بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا وصلى الله وسلم وبارك علىنبينا محمد الذي صح عنه عند مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال:
و الذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي و لا نصراني ثم يموت و لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار
أما بعد:
فهذه ورقات كتبتها بطلب من بعض الفضلاء أورد عليه نصراني شبهة حول دعوى التناقض في تحريف الإنجيل بين المسلمين
وأرغب في إثراء هذه الورقات وحبذا لو أفاد من يشارك بآراء المفسرين حسب اطلاعه حول هذه الموضوع
من من المفسرين قال بالتحريف اللفظي
ومن منهم قال بالمعنوي يعني تحريف معانيه وصرفها عن ظاهرها وعدم الائتمار بها
والآن إلى جهد المقل والله المستعان.
فإن الله تعالى يقول في كتابه
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) سورة المائدة

فبين سبحانه أنه أنزل هذا القرآن مهيمنا على ما بين يديه من الكتب والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم يشهد بما فيها من الحق وينفي ما حرف فيها ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها وينسخ ما نسخه الله منها وهو مؤتمن في ذلك عليها
والحكم والهيمنة لا تعنى الحراسة الحسية من امتداد أيدي المجرمين بالتحريف كما زعمه بعض الأغبياء ولا يتصور هذا إلا من فقد أدوات المنطق.
والنسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا فالأخبار عن الله وعن اليوم الآخر وغير ذلك لم تنسخ وكذلك الدين الجامع والشرائع الكلية لا نسخ فيها
فالذي عليه جميع المسلمين أن الله لن يقبل من أحد غير الإسلام كما قال تعالى
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) سورة آل عمران
ولن يقبل الله دين من يكفر برسوله محمد ، ولا من يكفر بكتابه القرآن العظيم
قال تعالى
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) سورة آل عمران
والذين بيننا وبين اليهود والنصارى وسائر الملل من الخصومة كفرهم بالله و تكذيبهم لرسول الله ولكتابه
وأما اعتقاد المسلمين في الكتب السماوية فإنهم يؤمنون بكل ما أنزل الله من الكتب على رسله كما قال تعالى عنهم
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة
يؤمنون بالكتب السابقة جملة ويؤمنون بما فصل الله ذكره كتابه كالتوراة والإنجيل
وأنهما كتابان من عند الله تعالى، في آي آيات كثيرة من القرآن
كما قال تعالى :نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (3) سورة آل عمران
وكل آية مدح الله فيها التوراة أو الإنجيل كقوله تعالى إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) سورة المائدة
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) سورة المائدة
فهي مدح لكتبه التي أنزلها، وأما النسخ التي طالها التحريف والتغيير- على القول بوقوعه- فلا يقول عاقل إنها المرادة من هذا ، بل جعلها مقصودة سفسطة ظاهرة وتوهيم يراد به التلبيس والله المستعان

والمقصود بالنسخ أن الكتاب الذي تعبد الله به الناس بعد مبعث الرسول هو القرآن،
وقد بين الله أن بعث رسوله إلى العالمين كما قال تعالى
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) سورة الأنبياء
وبين أن القرآن ينسخ ما في الشرائع السابقة كما قال تعالى:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) سورة الأعراف
فكل ما نص فيه الله عليه في القرآن من أحكام وفي الكتب السابقة ما يخالفها فهو ناسخ لها مزيل للأمر بالتعبد بها
وما في الكتب السابقةلا يخلو إما :
أن يكون خبرا كالإخبار عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وكماله وكالقصص وأخبار الأمم السابقة واليوم الآخر
وإما أن يكون حكما وأمرا ونهيا وتشريعا
فإن كان خبرا
فلا يخلو إما :
أن يوافق ما في كتاب الله
أو يعارضه
أو لا يعارضه ولا يوافقه
فإن وافقه فلا إشكال بالتصديق بما فيهما
وإن عارضه كان دليلا على وقوع التحريف في الكتب السابقة وامتداد أيدي المبدلين إليها والمحرفين فيها إذ يستحيل نسخ الأخبار ، وهذا ليس للهوى ولكنه إملاء العقل والمنطق الذي دل على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام،
وإما أن يكون خبرا لم يأت ذكره في القرآن وليس في القرآن ما يصدقه ولا يكذبه فهو
من جنس ماقال فيه النبي )
ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان حقا لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا لم تصدقوهم .
