جل ذكره. فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، اِحلالُ عقوبته بمن غَضِب عليه، إما في دنياه، وإما في آخرته. وقال بعضهم ذمٌ منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول، وقال بعضهم: الغضب منه مفهوم، كالذي يُعرف من معاني الغضب، غير أنه -وإن كان كذلَك من جهة الإثبات- فمخالف معناه معنى مايكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على مايعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وعدمها)؛ وهو بهذا تجنب زلل أهل التأويل أو التعطيل والتشبيه.
üقال الله تعالى: )بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ( [المائدة: 64].([36])
قال أبو جعفر: (واختلف أهل الجدل في تأويل قوله )بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ( فقال بعضهم: عنى بذلك: نعمتاه. وقال: ذلك بمعنى: يد الله على خلقه وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول: (لك عندي يد) يعنون بذلك: نعمة. وقال آخرون: عني بذلك القوة. وقال آخرون: بل (يده) ملكه وخزائنه).
وجه الدلالة: قوله: (وقال آخرون منهم: بل (يد الله) صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم. ثم قال: قالوا: ففي قول الله تعالى )بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(، مع إعلامه عباده أن نعمه لاتحصى مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ من قال معنى اليد في هذا الموضع النعمة، وصحة قول من قال: أن (يد الله) هي له صفة. قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عيه وسلم. وقال به العلماء وأهل التأول).
3. إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت الشرعية.
üقال الله تعالى: )الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( [فصلت: 7].([37])
ذكر عدة أقوال؛ منها: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم، ولا يوحدونه. وقال آخرون: الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها.
وجه الدلالة: قوله: (والصواب من القول في ذلك ماقاله الذين قالوا: معناه: لايؤدون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن قوله في: )وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( دليلاً على أن ذلك لذلك، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لايشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله )الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ( مراداً به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: )وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( معنى). فهنا قدم الظاهر الشرعي.
üقال الله تعالى: )وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ( [النساء: 23].([38])
ذكر عدة أقوال في المراد بالدخول: النكاح أو التجريد.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى القولين عندي بالصواب.. معنى الدخول الجماع والنكاح. لأن ذلك لايخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارف من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع، وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرم عليه ابنتها إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها.. ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع، وإن ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه).
ü قال الله تعالى: )وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ( [النساء: 102].([39])
وجه الدلالة: ثم قال بعد ذكر الأقوال فيها: فإن ظن ظان أنه أريد بقوله )لَمْ يُصَلُّوا( لم يسجدوا، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوهها، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له.
وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية أمر من الله تعالى ذكرهُ للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدو في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك، وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة، فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عيه وسلم أنه صلاها، فصلاته مجزئة عنه تامة، لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله صلى الله عيه وسلم.
4. القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير.
ü قال الله تعالى: )الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ( [السجدة: 7].([40])
وجه الدلالة: قوله: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: )الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ( [السجدة: 7]، بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك وإذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لايشك في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كل ما خلق، ولكن معناه: أنه أحكمه وأتقن صنعه، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كل شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: )قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ( [طه: 50]، لأن ذلك أظهر معانيه: وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى الذي أحسن خلق كل شيء، فإنه جعل الخلق نصباً بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كل شيء خلقاً منه، وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير). وهو هنا أعمل الظاهر الذي فيه تقديم للترتيب على التقديم والتأخير.
5. إذا دار الكلام في بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى.
üقال الله تعالى: )بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ( [القلم: 6].([41])
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله بأيكم المجنون، كأنه وجّه معنى الباء في قوله (بأيكم) إلى معنى في. وإذا وجهت الباء إلى معنى في كان تأويل الكلام: ويبصرون في أي الفريقين المجنون في فريقك يامحمد أو فريقهم، ويكون المجنون اسماً مرفوعاً بالايتداء.
وقال آخرون: بل تأويل ذلك: بأيكم الجنون، وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو المفتون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود: أي بمعنى ليس له عقل ولا عقد رأي فكذلك وضع المفتون موضع الفُتُون. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيكم أولى بالشيطان؛ فالباء على قول هؤلاء زيادة دخولها وخروجها سواء. واختلف أهل العربية في ذلك نحو اختلاف أهل التأويل، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: فستبصر ويبصرون أيكم المفتون. وقال بعض نحويي الكوفة: بأيكم المفتون هاهنا، بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفُتُون.. وهو حينئذ اسم ليس بمصدر.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: بأيكم الجنون، ووجه المفتون إلى الفتون بمعنى المصدر، لأن ذلك أظهر معاني الكلام، إذا لم ينو إسقاط الباء، وجعلنا لدخولها وجهاً مفهوماً؛ وقد بينا أنه غير جائز أن يكون في القرآن شيء لامعنى له).
- وحمله هنا على الظاهر أثمر فائدة جليلة وهو أنه لا زائد في القرآن، والأصل أن لكل شيء معنى وغاية من ذكره.
6. القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية.
üقال الله تعالى: )أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ( [المؤمنون: 61].[42]) )
ذكر عدة أقوال: 1- أن معناه سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها. 2- وهم إليها سابقون. 3- وهم من أجلها سابقون.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس --، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام، لأن ذلك أظهر معنييه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللام التي في قوله )لَهَا سَابِقُونَ( إلى غير معناها الأغلب عليها).
