أحياناً يتعجل المسلم في رواية خبر، فينسب إلى الإسلام ما الإسلام يحاربه، وأي ظلم أشد من هذا؟
جاء في أحد المواقع التنصيرية ما يلي:
ورد في الأحاديث الإسلامية عن «جبل قاف» الذي لا وجود له إلا في الوهم والخيال هو الكتب اليهودية، فأخذه المسلمون منها ونقلوه عنها. والبرهان على ذلك إننا إذا قارنا بين ما ورد في «عرائس المجالس» و«قصص الأنبياء» وبين ما يقوله اليهود نجد الأمرين واحداً. فقد ورد في «عرائس المجالس» (صفحتا 7 و8): «خلق الله تعالى جبلاً عظيماً من زبرجدة خضراء خُضرة السماء منه، يُقال له جبل قاف فأحاط بها كلها (أي الأرض) وهو الذي أقسم الله به فقال «ق والقرآن المجيد» (سورة ق1). وورد.. أن عبد الله بن سلام سأل محمداً: «ما هي أعلى قمة في الأرض؟ قال: هي جبل قاف. فقال: جبل قاف ممَّ هو؟ فقال: من زمرد أخضر وخضرة السماء هي منه. قال: صدقت يا رسول الله. قال: ما هو ارتفاع جبل قاف؟ فقال: إنه سَفَر خمسمائة سنة. وقال: كم هي المدة التي يقطع الإنسان فيها محيطه؟ فقال: إنها سَفَر ألفي سنة».
قلت:
هذه الخرافة سمعتها كثيرا وأنا صغير على ألسن القصاصين في المساجد، والذي يهمنا هنا التدقيق في مدى إثم نقل مثل هذه الخرافة بلا تمحيص
ولا تجوز روايته بأي حال، يقول ابن القيم في المنار المنيف وهو يُعدِّد الأحاديث الموضوعة: "(137) ومن هذا حديث: " إن قاف جبل من زبرجدة خضراء تحيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان والسماء واضعة أكنافها عليه "، وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفراً ".
وانظر: الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة، ملا علي القاري 1 / 450. وأسنى المطالب، الحوت، ص: 352.

ومن أعاجيب مثيري هذه الشبهة (المنهج الإسقاطي) أي: تلك الشبهة بعينها هي ما يعتقده اليهود والنصارى بحسب الكتاب المقدس؟!!
فيعتقدون بان السماء، أو: ما نشاهد لونه أزرقاً حين ننظر إلى أعلى، هو عبارة عن حاجز يمنع المياه الفوقية، عن الاختلاط بمياه الأرض.
ورد في نص صريح للكتاب المقدس عندهم في الإصحاح الأول من سفر التكوين: " (6) وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه (7) فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد [1] ، وكان كذلك (8) ودعا الله الجَلَد سماء... ".
الذي يقرره الكتاب المقدس: أن الجَلَد ـ بما يمثله من قساوة ويبوس ـ الذي يفصل بين السماء والأرض، هو تفسير بدائي لسقف السماء. فكانوا يظنون أن ذلك الأزرق، ما هو إلا حاجز شفاف يفصل بين الماء الموجود في الأعلى، وأن المطر يحدث نتيجة ثقوب فيه مصممة خصيصاً لذلك. ففَصَلَ ذلك الجَلَد [2] بين مياه السماء (الأمطار)، ومياه البحار والأنهار والينابيع الموجودة على الأرض.
وهنالك ثقوب أخرى في السماء، أكبرها ما اتخذ شكلاً دائرياً كبيراً نسبياً (الشمس)، وأخرى عبارة عن ثقوب كثيرة متناثرة ( القمر والنجوم) تدور حول الأرض. [3]
ودليل ذلك ما جاء في الإصحاح الأول من سفر التكوين عند الحديث عن بدء الخلق: " (14) وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين (15) وتكون أنواراً في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك (16) فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم (17) وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض ".
إذن، نصَّ الكتاب المقدس أن الشمس والنجوم والكواكب التي تُرى بالليل، ليست أجراماً سماويةً، وإنما هي ثقوب موجودة في الجَلَد (السماء)، تنير الأرض. [4]
ودليلهم الذي لا يحتمل التأويل، ما ورد في سفر دانيال [12/3]: " والفاهِمون يضيئون كالجَلَد.. ".
بما أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، يجب توضيح صورة السماء في أذهان كتَبَة سفر التكوين، جاء في المعجم اللاهوتي الكتابي: " وإذا كان الإسرائيلي يتأثر ببناء السماء ويتوق إلى نورها، ويعجب بنقائها (انظر: سفر الخروج24/10)، إلا أن صلابة جَلَد السماء الراسخة، لها وقعٌ خاص على نفسه (انظر: سفر التكوين1/18). إنه يعتبر السماء بناء لا يقل عن الأرض متانة.. ومزوداً بخزائن للمطر والثلج والبَرَد والرياح.. ". [5]
ومثله في كتاب: " كُتُب الشريعة الخمسة " : " كان جَلَدُ السماءِ الظاهر عند الساميِّين الأولين، عبارة عن قبة متينة تحبس المياه المتجمعة فوقها ". [6]
انقر الرابط وانظر هذه الصورة التوضيحية بترجمتي لأحد مخطوطات العهد القديم لتعرف عقيدتهم في (الجلد)



