بسم الله الرحمن الرحيم
من الأسرار البلاغية لصيغة الحوقلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فلا شك أن كل كلمة من جديث النبي الكريم تحمل طاقة بلاغية لا حصر لها ، وقد كانت صيغة الحوقلة التي هي كنز من كنوز الجنة موضع اهتمام العبد الفقير حيث دعاه أحد أصدقائه لبيان أسرارها ، فأراد أن يقف على ما فيها من بلاغة ، وهو يعلم أن هذا مطلب صعب المنال ، وإنما يكفيه محاولة البحث والتنقيب.والله ولي التوفيق.
أولا: معنى لا حول ولا قوة إلا بالله:
لا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله إلا بالله ، فمن عرف حقيقتها استراحت نفسه ، قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسع وتسعين داء أيسرها الهم" رواه ابن أبي الدنيا وحسنه السيوطي .فلا يقع للعبد إلا ما قدر له ، ولن يبلغ عبد شيئا إلا بقدر الله . فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة ، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين ، ومتى علق ذلك بغير الله فهو مشرك ، ومن توكل على غير الله ، وتعلق به ، وكل إليه وخاب أمله .
ثانيا : أسرارها البلاغية:
السر الأول:جاءت هذه الصيغة العجيبة في هيكل أسلوبي رائع (أسلوب القصر) الذي أفد حصر الحول والقوة على الله .فلقد نفى الحول والقوة عن كل مخلوق وأثبتها للخالق وحده لا شريك له.
السر الثاني: تنكير كلمتي (حول) و( قوة) لتدلان على النفي المطلق ، فلا يستثنى منهما شيء مهما صغر أو كبر.
السر الثالث: تقديم الحول على القوة ، تقدم الحول على القوة ؛ لأن الحول نيجة للقوة ، فلن يقع تحويل بغير قوة دافعة للتحويل ، ولذلك قدمت النتيجة على أسبابها من باب نفي إثبات القوة لغير الله تعالى.
السر الرابع : تقديم (حول) على (قوة) تقديم خاص على عام ؛ لأن الحول ناتج عن القوة فهو جزء منها ، وذلك للتنبيه على قدرة الله تعالى.
السر الخامس : حذف خبر لا ، فتقدير الكلام (لا حول موجود ، ولا قوة موجودة) أو (لا حول لنا،ولا قوة لنا) وسر الحذف هنا هو إعطاء كل إنسان الفرصة لتخيل الخبر ، حتى تذهب النفس فيه كل مذهب.
السر السادس : استخدام حرف العطف (و) بدلا من (أو) ليدل عن الحول والقوة مقترنان مصطحبان ، لا يمكن أن يفترقا .
السر السابع: استخدام حرف الاستثناء (إلا) بدلا من غير أو سوى ؛ وذلك لأن إلا تفيد النفي التام لما قبلها ، والإثبات التام لما بعدها. فلو استخدمنا غير لكان من الممكن أن يدل السياق على قبول دخول غير الله معه في الحول والقوة ، ولو بنسب قليلة.
السر الثامن: استخدام حرف الجر (الباء) الذي يدل على الاستعانة ، ولاحظ الفرق –هنا- بين (الباء) و(من) فالباء تدل على أن مطلق الاستعانة لا يكون إلا بالله ، فالباء –هنا- أبلغ من (من) لدلالة الباء على أن الاستعانة لا تكون إلا بالله ولا تطلب من غيره ، أما ( من ) فتحمل معنى المصدرية ، ولا تمنع وجود مصدر آخر غير الله تعالى.
السر التاسع : الإيجاز حيث جاءت الجملة قليلة المبنى كثيرة المعنى ، والإيجاز هو البلاغة عند العرب.فلو أردنا أن نشرح هذه الجملة الصغيرة لاحتجنا إلى تفصيل وإطناب وإسهاب.
هذا ومن الله يطلب التوفيق والسداد ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
العبد الفقير
أيمن خميس أبومصطفى
الاحد، 17 رجب، 1429
20يوليو2008
[align=justify][/align]