وإن كان ما جاء في الكتب السابقة حكما كالأوامر والنواهي والتشريع فلا يخلو أيضا إما
أن يكون موافقا فالعمل بشريعة الإسلام ولا يسمى ما جاء في الإسلام ناسخا بل إن الشرائع الكلية كالصلاة والصيام والصدقة والحج الشرائع الكلية التي أمر الله بها الأمم السابقة لم تنسخ وإنما النسخ لبعض تفاصيلها وهيئاتها
وإن كان مخالفا معارضا فهو إما أن يكون من المنسوخ الثابت حقا في كتبهم لكن نسخ في شريعتنا كما قد يقع النسخ في شرعنا فقد تنسخ بعض الآيات آيات أخرى وإما أن يكون من المحرف المبدل على قول من قال بتبديل ألفاظ الكتب السابقة من علمائنا
وإن كان من الأمور التي لم يأت فيها نص في شريعتنا فهل شرع ما قبلنا شرع لنا محل خلاف بين أهل العلم ليس هذا محل بسطه
وأما مسألة تبديل وتحريف ألفاظ الكتب السابقة فليست من المسائل العقدية التي يجب على المسلمين اعتقاد شئ فيها ولا يترتب على ا ختيار قول فيها تبديع ولا تفسيق ولا تكفير
وإنما يلبس بها بعض أهل الكتاب وهي عادتهم كا قال الله فيهم
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (71) سورة آل عمران
فمن المسلمين من قال بأن التحريف لم يقع في ألفاظ شئ من الكتب السابقة
ومنهم من قال وقع التحريف في بعضها دون البعض وهم جمهور المسلمين
وبعضهم يقول بل وقع التحريف في أكثرها أو كلها وهو قول أقل العلماء
ولم يقل أحد من المسلمين بوقوع التحريف في كل نسخة من التوراة والإنجيل
وبهذا يتبين أن هذه المسألة ليست من جنس المسائل التي يحصل التناظر فيها بين المسلمين والنصارى ولا يليق بالباحث عن الحق من النصارى أن يشغل نفسه بالبحث في قضية خلافيةبين المسلمين أنفسهم وهي قضية لم ير المسلمون أي حرج على أي واحد منهم اختار أي قول فيها بالأدلة وهو على دين النصارى، بل المنطق يفرض عليه التأمل في الأصول التي تبين له الحق من الأديان ثم بعد أن يختار الدين الحق يمكنه ترجيح القول الأقرب إلى الصواب من بين أقوال أهل الدين الواحد والملة الوحدة بعد أن يطمئن بأنه اختار الحق والهدى الذي ينجيه عند ربه تعالى،
فهذه المسألة من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين المسلمين ولا يترتب على اختيار قول فيها ثمرة في العمل والاعتقاد ، ولم ينصوا عليها في كتب العقائد ومختصرات ما ينبغي اعتقاده
والقائلون بعدم وقوع التحريف لو جئ لهم بنسخة من النسخ فيها الشرك بالله تعالى أو القول بألوهية عيسى أو بخبر يخالف القرآن فإنهم يقطعون جزما بأنها محرفة وليست من التوراة أو الإنجيل وذلك لوجود الدليل القطعي الجازم في القرآن بكذب ما في تلك النسخة، والنقل القاطع في الكتاب أن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام دعيا إلى التوحيد والإيمان وكذا التوراة والأنجيل كان فيهما الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله ورسله وقيام الدليل القطعي على استحالة التناقض في كلام الله أو في أخبار رسله عليهم الصلاة والسلام فيصير قولهم راجع إلى القولين الآخرين ومن لم يقل بذلك منهم لم يكن مسلما
بل لوجئ للنصراني بنسخة من الإنجيل فيها أن عيسىعليه الصلاة والسلام كان قبل موسى مثلا لحكموا ببطلان هذه النسخة.
ولو جئ بنسخة توافق القرآن في الأخبار والاعتقاد للقائلين بالتحريف اللفظي لم يستطيعوا الجزم بوقوع التحريف في ألفاظهما وذلك لعدم الدليل النقلي قطعي الدلالة من القرآن وعدم القدرة على إقامة الدليل على الدعوى من الواقع.