7. يجب حمل نصوص الوحي على العموم إلا مادل الدليل على تخصيصه.
üقال الله تعالى: )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ( [البقرة: 197]([43])
قال: (والرفث في كلام العرب: أصله الإفحاش في المنطق على ماقد بينا فيما مضى، ثم تستعمله في الكناية عن الجماع فإذا كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين في تأويله، وفي هذا النهي من الله عن بعض معاني (الرفث) أم عن جميع معانيه؟ وجب أن يكون على جميع معانيه، إذ لم يأت خبر، بخصوص (الرفث) الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني (الرفث)، يجب التسليم له، إذا كان غير جائز فقل حكم ظاهر تأويل آية إلى تأويل باطن إلا بحجة ثابتة؛ فإن قال قائل: إن حكمها من عموم ظاهرها إلى الباطن من تأويلها، فنقول بإجماع، وذلك أن الجميع لاخلاف بينهم في أن الرفث عند غير النساء غير محظور على محرم، فكان معلوماً بذلك أن الآية معني بها بعض الرفث دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن لا يحرم من معاني الرفث على المحرم شيء إلا ماأجمع على تحريمه عليه، أو قامت بتحريمه حجة يجب التسليم لها.
قيل: أن ما خص من الآية فأبيح، خارج من التحريم، والحظر ثابت لجميع مالم تخصصه الحجة من معنى الرفث بالآية، كالذي كان عليه حكمه لو لم يخص منه شيء، لأن ماخص من ذلك وأخرج من عمومه إنما لزمنا إخراج حكمه من الحظر بأمر من لا يجوز خلاف أمره، فكان حكم ما شمله معنى الآية -بعد الذي خص منها- على الحكم الذي كان يلزم العباد فرضه بها لو لم يخصص منها شيء، لأن العلة فيما لم يخصص منها بعد الذي خص منها، نظير العلة فيه قبل أن يخص منها شيء).
8. يجب الحمل على ألفاظ العموم الظاهرة في الاستغراق مالم يرد مخصص لها.
üقال الله تعالى: )حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ( [المائدة: 3].([44])
قال: (الميتة: كل ماله نفس سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها، أهليها ووحشيها، فارقتها روحها بغير تذكية، وإما الدم فإنه الدم المسفوح، دون ما كان غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال: )قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ( [الأنعام: 145]، فأما ماكان قد صار في معنى اللحم كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح فإن ذلك غير حرام، لإجماع الجميع على ذلك).
وجه الدلالة: قوله: (فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره جميعه حرام، لم يخصص منه شيء. وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بذلك).
9. الأصل في الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم.
ü قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 183].
وجه الدلالة: قوله: (ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر مضيع بتركه فرضاً لله عليه..... وصيغة هذا الأمر هو الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين، فكان مفيداً للفرضية والوجوب).([45]) وقد رجح الطبري هنا حمل كتب على الوجوب دون الندب ترجيحاً للظاهر على المحتمل.
ونظير ذلك في النواهي كقوله تعالى: )وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ( [البقرة: 188]، )وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ( [النساء: 29]، )وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ( [الحجرات: 11]، )لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ( [الحجرات: 11]، )وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا( [الحجرات: 12]، )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا( [الأحزاب: 36].
كل هذه النواهي جاءت على سبيل التحريم، كما هو ظاهرها. فهي حقيقة في التحريم ظاهرة فيه، واحتمال في الكراهة؛ فلذلك رُجِّح حملها على التحريم من ترجيح الظاهر على المحتمل.
10. جواز الإضمار في الحكاية بمحذوف دل عليه الظاهر.
üقال الله تعالى: )وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ( [النساء: 171].
وجه الدلالة: قال: (ورفعت الثلاثة بمحذوف دلّ عليه الظاهر، وهو (هم). ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة. وإنما جاز ذلك، لأن القول (حكاية)، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، ومنه قول الله )سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ( [الكهف: 22]، وكذلك كل ماورد مرفوع بعد (القول) لا رافع معه، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم).([46])
11. غير جائز حمل كلام الله على الشواذ من الكلام، وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود.
ü قال الله تعالى: )فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ( [البقرة: 229].([47])
قال أبو جعفر: (وقد زعم بعض أهل العربية أن في ذلك وجهين: أحدهما أن يكون مراداً به: فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة، وإن كان قد ذكرا جميعاً كما قال في سورة الرحمن )يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ( [الرحمن: 22]، وهما من الملح لا من العذب، قال: ومثله )فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا( [الكهف: 61]، وإنما الناسي صاحب موسى وحده. قال: ومثله في الكلام أن تقول: عندي دابتان اركبهما واستقي عليهما، وإنما تركب إحداهما، وتستقي على الأخرى. وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام. قالوا: والوجه الآخر أن يشتركا جميعاً في أن لا يكون عليها جناح، إذا كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم. اشتركت فيه، لأنها إذا عطت ما يطرح فيه المأثم، احتاجت إلى مثل ذلك).
وجه الدلالة: قوله: (فلم يصب الصواب في واحد من الوجهين، ولا في احتجاجه فيما احتج به من قوله: )يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ( [الرحمن: 22]، فأما قوله: )فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا( فقد بينا وجه صوابه، لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الحرج عن الزوجين إذا افتدت المرأة من زوجها على ما أذن، وأخبر عن البحرين أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، فأضاف إلى اثنين. فلو جاز لقائل أن يقول: (إنما أريد به الخبر عن أحدهما، فيما لم يكن مستحيلاً أن يكون عنهما، جاز في كل خبر كان عن اثنين -غير مستحيلة صحته أن يكون عنهما- أن يُقال: (إنما هو خبر عن أحدهما)، وذلك قلب المفهوم من كلام الناس والمعروف من استعمالهم في مخاطباتهم، وغير جائز حمل كتاب الله ووحيه على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود).
12. توجيه معاني كتاب الله عزوجل إلى الظاهر المستعمل في الناس أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال.
üقال الله تعالى: )تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ( [آل عمران: 27]. ([48])
الأقوال: أنه يخرج الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي، أنه يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والسنبل من الحب، والحب من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض،
أنه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب تأويل من قال: يخرج الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الميتة، وذلك إخراج الحي من الميت.. وأما تأويل من تأوله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فإن ذلك له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال).
13. التأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم.
üقال الله تعالى: )إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( [آل عمران: 28]. (([49]
ذكر في معانيه عدة معان: ألا أن تكونوا في سلطانهم فتخافونهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم.
وقال آخرون منهم قتادة: )إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( إلا أن يكون بينك وبينه قرابة.
وجه الدلالة: قوله:(وهذا الذي قاله قتادة تأويل له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة، فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافة. فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم. ووجّهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. وليس ذلك الغالب على معنى الكلام. والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم).
14. تقديم الظاهر المعنوي دون اللغوي.
ü قال الله تعالى: )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ([الجاثية: 23].([50])
- ذكر عدة أقوال في تفسيرها منها: الكافر الذي اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان.
- أنه الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه لا يخاف الله.
- من اتخذ معبوده ماهويت عبادته نفسه من شيء.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ مبعوده هواه، فيعبد ماهوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء، لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره).
15. لا يجوز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.
üقال الله تعالى: )وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ( [البقرة: 45]. ([51])
وجه الدلالة: قوله: ((وَإِنَّهَا): إن الصلاة، فـالهاء والألف في (وَإِنَّهَا) عائدتان على الصلاة، وقد قال بعضهم: إن قوله: (وَإِنَّهَا) بمعنى: إن إجابة محمد ، ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل (الهاء والألف) كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته).
16. إجراء العرب في منطقها ببعض من بعض، إذا كان البعض الظاهر دالاً على البعض الباطن وكافياً منه.([52])
ü قال الله تعالى: )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( [الفاتحة: 7].([53])
وجه الدلالة: قوله: (وفي هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها. أولا يسمعونه يقول: )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( فأضاف كل ما كان منهم من ماهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟
فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر، وقد علمت أن قول القائل لآخر: أنعمت عليك، مُقتضٍ الخبر عمَّا أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله: )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟
قيل له: قد قدمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالاً على البعض الباطن وكافياً منه، فقوله: )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( من ذلك؛ لأن أمر الله جل ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم لما كان متقدماً قوله)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(، الذي هو إبانة عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه - كان معلوماً أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم، هو المنهاج القويم والصراط المستقيم، -الذي قدمنا البيان عن تأويله آنفاً-، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك- مع قرب تجاور الكلمتين مغنياً عن تكراره).
· المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات:
1. تقديم الظاهر من خلال قاعدة (اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه).
ü قال الله تعالى: )أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ( [غافر: 26].([54])
قال: (واختلف القراء في قراءة قوله: (وأن يظهر في الأرض الفساد) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والشام والبصرة: (و أن يُظْهر في الأرضِ الفساد) بغير ألف. وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (أو أن) بالألف، وكذلَك ذلك في مصاحفهم (يَظْهَر في الأرضِ) بفتح الباء ورفع الفساد).
وجه الدلالة: قوله: (والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، وذلَك أن الفساد إذا أظهره مظهراً كان ظاهرا، وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر، ففي القراءة بإحدى القراءتين في ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى.
وأما القراءة في (أو أن يُظهر) بالألف وبحذفها، فإنهما أيضاً متقاربتان المعنى، وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدل إليه الأول هو الظاهر دون المبدل، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدل دينهم بالواو أو بأو، لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين، فتأويل الكلام: إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في أرضكم -أرض مصر- عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد)؛ وهو بهذا يوجه القراءتين بتوجيه سديد ويجمع بينهما جمعاً مناسباً بإعماله للظاهر.
2. تقديم القراءة التي يؤيدها ظاهر القرآن وتؤيدها الأخبار عن رسول الله .
ü قال الله تعالى: )وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ([البقرة: 240].([55])
وجه الدلالة: ذكر القراءات في الآية ثم قال:(وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعاً، لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفي عنها زوجها في بيت زوجها المتوفي حولاً كاملاً كان حقاً لها قبل نزول قوله )وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا( [البقرة: 234]، وقبل نزول آية الميراث، ولتظاهر الأخبار عن رسول الله بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو يوصوا لهن به).
3. إذا اختلفت القراءات في الألفاظ واتفقت في المعاني، قدم ماكان أظهر وأشهر في قراءة أمصار الإسلام.
üقال الله تعالى: )وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا( [النساء: 5].) [56])
اختلفت القراءة في قياماً، فقرأ بعضهم (قيماً) بكسر القاف وفتح الباء [وهي قراءة نافع وابن عامر] بغير ألف. وقرأه أخرون (قِياماً) بألف [وهي قراءة باقي السبعة]([57])
وجه الدلالة: رجح القراءة بالألف لأنها الأظهر والأشهر مع أن جميعها سبعية وقال: (والقراءة التي نختارها: (قياماً) بالألف، لأنها القراءة المعروفة في قراءة أمصار الإسلام، وإن كانت الأخرى غير خطأ ولا فاسد، وإنما اخترنا ما اخترنا من ذلك، لأن القراءات إذا اختلفت في الألفاظ واتفقت في المعاني، فأعجبها إلينا ماكان أظهر وأشهر في قراءة أمصار الإسلام).
4. إذا أمكن القول بمقتضى القراءات جميعها فهو أولى.
ü قال الله تعالى: )أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ( [القلم: 14].([58])
قال: (اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أن كان) فقرأ ذلك أبوجعفر المدني وحمزة (أأن كان ذا مالٍ) بالاستفهام بهمزتين، وتتوجه قراءة من قرأ ذلك كذلِك إلى وجهين: أحدهما: أن يكون مراداً به تقريع هذا الحلاف المهين، فقيل: ألأن كان هذا الحلاف المهين ذا مال وبنين )إِذَاتُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(وهذا أظهر وجهيه: والآخر أن يكون مراداً به: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، على وجه التوبيخ لمن لمن أطاعه، وقرأ ذلك بعد سائر قراء المدينة والكوفة والبصرة (أن كان ذا مالٍ) على وجه الخبر بغير استفهام بهمزة واحدة، ومعناه كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذا مال وبنين).
