الفكر الإسلاميّ بين التّجديد والمسخ
د. رياض الجوادي

من السّذاجة -في تقديري- أن نتصوّر مسألة "قراءات" النّصّ القرآنيّ و"تأويلاته" خارج نطاق لعبة "السلطة" التي يحاول أن يلعبها الماسك بخيوط الاقتصاد والإعلام العالميّين، لأنّهما إحدى أهمّ أدواته لإعادة تشكيل "المفاهيم" و"الوعي" الإنسانيّين قصد تدجينهما ليدخلا في شراك الاستهلاك الشّامل دون مقاومة...

وإنّ التّاريخ ليشهد استعصاءً استثنائيًّا لمفاهيم الثقافة الإسلامية على التّدجين والمسخ اللّذين تشتغل عليهما مراكز غربيّة ووكلاؤها الكثيرون في بلادنا...

وسيشهد المستقبل فعّالية أكبر لهذه المفاهيم المستقلّة واستعصاءً باعتبارها المعقلَ الأخير لإنسانيّةِ الإنسان وحرّيّتِه في أن يكون مُخالفًا...

في هذا السّياق تتنزّل هذه الكلمات التي أُحاول أن أعرّي فيها مناورات التّدجين باسم القراءة الحرّة، في حين أنّ الحريّة آخر سماتها، لأنها لا تُريد في الأخير إلا أن تأسر الثّقافة المستعصية لتستكين أمام إرادة رأس المال المهيمن حتّى تصطفّ في طابور الاستهلاك بعد أن يُرشّد! تفكيرُها ويُغتال عقلُها...

أو قُل: هي كلماتٌ أُحاول أن أعرّي فيها تهافت الخطاب الحداثويّ الذي قد تروعك جعجعة شعاراته من علميّة وموضوعيّة... فإذا وُضع على المحكّ لم تتماسك تلك الشعارات... وسرعان ما يتهافت الخطابُ بعد أن عُرّي ما فيه من حجب الزّيف... فإذا به خطابٌ قاتلٌ للعقل باسم العقلانيّة... وقاتل للاختلاف والكرامة باسم الحرّيّة... وقاتلٌ للإنسان باسم الإنسانويّة...

مُفارقاتٌ تحملُ في طيّها مؤشّرات الفشل لنموذج لم يتعب بعض مُثقّفينا من ترويجه في ديارنا باعتباره الحلّ الوحيد والأخير... ولم يُدركوا أنهم وما يُبشّرون به ويُنافحون عنه بالوكالة إنّما يعيشون اليومَ الأخير لثقافة تتهاوى، وسيسمع الزّمانُ قعقعة هُويّها ثمّ يمرّ دون التفات... لأنّه لن يجد حتّى ما يلتفت إليه...


1- الحداثويّة المتهافتة:

أكثر المسلمين على أنّ تفسير القرآن بالرأي أمر مشروع في حقّ من امتلك الآلة وكان مُتمكّنا من اللغة التي نزل بها القرآن، خبيرا بخصائص الخطاب العربيّ، وهذا المعنى يُدركه ويُسلّم به كلّ العقلاء من كلّ أُمّة، فهذا "سبينوزا" لَمّا أراد أن يقرأ الكتب المقدّسة قراءةً نقدية، رأى أنّ من مقتضيات القراءة العلمية لهذه الكتب أن يقرأها بلغتها الأمّ حتّى لا يُسقط عليها خصائص خطاب آخر ويتعسّف عليها بإلحاق ما ليس منها بها، وفي ذلك يقول: «يجب أن يفهم طبيعة وخصائص اللغة التي دُوّنت بها أسفار الكتاب المقدّس والتي اعتاد مؤلفوها التحدّث بها. وبذلك يمكننا فحص كلّ المعاني التي يُمكن أن يفيدها النصُّ حسب الاستعمال الشائع. ولمّا كان جميع من قاموا بالتدوين، سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد، عبرانيين، فلا شكّ أنّ معرفة اللغة العبريّة ضروريّةٌ قبل كلِّ شيء، لا لكي نفهم أسفار العهد القديم المكتوبة بهذه اللغة فحسب، بل لكي نفهم أيضا أسفار العهد الجديد، فهذه الأسفار الأخيرة، مع أنها قد انتشرت بلغات أخرى، إلا أنها مملوءةٌ بالتعبيرات العبرية» [1].

ولا بدّ في هذا السياق من التفريق بين قراءة المتخصص وقراءة المثقّف الذي يبحث عن الحقيقة أو يتشوّف إلى المعرفة مثل تفريقنا بين قراءة القانوني للنص القانوني وقراءة المثقف له، أو الفرق بين قراءة الطبيب للوثيقة الطبية وقراءة المتطلع إلى رعاية صحته بها. فما يُدرك الأول من الأبعاد في كلّ حالة غير الذي يُدركه الثاني مهما كان شوقه للحقيقة واهتمامه بالأمر:

- فالتّذوّق الشخصي للنصّ القرآني، وهو أمر طبيعي، يكاد يكون "ضرورة" لكل من قرأ القرآن، ولا يمكن أن نمنع منه أحدًا مادام شعورا أو تقديرا شخصيا يستبطنه المرء أو ربما يصرح به أو يسأل عنه، سواء ملك آلة الاستنباط أم لا. ومثل هذه القراءة لا يُمنع منها أحدٌ، ولكنها في الوقت نفسه لا تُغْني أحدا حتّى من فكّر فيها، لأنّها أقرب إلى الانطباع منها إلى الموقف العلميّ المؤسَّس.