وخلاصة القول أن القائلين بالتحريف لا يمكنهم الجزم بذلك إلا بدليل قطعي
والقائلين بعدم التحريف لا يمكنهم الجزم بعدمه إلا بدليل قطعي
ولا يمكن ذلك في الواقع فصار القرآن هو الحاكم والمهيمن و الشاهد على وقوع التحريف أو عدمه ،
والقرآن ليس فيه ما يقطع دلالة بوقوع التحريف في الألفاظ في جميع نسخ التوراة والأنجيل، ولكن ما جاء في القرآن من الأخبار والاعتقاد في الله وفي اليوم الأخر والرسل إن وجد في بعض النسخ ما يخالف القرآن دل على انتحال تلك النسخ وتبديلها وقلنا بأن القرآن دل دلالة قاطعة على تحريف تلك النسخة وتبديلها جزما
وإن وافقت القرآن لم يكن ذلك دليلا على عدم وقوع التبديل فيها أيضا ، إذ ربما يوافق الناس أخبار القرآن وما فيه بكلامهم مما ليس من كلام الانبياء وليس من الوحي المنزل عليهم، فيحتاجون إلى إثبات ذلك من طريق أخرى
وأما الشبه التي يلقيها بعض النصارى من وقوع التناقض في القرآن في هذه القضية فهو غلط بين حملهم عليه الهوى وقلة النظر والتأمل أو الرغبة في السفسطة والتلبيس
فإن الآيات الدالة على الأمر بالإيمان بالتوراة والإنجيل وإقامته وتصديقها واتباع ما جاء فيها كقوله تعالى
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93) سورة آل عمران
وقوله تعالى
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) سورة المائدة
وقوله تعالى:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) سورة المائدة
ليست معارضة للآيات الدالة على وقوع التحريف من أهل الكتاب
كقوله تعالى
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) سورة النساء
وقوله سبحانه
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) سورة المائدة
وقوله تعالى
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سورة المائدة
فعلى قول جمهور المسلمين بوقوع التبديل في بعض ألفاظها فإن الآيات الدالة على الأمر بالتصديق بالكتب السابقة لا يشك عاقل أن المراد بها ا لتوراة والإنجيل الذان يستحقان هذا الاسم أي قبل وقوع هذا التحريف على فرض وقوعه فمثلا لو أن الرئيس بلير أشار إلى الدستور البريطاني في كلمته في مجلس العموم ، وهناك نسخة محرفة من الدستور ، لم يقل عاقل إن بلير أراد بالدستور الذي أشار إليه النسخة المحرفة ولله المثل الأعلى
فالتوراة والإنجيل هي التي أنزلها الله على رسله ولا تسمى المحرفة توراة ولا إنجيلا، والإيمان بها لا يستلزم العمل بالشرائع المنسوخة فيها فإن الإيمان بنوح وإبراهيم لا يلزم منه الإيمان بتفاصيل شرائعهما التي نسخت بعدهما ولا يستلزم النسخ أن القائل به كافر بهما كما زعمه بعض المسفسطين الملبسين.

فتصير الآيات متوافقة على هذا التفسير ويصير التحريف المراد في كتاب الله على هذا القول التحريف اللفظي والمعنوي
وأما القائلون بعدم وقوع التحريف في الألفاظ فلا يستدلون بما استدلت به النصارى ولكنهم يستدلون بعدم وجود الدليل من القرآن على التحريف وأما قوله تعالى يحرفون الكلم عن مواضعه فتفسيرها تبديل أحكامه ومعانيه وهذا معلوم في كتب التفسير
وعلى كل حال
فااختلاف علماء المسلمين في هذه القضية اختلاف لا يضر بالعقيدة بل هو من جنس الاختلاف الفكري والتاريخي في حادثة معينة هل وقعت أم لا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى:
الجواب الصحيح ج: 2 ص: 447
قد قدمنا أن المسلمين لا يدعون أن كل نسخة في العالم من زمن محمد بكل لسان من التوراة والإنجيل والزبور بدلت ألفاظها فإن هذا لا أعرف أحدا من السلف قاله وإن كان من المتأخرين من قد يقول ذلك كما في بعض المتأخرين من يجوز الاستنجاء بكل ما في العالم من نسخ التوراة والإنجيل فليست هذه الأقوال ونحوها من أقوال سلف الأمة وأئمتها وعمر بن الخطاب لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها فعلق الأمر