وجه الدلالة: أثبت القرائتين وذكر أن القراءة الأولى لها وجهان، و قدم الأولى لأنها أظهر؛ ومن المعلوم أنه إذا تعددت القراءات المتواترة في اللفظة، مع اختلاف المعنى في كل قراءة مع إمكان الحمل على الجميع، فإنها تحمل على كل المعاني التي نتجت عن اختلاف القراءات.
5. إثبات معنى القراءتين أولى من رد إحداهما وفيه زيادة معنى.
üقال الله تعالى: )وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ( [البقرة:51].([59])
ذكر فيها قراءتين واعدنا-وعدنا. فقال: اختلفتِ القُراءُ في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم: )وَاعَدْنَا( بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته، فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة )وَاعَدْنَا( على (وَاعَدَنَا) أن قالوا: كُلُّ إتعادٍ كان بين اثنين للالتقاء أو للاجتماع، فكل واحدٍ منهما مواعدٌ صاحبة ذلك، فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: )وَاعَدْنَا( بالاختيار على قراءة من قرأ (وَاعَدَنَا).
وقرأ بعضهم: (وَعَدْنَا) بمعنى أن الله الواعد موسى، والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك، أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جلَّ ثناؤه: )إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ( وقال: )وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ( قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله: (وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى).
وجه الدلالة: قوله: (والصواب عندنا في ذلك من القول، أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القُرَّاء، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان، وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان راضياً مجيباً صاحبه إلى ما وعده مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إيَّاهُ من ذلك عن اتفاقٍ منهما عليه).
· المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني:
1. إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له.
ü قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ([المزمل: 1].( ([60] قال: (اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به نبيه في هذه الآية من التزمل، فقال بعضهم: وصفه بأنه متزمل في ثيابه، متأهب للصلاة، وقال آخرون: وصفه بأنه متزمل النبوة والرسالة).
وجه الدلالة: قوله: (والذي هو أولى القولين بتأويل ذلك، ما قاله قتادة؛ لأنه قد عقبه بقوله:)قُمِ اللَّيْلَ(، فكان ذلك بياناً عن أن وصفه بالتزمل بالثياب للصلاة، وأن ذلك هو أظهر معنييه).
2. كل تفسير ليس مأخوذاً من دلالة الألفاظ وسياقها فهو رد على قائله.
ü قال الله تعالى: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا( [النساء: 49].([61])
قال: (واختلف أهل التأويل في المعنى الذي كانت اليهود تزكي به أنفُسها، فقال بعضهم: كانت تزكيتهم أنفسهم قولهم: )نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ(..وقال آخرون: بل كانت تزكيتهم أنفسهم تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في صلاتهم زعماً منها أنهم لا ذنوب لهم).
وجه الدلالة: قوله: (وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى (تزكية القوم) الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم، وصفهم إياها بأنها لاذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، لأن ذلك هو أظهر معانيه، لإخبار الله عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرهم. وأما الذين قالوا: معنى ذلك: تقديم أطفالهم للصلاة، فتأويل لاتدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم).
3. حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها والاستغناء بدلالة الظاهر عليه.
ü قال الله تعالى: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( [الفاتحة: 2].([62])
وجه الدلالة: قوله: (قد دللنا فيما مضى على أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة ولم تشُك أن سامعها يُعرِفُ بما أظهرت من منطقها ما حذفت حُذِفَ ما كفى منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت قولاً أو بتأويل قول.. فكذلِكَ ما حُذِف من قول الله تعالى ذكره: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( لما علم بقوله جلَّ وعزَّ: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ( ما أراد بقوله: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( من معنى أمره عباده، أعنت دلالة ما ظهر عليه من القول عن إبداء مَا حُذِفَ).. ققال لهم: قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ فقوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ( مما علمهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بمعناه. وذلك موصول بقوله )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( وكأنه قال: قولوا هذا وهذا).
· المبحث الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة:
1. إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ماخالفه.
ü قال الله تعالى: ) تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( [السجدة: 16].([63])
اختلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جل ثناؤه، أن جنوبهم تتجافى لها عن المضجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال آخرون: صلاة المغرب. وقال آخرون: لانتظار صلاة العتمة. وقال آخرون: عني بها قيام الليل وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله.
وجه الدلالة: قوله: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلاً منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفاً وطمعاً، وذلك نبو جنوبهم عن المضاجع ليلاً، لأن المعروف من وصف الواصف رجلاً بأن جنبه نبأ عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار. فإن توجيه الكلام إلى أنه معني به الليل أعجب إليّ، لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله ألا أدلك على أبواب الخير "الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل([64]) وتلا هذه الآية: )تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( [السجدة: 16]"). وهو هنا أعمل الظاهر الموافق للحديث.
· المبحث الخامس: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار.
1. تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم.
üقال الله تعالى: )وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ( [المدثر: 4].)[65]) ذكر عدة أقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة، ومن الإثم عن ابن عباس وعكرمة وزكريا، وكانت تقول العرب: طهر ثيابك: أي من الذنوب.
معناه: لاتلبس ثيابك من مكسب غير طيب، معناه: اصلح عملك، وقال آخرون: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة وهو قول ابن سيرين وابن زيد.
وجه الدلالة: قوله: (وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس وعكرمة وزكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُني به جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك.
فهنا ذكر المعنيين ولم يرجح لقوة دلالة الظاهر اللغوي وبالنسبة للمعنى الآخر قوة حجية قول أكثر السلف عليه وإذا كان اللفظ يحمل عدة معان ولامانع من إرادة الجميع فإنه يحمل عليها والله أعلم.