* ما يهمنا هنا، تأكيد خطورة أن تكون سبباً في إضلال الناس حين تعتمد على الأحاديث المكذوبة،
وأذكر بكلام ابن القيم: " وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفراً "

-----------------
1) النصُّ في متن " التفسير التطبيقي للكتاب المقدس " ص7: " ليكن جَلَدٌ يحجز بين مياه ومياه، فخلقَ الله الجلد وفرَّق بين المياه التي تحملها السحب، والمياه التي تغمر الأرض.. ".
والعجيب أن مجموعة اللاهوتيين الذين ألفوه لم يفسروا معنى: " الجلد "، بل تجاوزوا تفسير أعداد الإصحاح الأول من (3-24) في سفر التكوين مستعيضين عن ذلك بكلام عام عن قدرة الله وإبداع خلقه!
كما تجاوَزوا تفسير المزمور [148/4] ونصُّه: " سبحيه يا سماء السماوات، ويا أيتها السحب التي فوق الجَلَد ". انظر: ص1276.
2) حتى لا يقول أحد إن معنى (جَلَد) يحتمل تأويله بـ (غازات)، فالعودة إلى التفسير الحرفي للنص العبري تبين الصواب. والنص العبري الحرفي للكلمة هو: ( רק'ע ) ويعني: " رقيع ". أي: الصفحة المطروقة الممتدة.. انظر: دائرة المعارف الكتابية 2 / 554 (جلد).
وفسره اللاهوتيون الذين كتبوا : " تفسير الكتاب المقدس " 1 / 146: " (جَلَد): هو شيء منبسط ممتد، وهو يُرينا خلق الجو ". وقبل ذلك ـ بأسطر قليلة ـ مهَّدوا بمقدمة يعتذرون فيها عن أخطاء كتابهم المقدس.. جاء فيها: " الإنسان الذي اختبر شخصياً عن طريق قبول المسيح، حين يقرأ هذا الإصحاح، يؤمن في الحال بكل ما كُتِبَ فيه. لكن الأمور التي يصفها هذا الإصحاح تُعَد عجيبة جداً. وبالتالي: تفوق وسائل البحث العلمية، مما يجعل البعض يرَون فيها صعوبة عظمى ".
ومثله شرح سفر التكوين في كتاب: تفسير الكتاب المقدس / كتب الشريعة الخمسة، الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس بلبنان، ص 68: " النصُّ يستند إلى علمٍ لا يزال في عهد الطفولة، فلا حاجة إلى التفنين في إقامة توافُقٍ بين هذه الصور وعلومنا العصرية ".
3) جاء في سفر أيوب [26/7]: " يمد الأرض على الخواء " وفي تفسير كتب الحكمة، ص 1083: " الخواء: هو القسم الشمالي من الجَلَد، الذي كان الجَلَد يدور حوله، على ما كانوا يعتقدون ".
4) لغاية القرن السابع عشر، كان اليهود والنصارى يظنون أن الشمس والنجوم ثقوباً في سقف السماء تمرر الضوء. حتى بيّن العالم الدنماركي (أولاف ريمر) خطأ العهد القديم، فقدم بحثاً إلى أكاديمية باريس سنة 1675 م وبيَّن أن ضوء الشمس يستغرق ثمان دقائق وثمان عشرة ثانية ليصل الأرض. انظر: التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير ؟، ليوتاكسيل، ص8.
5) المعجم اللاهوتي الكتابي، بإشراف: الأب فاضل سيداروس اليسوعي، ص429-430 (سماء).
6) تفسير الكتاب المقدس / كتب الشريعة الخمسة، جمعيات الكتاب المقدس في لبنان، ص 68.