على ما يمتنع العلم به ولم يجزم عمر بأن ألفاظ تلك مبدلة لما لم يتأمل كل ما فيها والقرآن والسنة المتواترة يدلان على أن التوراة والإنجيل الموجودين في زمن النبي فيهما ما أنزله الله والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم متعذر ولا حاجة بنا إلى ذكره ولا علم لنا بذلك ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب أن يدعي أن كل نسخة في العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد فإن هذا مما لا يمكن أحدا من البشر أن يعرفه باختباره وامتحانه وإنما يعلم مثل هذا بالوحي وإلا فلا يمكن أحدامن البشر أن يقابل كل نسخة موجودة في العالم بكل نسخة من جميع الألسنة بالكتب الأربعة والعشرين وقد رأيناها مختلفة في الألفاظ اختلافا بينا والتوراة هي أصح الكتب وأشهرها عند اليهود والنصارى ومع هذا فنسخة السامرة مخالفة لنسخة اليهود والنصارى حتى في نفس الكلمات العشر ذكر في نسخة السامرة منها من أمر استقبال الطور ما ليس في نسخة اليهود والنصارى وهذا مما يبين أن التبديل وقع في كثير من نسخ هذه الكتب فإن عند السامرة نسخا متعددة
وكذلك رأينا في الزبور نسخا متعددة تخالف بعضها بعضا مخالفة كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني يقطع من رآها أن كثيرا منها كذب على زبور داود وأما الأناجيل فالاضطراب فيها أعظم منه في التوراة فإن قيل فإذا كانت الكتب المتقدمة منسوخة فلماذا ذم أهل الكتاب على ترك الحكم بما أنزل الله منها قيل النسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا فالإخبار عن الله وعن اليوم الآخر وغير ذلك لا نسخ فيه وكذلك الدين الجامع والشرائع الكلية لا نسخ فيها وهو سبحانه ذمهم على ترك اتباع الكتاب الأول لأن أهل الكتاب كفروا من وجهين من جهة تبديلهم الكتاب الأول وترك الإيمان والعمل ببعضه ومن جهة تكذيبهم بالكتاب الثاني وهو القرآن كما قال تعالى وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين فبين أنهم كفروا قبل مبعثه بما أنزل عليهم وقتلوا الأنبياء كما كفروا حين مبعثه بما أنزل عليه وقال تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين وقال تعالى فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير وقال تعالى فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين وإذا كان الأمر كذلك فهو سبحانه يذمهم على ترك اتباع ما أنزله في التوراة والإنجيل وعلى ترك اتباع ما أنزله في القرآن ويبين كفرهم بالكتاب الأول وبالكتاب الثاني وليس في شيء من ذلك أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ من الكتاب الأول كما ليس فيه أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ في الكتاب الثاني
وقال تعالى :إن المسلمين لم يدعوا أن هذه الكتب حرفت بعد انتشارها وكثرة النسخ بها ولكن جميعهم متفقون على وقوع التبديل والتغيير في كثير من معانيها وكثير من أحكامها وهذا مما تسلمه النصارى جميعهم في التوراة والنبوات المتقدمة فإنهم يسلمون أن اليهود بدلوا كثيرا من معانيها وأحكامها ومما تسلمه النصارى في فرقهم أن كل فرقة تخالف الأخرى فيما تفسر به الكتب المتقدمة ومما تسلمه اليهود أنهم متفقون على أن النصارى تفسر التوراة والنبوات المتقدمة على الإنجيل بما يخالف معانيها وأنها بدلت أحكام التوراة فصار تبديل كثير من معاني الكتب المتقدمة متفقا عليه بين المسلمين واليهود والنصارى وأما تغيير بعض ألفاظها ففيه نزاع بين المسلمين والصواب الذي عليه الجمهور أنه بدل بعض ألفاظها كما ذكر ذلك في مواضعه الوجه الثاني أن قياسهم كتبهم على القرآن وأنه كما لا تسمع دعوى التبديل فيه فكذلك في كتبهم قياس باطل في معناه ولفظه أما معناه فكل ما أجمع المسلمون عليه من دينهم إجماعا ظاهرا معروفا عندهم فهو منقول عن الرسول نقلا متواترا بل معلوما بالاضطرار من دينه فإن الصلوات الخمس والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ووجوب العدل والصدق وتحريم الشرك والفواحش والظلم بل وتحريم الخمر والميسر والربا وغير ذلك منقول عن النبي نقلا متواترا كنقل ألفاظ القرآن الدالة على ذلك ومن هذا الباب عموم رسالته وأنه مبعوث إلى جميع الناس أهل الكتاب وغير أهل الكتاب بل إلى الثقلين الإنس والجن وأنه كان يكفر اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا ما أنزل الله عليه كما كان يكفر غيرهم ممن لم يؤمن بذلك وأنه جاهدهم وأمر بجهادهم فالمسلمون عندهم منقولا عن نبيهم نقلا متواترا ثلاثة أمور لفظ القرآن ومعانيه التي أجمع المسلمون عليها والسنة المتواترة وهي الحكمة التي أنزلها الله عليه غير القرآن كما قال تعالى
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة وقال تعالى وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وقال تعالى واذكر نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة وقال تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وبذلك دعا الخليل حيث قال لما بنى هو وإسماعيل الكعبة