القسم الثاني: قواعد ترجيحية انتهجها الإمام الطبري في الصرف عن الظاهر:
المبحث الأول: : قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة:

إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ماخالفه.
ü) أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ( [النساء: 43].([66])
ذكرقولين: أحدهما الجماع؛ والآخر: كل لمس بيدٍ كان أو بغيرها من أعضاء جسد الإنسان، وأوجبوا على من مس بشيء من جسده شيئاً من جسدها مفضياً إليه.
وجه الدلالة: قوله: (وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله بقوله: )أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ( الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ).([67])
ü )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ( [المائدة: 38].([68])
قال: (اختلفوا في السارق فقال بعضهم: عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعداً، وقال آخرون: سارق ربع دينار أوقيمته، وقال آخرون: سارق عشرة دراهم فصاعداً، وقال آخرون: سارق القليل والكثير: واحتجوا بأن الآية على الظاهر، وأن ليس لأحد أن يخص منها شيئاً بحجة يجب التسليم لها. وقالوا لم يصح عن رسول الله خبر بأن ذلك في خاص من السراق. قالوا: والأخبار فيما قطع فيه رسول الله مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أتي بسارق درهم فخلّى عنه).
قال أبو جعفر: (والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال: الآية معني بها خاص من السرّاق وهم سراق ربع دينار فصاعداً أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله فيه في أنه قال: القطع في ربع دينار فصاعداً).([69])
وجه الدلالة: أن الطبري لم يحمل على الظاهر في هذا الموضع لثبوت الحديث على خلافه.
· المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار.

تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم.
ü ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ( [يوسف:49].([70])
ذكر القول الراجح وهو أنهم يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك؛ ثم قال: وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يُفسِّر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يُوجِّه معنى قوله: )وَفِيهِ يَعْصِرُونَ( إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العَصرِ، والعَصرُ التي بمعنى المنجاةِ، من قول أبي زُبيدٍ الطائيِّ:
صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... ولَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِ
وجه الدلالة: قوله:(وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافهُ قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين) وهنا قدم تفسير السلف ولم يحمل على الظاهر .




الخاتمة
نتائج البحث
1. الظاهر من المسائل المشتركة بين الأصوليين وعلماء علوم القرآن.
2. لم يتعرض الأصوليون ولا علماء علوم القرآن إلى هذه المسألة كثيراً، بل كان تعرضهم لها يسيراً رغم بالغ أهميتها حسب ما وجدته من تطبيقاتها.
3. للظاهر تقسيمات ثلاث.
4. يجب الحمل على الظاهر؛ ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل أقوى منه.
5. لهذه المسألة أهمية بالغة لتعلقها بباب الاعتقاد؛ وذلك أن كثير من المؤولة ادعوا أن ظواهر نصوص الصفات دالة على معان لا تليق بالله.
6. حمل على الظاهر الطبري -- في تفسيره في مواضع كثيرة جداً.
7. عدل -- عن الحمل على الظاهر في مواضع وجد فيها دليل على خلافه.
8. منهجية الطبري في الحمل على الظاهر أو العدول عنه أفادت موافقته لقواعد الترجيح التفسيرية.
9. منهجية الطبري في هذه المسألة أفادت عدة أمور مهمة منها: إثبات ماوافق مقاصد التنزيل وظاهر التلاوة، أن لا زائد في القرآن الكريم، الأصل القول بالإحكام دون النسخ، إثبات القراءة أولى من ردها، إثبات ما دل عليه الأثر وإن خالف الظاهر.
10. منهجية الطبري في تفسيره تدل على عظيم علمه ومكانته وسلامة منهجيته وطريقته --.
11. أسبقية الطبري في تقرير القواعد الترجيحية في التفسير ويظهر ذلك جلياً من خلال النصوص التي ذكرت من أقواله في البحث.
12. أن الحمل على الظاهر في الغالب عمل بالقواعد الترجيحية في التفسير.
13. أن العدول عن الظاهر لا يكون إلا بدلالة قوية صارفة عنه، والغالب هو إعمال الظاهر.
14. القرآن الكريم هو أفصح الكلام وهو كلام رب العالمين، والحمل على ظاهره هو الأصل ما لم يصرف عن ذلك الظاهر صارف أقوى منه.
هذا والله سبحانه أعلم وأسأله تعالى التوفيق والسداد والقبول.