وأما الأناجيل الذي بأيدي النصارى فهي أربعة أناجيل إنجيل متى ويوحنا
لوقا ومرقس وهم متفقون على أن لوقا ومرقس لم يريا المسيح وإنما رآه متى ويوحنا وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل وقد يسمون كل واحد منهم إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح فلم يذكروا فيها أنها كلام الله ولا أن المسيح بلغها عن الله بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح وأشياء من أفعاله ومعجزاته وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنا فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث أو مثل هذه الكتب وإن كان غالبها صحيحا وما قاله فهو مبلغ له عن الله يجب فيه تصديق خبره وطاعة أمره كما قال الرسول من السنة فهو يشبه ما قاله الرسول من السنة فإن منها ما يذكر الرسول أنه قول الله كقوله يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنت بالحرب ونحو ذلك ومنها ما يقوله هو ولكن هو أيضا مما أوحاه الله إليه فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله فهكذا ما ينقل في الإنجيل وهو من هذا النوع فإنه كان أمرا من المسيح فأمر المسيح أمر الله ومن أطاع المسيح فقد أطاع الله وما أخبر به المسيح عن الغيب فالله أخبره به فإنه معصوم أن يكذب فيما يخبر به وإذا كان الإنجيل يشبه السنة المنزلة فإنه يقع في بعض ألفاظها غلط كما يقع في كتب السيرة وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ثم هذه الكتب قد اشتهرت واستفاضت بين لمسلمين فلا يمكن أحدا بعد اشتهارها وكثرة النسخ بها أن يبدلها كلها لكن في بعض ألفاظها غلط وقع فيها قبل أن تشتهر فإن المحدث وإن كان عدلا فقد يغلط لكن ما تلقاه المسلمون بالقبول والتصديق والعمل من الأخبار فهو مما يجزم جمهور المسلمين بصدقه عن نبيهم هذا مذهب السلف وعامة الطوائف كجمهور الطوائف الأربعة وجمهور أهل الكلام من الكلابية والكرامية والأشعرية وغيرهم لكن ظن بعض أهل الكلام أنه لا يجزم بصدقها لكون الواحد قد يغلط أو يكذب وهذا الظن إنما يتوجه في الواحد الذي لم يعرف صدقه وضبطه أما إذا عرف صدقه وضبطه إما بالمعجزات كالأنبياء وإما بتصديق النبي له فيما يقول وإما باتفاق الأمة المعصومة على صدقه واتفاقهم على العمل بخبره أو اتفاقهم على قبول خبره وإقراره وذكره من غير نكير أو ظهور دلائل وشواهد وقرائن احتفت بخبره ونحو ذلك من الدلائل على صدق المخبر فهذه يجب معها الحكم بصدقه وأنه لم يكذب ولم يغلط وإن كان خبره لو تجرد عن تلك الدلائل أمكن كذبه أو غلطه كما أن الخبر المجرد لا يجزم بكذبه إلا بدليل يدل على ذلك إما قيام دليل عقلي قاطع أو سمعي قاطع على أنه بخلاف مخبره فيجزم ببطلان خبره وحينئذ فالمخبر إما كاذبا أو غالطا وقد يعلم أحدهما بدليل فالمسلمون عندهم من الأخبار عن نبيهم ما هو متواتر وما اتفقت الأمة المعصومة على تصديقه وما قامت دلائل صدقه من غير هذه الجهة مثل أن يخبر واحد أو اثنان أو ثلاثة بحضرة جمع كثير لا يجوز أن يتواطئوا على الكذب بخبر يقولون إن أولئك عاينوه وشاهدوه فيقرونهم على هذا ولا يكذب به منهم أحد فيعلم بالعادة المطردة أنه لو كان كاذبا لامتنع اتفاق أهل التواتر على السكوت عن تكذيبه كما يمتنع اتفاقهم على تعمد الكذب وإذا نقل الواحد والاثنان ما توجب العادة اشتهاره وظهوره ولم يظهر ونقلوه مستخفين بنقله لم ينقلوه على رؤوس الجمهور علم أنهم كذبوا فيه
ودلائل صدق المخبر وكذبه كثيرة متنوعة ليس هذا موضع بسطها ولكن المقصود هنا أن المسلمين تواتر عندهم عن نبيهم ألفاظ القرآن ومعانيه المجمع عليها والسنة المتواترة وعندهم عن نبيهم أخبار كثيرة معلومة الصدق بطرق متنوعة كتصديق الأمة المعصومة ودلالة العادات وغير ذلك وهم يحفظون القرآن في صدورهم لا يحتاجون في حفظه إلى كتاب مسطور فلو عدمت المصاحف من الأرض لم يقدح ذلك فيما حفظوه بخلاف أهل الكتاب فإنه لو عدمت نسخ الكتب لم يكن عندهم به نقل متواتر بألفاظها إذ لا يحفظها إن حفظها إلا قليل لا يوثق بحفظهم فلهذا كان أهل الكتاب بعد انقطاع النبوة عنهم يقع فيهم من تبديل الكتب إما تبديل بعض أحكامها ومعانيها وإما تبديل بعض ألفاظها ما لم يقوموا بتقويمه ولهذا لا يوجد فيهم الإسناد الذي للمسلمين ولا لهم كلام في نقلة العلم وتعديلهم وجرحهم ومعرفة أحوال نقلة العلم ما للمسلمين ولا قام دليل سمعي ولا عقلي على أنهم لا يجتمعون على خطأ بل قد علم أنهم اجتمعوا على الخطأ لما كذبوا المسيح ثم كذبوا محمدا فإذا كانت الكتب المنقولة عن الأنبياء من جنس الكتب المنقولة عن محمد ولم تكن متواترة عنهم ولم يكن تصديق غير المعصوم حجة لم يكن عندهم من
العلم بالتمييز بين الصدق والكذب ما عند المسلمين فهذه الأناجيل التي بأيدي النصارى من هذا الجنس فيها شيء كثير من أقوال المسيح وأفعاله ومعجزاته وفيها ما هو غلط عليه بلا شك والذي كتبها في الأول إذا لم يكن ممن يتهم بتعمد الكذب فإن الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة لا يمتنع وقوع الغلط والنسيان منهم لا سيما ما سمعه الإنسان ورآه ثم حدث به بعد سنين كثيرة فإن الغلط في مثل هذا كثير ولم يكن هناك أمة معصومة يكون تلقيها لها بالقبول والتصديق موجبا للعلم بها لئلا تجتمع الأمة المعصومة على الخطأ والحواريون كلهم اثنا عشر رجلا وقصة الصلب مما وقع فيها الاشتباه وقد قام الدليل على أن المصلوب لم يكن هو المسيح بل شبهه وهم ظنوا أنه المسيح والحواريون لم ير أحد منهم المسيح مصلوبا بل أخبرهم بصلبه بعض من شهد ذلك من اليهود فبعض الناس يقولون إن أولئك تعمدوا الكذب وأكثر الناس يقول اشتبه عليهم ولهذا كان جمهور المسلمين يقولون في قوله ولكن شبه لهم عن أولئك ومن قال بالأول جعل الضمير في شبه
هم عن السامعين لخبر أولئك فإذا جاز أن يغلطوا في هذا ولم يكونوا معصومين في نقله جاز أن يغلطوا في بعض ما ينقلونه عنه وليس هذا مما يقدح في رسالة المسيح ولا فيما تواتر نقله عنه بأنه رسول الله الذي يجب اتباعه سواء صلب أو لم يصلب وما تواتر عنه فإنه يجب الإيمان به سواء صلب أو لم يصلب والحواريون مصدقون فيما ينقلونه عنه لا يتهمون بتعمد الكذب عليه لكن إذا غلط بعهضم في بعض ما ينقله لم يمنع ذلك أن يكون غيره معلوما لا سيما إذا كان الذي غلط فيه مما تبين غلطه فيه في مواضع أخر وقد اختلف النصارى في عامة ما وقع فيه الغلط حتى في الصلب فمنهم من يقول المصلوب لم يكن المسيح بل الشبه كما يقوله المسلمون ومنهم من يقر بعبوديته لله وينكر الحلول والاتحاد كالأريوسية ومنهم من ينكر الاتحاد وإن أقر بالحلول كالنسطورية
وأما الشرائع التي هم عليها فعلماؤهم يعلمون أن أكثرها ليس عن المسيح فالمسيح لم يشرع لهم الصلاة إلى المشرق ولا الصيام الخمسين ولا جعله في زمن الربيع ولا عيد الميلاد والغطاس وعيد الصليب وغير ذلك من
أعيادهم بل أكثر ذلك مما ابتدعوه بعد الحواريين مثل عيد الصليب فإنه مما ابتدعته هيلانة الحرانية أم قسطنطين وفي زمن قسطنطين غيروا كثيرا من دين المسيح والعقائد والشرائع فابتدعوا الأمانة التي هي عقيدة إيمانهم وهي عقيدة لم ينطق بها شيء من كتب الأنبياء التي هي عندهم ولا هي منقولة عن أحد الأنبياء ولا عن أحد من الحواريين الذين صحبوا المسيح بل ابتدعها لهم طائفة من أكابرهم قالوا كانوا ثلاث مائة وثمانية عشر واستندوا في ذلك إلى ألفاظ متشابهة في الكتب وفي الكتب ألفاظ محكمة تناقض ما ذكروه كما قد بسط في موضع آخر وكذلك عامة شرائعهم التي وضعوها في كتاب القانون بعضها منقول عن الأنبياء وبعضها منقول عن الحواريين وكثير منها مما ابتدعوه ليست منقولة عن أحد من الأنبياء ولا عن الحواريين وهم يجوزون لأكابر أهل العلم والدين أن يغيروا ما رأوه من الشرائع ويضعوا شرعا جديدا فلهذا كان أكثر شرعهم مبتدعا لم ينزل به كتاب ولا شرعه نبي
فصل وأما قولهم كيف يمكن تغيير كتبنا التي هي مكتوبة باثنين وسبعين لسانا وفي كل لسان منها كذا وكذا ألف مصحف ومضى عليها إلى مجيء محمد أكثر من ستمائة سنة فيقال أما بعد انتشارها هذا الانتشار فلم يقل المسلمون بل ولا طائفة معروفه منهم أن ألفاظ جميع كل نسخة في العالم غيرت لكن جمهور المسلمين الذين يقولون إن في ألفاظها ما غير إنما يدعون تغيير بعض ألفاظها قبل المبعث أو تغيير بعض النسخ بعد المبعث لا تغيير جميع النسخ فيعض الناس يقول إن ذلك التغيير وقع في أول الأمر ويقول بعضهم إن منها ما غير بعد مبعث محمد ولا يقولون إنه غير كل نسخة في العالم بل يقولون غير بعض النسخ دون البعض وظهر عند كثير من الناس النسخ المبدلة دون التي لم تبدل والنسخ التي لم تبدل هي موجودة عند بعض الناس ومعلوم أن هذا لا يمكن نفيه فإنه لا يمكن أحدا أن يعلم أن كل نسخة في العالم بكل لسان مطابق لفظها سائر النسخ بسائر الألسنة إلا من أحاط علما بذلك وهم قد سلموا أن أحدا لا يمكنه ذلك إلخ كلامه .