الفهرس



إ

إثبات معنى القراءتين أولى من رد أحدهما وفيه زيادة معنى............... 28
إجراء العرب في منطقها ببعض من بعض، إذا كان البعض الظاهر دالاً على البعض الباطن وكافياً منه.() 26
إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له. 29
إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت الشرعية. 19
إذا اختلفت القراءات في الألفاظ واتفقت في المعاني، قدم ماكان أظهر وأشهر في قراءة أمصار الإسلام. 27
إذا أمكن القول بمقتضى القراءات جميعها فهو أولى.................... 28
إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ماخالفه. 4, 30, 31
إذا دار الكلام في بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى....... 20
ا

الأصل في الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم.............. 23
التأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم. 25
الخاتمة.................................... ........................... 34
الفصل الأول: مفهوم الظاهر عند العلماء.................................. 5
الفصل الثاني: تطبيقات الحمل على الظاهر في تفسير الطبري .. 16
القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية...... 21
القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير....................... 20
المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب:.................... 16
المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني:.............. 29
المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات:..................... 26
المبحث الخامس: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار............. 4, 31, 32
المبحث الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة:................... 30, 31
المقدمة.................................... ............................ 2
ت

تعريف الظاهر:..................................... ..................... 6
تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم....... 4, 31, 32
تقديم الظاهر المعنوي دون اللغوي...................................... 25
تقديم الظاهر من خلال قاعدة (اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه).. 26
تقديم القراءة التي يؤيدها ظاهر القرآن وتؤيدها الأخبار عن رسول الله r. 27
تقسيمات الظاهر:..................................... .................. 8
تمهيد........................................ .......................... 5
توجيه معاني كتاب الله عزوجل إلى الظاهر المستعمل في الناس أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال. 24
ج

جواز الإضمار في الحكاية بمحذوف دل عليه الظاهر................... 23
ح

حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها والاستغناء بدلالة الظاهر عليه....... 30
حكم الحمل على الظاهر:..................................... ........ 14
غ

غير جائز حمل كلام الله على الشواذ من الكلام، وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود. 23
ك

كل تفسير ليس مأخوذاً من دلالة الألفاظ وسياقها فهو رد على قائله...... 29
ل

لا يجوز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.... 25
ن

نتائج البحث.................................................. ....... 34
ي

يجب الحمل على ألفاظ العموم الظاهرة في الاستغراق مالم يرد مخصص لها. 22
يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والمنكر.. 17
يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة................................ 17
يجب حمل نصوص الوحي على العموم إلا مادل الدليل على تخصيصه.... 21




[1])) الباجي، أبو الوليد. إحكام الفصول في أحكام الأصول. (ط.1). دار الغرب الإسلامي، 1407ھ، ص189-190.

[2])) المكي، محمد بن أحمد بن عقيلة. الزيادة والإحسان في علوم القرآن. (ط.1). جامعة الشارقة، 1427ھ، ج5، ص128-129.

[3])) الزركشي، بدر الدين محمد بن عبدالله. البرهان في علوم القرآن. تحقيق: محمد أبو الفضل. (د.ط). المكتبة العصرية، 1419ھ، ج2، ص148-152، ص 178.

([4]) السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين. الإتقان في علوم القرآن. (د.ط). بيروت: عالم الكتب، د.ت.، ج2، ص4.

([5])ابن منظور. لسان العرب. (ط.1). دار الفكر، 1410ھ، ج4، ص523. والمقري، أحمد بن محمد بن علي. المصباح المنير. (د.ط). مصر: المطبعة الأميرية بولاق، 1323ھ، ج1، ص459.

([6]) النسفي، أبوالبركات عبدالله بن أحمد. كشف الأسرار شرح المصنف على المنار في الأصول ومعه شرح نور الأنوار على المنار. (د.ط). مصر: بولاق، المطبعة الكبري الأميرية، 1316ھ، ج1، ص46.
محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر، أصول السرخسي، ت:الناشر دار المعرفة. بيروت ج 2 (1/163)؛ (تيسير التحرير محمد أمين المعروف بأمير بادشاه).

([7]) الحنبلي، القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين القراء البغدادي. العدة في أصول الفقه. تحقيق: أحمد مباركي. (ط.2). 1410ھ، ج1، ص140، وبن الحسن، أبوالخطاب الكلوذاني محفوظ بن أحمد. التمهيد في أصول الفقه. تحقيق: مفيد أبو عمشة ومحمد إبراهيم. (ط.1). دار المدني، 1406ھ، ج1، ص7؛ الإمام القرافي، تنقيح الفصول في علم الأصول، ص4.

([8]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق، ج1، ص415.

([9]) الغزالي، أبوحامد محمد. المستصفى من علم الأصول. (ط.2). لبنان: بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.، ج1، ص384.

([10]) ابن عثيمين، محمد بن صالح. الأصول من علم الأصول. (د.ط). دار ابن الجوزي، 1426ھ، ج1، ص49.

([11])المقدسي، عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه مع مذهب الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: عبدالكريم بن علي بن محمد النملة. (ط.3). الرياض: مكتبة الرشد, 1415ھ، ص156.

([12]) النسفي، أبوالبركات عبدالله بن أحمد. كشف الأسرار شرح المصنف على المنار في الأصول ومعه شرح نور الأنوار على المنار. (د.ط). مصر: بولاق، المطبعة الكبري الأميرية، 1316ھ، ج1، ص46.