وأما دعوى أن ابن حزم أول من قال بالتحريف في التوراة والإنجيل فهذا غلط عليه ويدل على ذلك،
ما جاء في سنن النسائي كتاب آداب القضاة باب تأويل قول الله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . الحديث رقم 5400 وهو( صحيح الإسناد موقوف )
أخبرنا الحسين بن حريث قال أنبأنا الفضل بن موسى عن سفيان بن سعيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بن مريم بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة قيل لملوكهم .
ومعلوم أن ابن عباس من أصحاب النبي

وأما الطبري فقد جاء في تفسيره
القول في تأويل قوله تعالى قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا ائتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد أتبعه إن كنتم صادقين في زعمكم أن هذين الكتابين سحران وأن الحق في غيرهما
وقال تعالى (1/378)
القول في تأويل قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها ولا بما في التوراة جهال بما في كتب الله لطلب عرض من الدنيا خسيس فقال الله لهم فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
وقال الإمام الطبري تعالى في تفسيره (الجزء الثالث، ص323)
القول في تأويل قوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون يعني بذلك جل ثناؤه وإن من أهل الكتاب وهم اليهود الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله على عهده من بني إسرائيل والهاء والميم في قوله منهم عائدة على أهل الكتاب الذين ذكرهم في قوله ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك وقوله لفريقا يعني جماعة يلوون يعني يحرفون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب يعني لتظنوا أن الذي يحرفونه لكلامهم من كتاب الله وتنزيله يقول الله وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم فحرفوه وأحدثوه من كتاب الله ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله من عند الله يقول مما أنزله الله على أنبيائه وما هو من عند الله يقول وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم فأحدثوه مما أنزله الله إلى أحد من أنبيائه ولكنه مما أحدثوه من قبل أنفسهم افتراء على الله يقول ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون يعني بذلك أنهم يتعمدون قيل الكذب على الله والشهادة عليه بالباطل والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه طلبا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا وبنحو ما قلنا في معنى يلوون ألسنتهم بالكتاب قال أهل التأويل

وأما نقلهم ذلك عن البخاري وأنه نقل ذلك عن ابن عباس وأقره ولم يرده عليه فهذا يرده ماسبق من إثبات السند إلى ابن عباس بوقوع التحريف
وأما ما في صحيح البخاري برقم 6929 حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم أخبرنا بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن بن عباس قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله أحدث تقرؤونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند لله ليشتروا به ثمنا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم
ويقول النصارى:
ويؤمن المسلمون بالتوراة والإنجيل بالرغم من ان القرآن يتهمها بالتحريف والضياع فهل ينفع المسلمين الأيمان بكتاب محرف بكتاب او غير موجود فماذا يفيد هذا الإيمان أهو إيمان بكتاب محرف فهو طلب قريب إلى الكفر أكثر منه إلى الإيمان فالإيمان بكتاب غير موجود هو أقرب إلى الضلال من الهدى
وهذا كما يلحظ كل عاقل أنه من السفسطة العجيبة، والتلبيس الماكر،
وهو مبنى على التوهيم والتغليط والمكر
فيقولون المقدمة الأولى
المسلمون يؤمنون بالتوراة والأنجيل
المقدمة الثانية
المسلمون يعتقدون تحريف التوراة والإنجيل
النتيجة
إذا يجب أن يكفر المسلمون بالتوراة والإنجيل لأنهم يعتقدون وقوع التحريف فيها
وكان الواجب أن تكون النتيجة المنطقية الصحيحة
المؤمنون المسلمون يؤمنون بالتوراة والإنجيل التي تستحق هذا الاسم وهما ما لم يلحقه التحريف، فإذا وقع التحريف لم يعتقدوا أن هذا المحرف توراة ولا إنجيلا مع إيمانهم بنزول هذه الكتب وتضمنها للحق والهدى.
وهذا يقع كثيرا في جدلهم من فلسفة السوفسطائيين التي تقوم علىتغليط المناظرين بمثل هذه الأوهام التي بين الله أنها طريقتهم في الجدل.
ويقول النصارى
"إن كان الإيمان المقصود هو الإيمان بالإنجيل الذي بين أيدينا وهو الإنجيل الحقيقي فلم يعرف العالم غير هذا الإنجيل إن كان هذا هو المقصود بالإيمان فهذا يعني بصراحة ترك الإسلام واتباع المسيح لأن الإنجيل غايته الاولى والأخيرة هي المسيح"
فانظر غاية التلبيس ببناء النتائج على المقدمات
إذ كيف يلزم المخالفين له والمدعين بتحريف الإنجيل بأن العالم لم يعرف غير هذا الإنجيل أم أن المخالفين له ليسوا من العالم
ولو افترضنا جدلا أن الإنجيل لم يحرف فهل النتيجة صحيحة
وهل الإيمان بنبي من الأنبياء يستلزم الكفر بغيره م الأنبياء
فإذا كان المسلمون يؤمنون بالإنجيل فهل يلزمهم الكفر بالنبي صلى الله عليه وهل في الإنجيل وجوب الكفر بالنبي كما يقول يعني بصراحة ترك الإسلام واتباع الإنجيل
وبهذا يتبين لكل عاقل أن هذا المنهج في المناظرة من أبعد ما يكون عن منهج العقل والعدل والحق ولذا سمى الله أمة من الأمم بالضالين لوقوعهم في الضلال العقلي والنقلي معا

ويقول النصراني
ماذا ينفع هذا ألم يطلب القرآن من المسلمين الإيمان والعمل فلماذا لا تطبق هذه القاعدة عندما يقول المسلمين أننا نؤمن بالإنجيل، الإيمان دون عمل لا فائدة منه. إذن الإيمان بالكتاب أو عدم الإيمان به لا يعني شيئاً بل أن هذا لا يسمى إيماناً بكتاب وهمي
وهذا من وجوه التغليط المتكاثرة
فإن دعواهم أن إيماننا بالإنجيل لا يكون معه العمل مبنى على جهلهم بالإيمان وتصوره فإن الإيمان قول وعمل وأنه عمل القلوب والأركان ونحن نؤمن بالتوراة والإنجيل ويترتب عليها أعظم الأعمال وهي أعمال القلوب من محبة الأنبياء موسى وعيسى عليها الصلاة والسلام وتوليهما والاعتقاد بأنهما من الرسل ومحبة التوراة والأنجيل، والإيمان بكل ما أقره القرآن منهما وما بين الله لنا في الكتاب أنه فيهما فالمسلمون هم العاملون حقيقة بالتوراة والإنجيل القائمون بأمر الله فيها، إذا الشرائع كلها دعت إلى الحق والهدى وتواترت على ذلك فالمسلمون هم أولى الناس بإبراهيم وموسى وعيسى من كل مدع
فالتوحيد الذي هو أعظم ما في التوراة والإنجيل لا يقيمه الإ المسلمون على ما يرضي الله تعالى، والإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر هو أوضح ما يكون عند المسلمين، والقيام بالأخلاق الحميدة والخصال الكريمة هي صفات المسلم التي دعا الله إليها في القرآن ودعا إليها الرسول عليه الصلاة والسلام

القائلون بالتحريف اللفظي: الشوكاني (1/541) في فتح القدير والآلوسي في روح المعاني (1/181)