([13]) الأنصاري، عبد العلي محمد نظام الدين الهندي. التحرير الجامع بين فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت. (ط.1). مصر: بولاق، المطبعة الأميرية، 1324ھ، ج2، ص19، وابن الهمام. التحرير وشرحه التيسير (التحرير الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية). (د.ط). بيروت: دار الكتب العلمية، 1403ھ، ج1، ص136-137.

(([14]أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي أبو علي، أصول الشاشي، دار الكتاب العربي، 1402هـ، بيروت، ج 1 ص1/72

(([15] الآمدي، أبو الحسن علي بن أبوعلي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام. (ط.1). مؤسسة النور، 1387ھ، ج3، ص52.

(([16] النملة، عبدالكريم. الشامل في حدود وتعريفات مصطلحات علم أصول الفقه. (ط.1). الرياض: مكتبة الرشد، 1430ھ، ص291 -293.

([17]) حسن، عثمان بن علي. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. (ط.6). الرياض: مكتبة الرشد، 1429ھ ، ص398-399.

[18])) الشنقيطي، محمد الأمين. مذكرة أصول الفقه. (ط.1). مكة: دار عالم الفوائد، 1426ھ،، ص272-274.

([19]) الزركشي، بدر الدين محمد. البحر المحيط في أصول الفقه. (د.ط.). لبنان: بيروت، دار الكتب العلمية، 1421ھ، ج3، ص26. والشنقيطي، مذكرة أصول الفقه، مرجع سابق، ص217.

([20]) الوهبي، فهد بن مبارك عبدالله. المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير. (د.ط). د.ت.، ص387-396.

([21]) الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، مرجع سابق، ج3، ص26.

([22]) ابن جرير، أبو جعفر محمد الطبري. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. (ط.1). دار هجر، د.ت.، ج3، ص532.

([23]) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مرجع سابق، ج2، ص17.

([24]) السبت، خالد. قواعد التفسير. (ط.1). دار ابن عفان، 1421ھ، ج2، ص673-676.

([25])الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، مرجع سابق، ج1، ص376.

([26]) أبو الخطاب، التمهيد في أصول الفقه. مرجع سابق، ج1، ص8، والشنقيطي، مذكرة أصول الفقه، مرجع سابق، ص275.

([27]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق، ج2، ص166-168.

([28]) الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، مرجع سابق، ج3، ص25.

([29]) الوهبي، المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير، مرجع سابق، ص307-309.

([30]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج1، ص12-13.

[31])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج12، ص403-407.

([32])المرجع السابق، ج20، ص409-411.

[33])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج22، ص294-295.

[34])) المرجع السابق، ج1، ص455-457.

([35])المرجع السابق، ج1، ص188.

[36])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج10، ص456.

[37])) المرجع السابق، ج20، ص380.

([38]) المرجع السابق، ج6 ص553-560.

([39]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج9، ص149-150.

([40]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج18، ص596-600.

( ([41]المرجع السابق، ج23، ص154-155.

( ([42]ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج17، ص72.

([43])ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج3، ص457-469.

([44])المرجع السابق، ج3، ص492.

([45]) المرجع السابق، ج3، ص381.

[46])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج9، ص423.

[47])) المرجع السابق، ج4، ص573.

[48])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج3، ص226.

[49])) المرجع السابق، ج5، ص319.

[50])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج21، ص93.

([51]) المرجع السابق، ج1، ص570.

([52]) إبدال البعض من بعض.

[53])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج1، ص179.

[54])) المرجع السابق، ج20، ص309.

([55])ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج1، ص179.

([56]) المرجع السابق، ج6، ص397-398.

[57])) القاضي، عبدالفتاح. الوافي في شرح الشاطبية. (ط.1). مكتبة الديار، 1404ھ، ص242.

([58]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج23، ص540.

([59]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج6، ص663-664.

([60]) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج23، ص358.

([61]) المرجع السابق، ج7، ص124-125.

[62]))المرجع السابق، ج1، ص138-139.

[63])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج20، ص179.

([64]) أخرجه الترمذي بلفظ: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم – حتى بلغ – يعملون "، حديث رقم (977)، الألباني، محمد ناصر الدين. صحيح سنن الترمذي. (ط.1). مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1408ھ.

([65]) المرجع السابق، ج23، ص409.

[66])) ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن مرجع سابق، ج7، ص63-66.

([67]) أخرجه أبو داود (179)، والترمذي (86)، وصححه أحمد شاكر عن عروة بن الزبير عن عائشة في كتاب: ابن جرير، أبو جعفر محمد الطبري. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق أحمد شاكر. (ط.1). بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420ھ.

([68])ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج10، ص296.

([69]) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38]، وفي كم يقطع. 12/89-91.

([70])ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مرجع سابق، ج13، ص197.