- أمّا التفسير المتخصّص فهو الذي يُمارسه من امتلك الآلة واستجمع الشروطَ العلمية التي تضمن أن تكون القراءة:

o وفيةً لمقاصد القرآن وروحه العامة.

o منطلقةً من رؤية منظومية لكل النص القرآني، بل وحتّى النص النبوي الصحيح، حتّى لا يكون التأويل مجتزئا للحقيقة أو مناقضا للمقطوع به.

o ملتزمةً بمقتضيات اللغة غير شاذّة في مقاربتها للنصوص ولا متعسفة عليها.

فكلّ قراءة للقرآن بالرأي تلتزم هذه الشروط والمواصفات مرحّبٌ بها، بل وضرورية لضمان الحيوية للتفكير الإسلامي في كلّ أبعاده، وهي مسؤوليّة كلّ جيل حتّى يضمن لنفسه التفاعل مع القرآن من خلال مشاكله والتحديات المطروحة عليه. وإذا كان من حذرٍ في تفسير القرآن بالرأي فهو ليس مبدئيّا، بل هو منهجيّ مرجعه إلى مدى توفّر الشروط الضرورية لقراءة سليمة للقرآن، شروط لا تخرج عمّا يستوجبه كلّ نصّ يقترح نفسه إطارا مرجعيّا لمشروع حياةٍ وليس مجرّدَ نصّ أدبيّ يتفنّن كلّ واحد بإسقاط شجونه عليه دون ضابط من لغة ولا احترام لسياق ولا وقوف عند ظواهر وقطعيات. فالنصُّ القرآنيُّ باعتباره نصًّا هاديًا لا يرتضي تلك القراءات الناسفة التي تجرّده من كلّ شيء، والتي تجعله مرتعا لأهواء هؤلاء وجهل أولائك. في هذا السياق تُفهم تلك الشبه التي تُثارُ عادةً حول تفسير القرآن بالرأي، والتي نشأتْ من الآثار المروية في التحذير من تفسير القرآن بالرأي، ويحاولُ الطاهر ابن عاشور تحليل هذا النّهي مُرجعا إيّاه إلى أحد خمسة وجوه:

أولها: أن المراد بالرأي هو القول عن مجرّد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وما لا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول، فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم، لأنه لم يكن مضمون الصواب كقول المثل «رمية من غير رام»...

ثانيها: أن لا يتدبر القرآن حق تدبره فيُفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصرا على بعض الأدلة دون بعض كأن يعتمد على ما يبدو من وجه في العربية فقط...

ثالثها : أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف، فيجر شهادة القرآن لتقرير رأيه ويمنعه عن فهم القرآن حق فهمه ما قيد عقله من التعصب، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه حتى إن لمع له بارق حق وبدا له معنى يباين مذهبه حمل عليه شيطان التعصب حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك، وهو خلاف معتقدك...

رابعها : أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك من التضييق على المتأولين.

خامسها: أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك... [2]

وكأنّي بابن عاشور قد أدرك المميزات النوعية للعقل الحداثوي في مجتمعاتنا المعاصرة، فراح في توصيف آليات تفكيرها، محذّرا من أزمة "الرأي" عندها. فقد طلع علينا منذ عقودٍ إخوةٌ لنا حريصون على خيرنا، يدعوننا إلى أن نأخذ الدّروس ممن فهموا الدّرس، وامتلكوا الحقيقة، واحتكروا السَّاحة الإعلامية والثقافية لعقود، بل احتكروا حتّى الحقيقة.

ورغم الهالة الدّعائية والإعلامية داخل البلاد وخارجها، فإنّي لم أُحسّ قطّ وأنا أقرأ لهم أنّني أمام "قامات" علمية و"استثناءات" منهجية تَقْدر على صناعة الحدث الفكري وعلى أن تبتكر المفاهيم على غير مثال سابق، لأنّي ما رأيت "مقولةً" تُسوَّق هنا أو هناك، ولا "مفهوما" يروّج عبر هذه القناة أو تلك، إلا ورأيت لها سلفا لدى المستشرقين أمثال "مرجليوث" و"شاخت" و"جولد زيهر" وغيرهم، نسخٌ "معدّلة" إن لم أقلْ مشوّهة من أصولٍ خَبِرْنا "مقالاتِها" وعرفنا "أهدافها" وأحسنَ الكشف عن خبايا "خياراتها" كثيرون، لعلّ أولاهم بالذكر الآن في هذا السياق "إدوارد سعيد"، وهو أبعد الناس أن يكون إسلاميا حملته عاطفته الدينية على التحامل على كل وافد أو جديد، وهو الذي يقول: "إن الاستشراق باختصار هو الأسلوب الغربي للسيطرة على الشرق وامتلاك السيادة عليه" فهما لآليات التفكير عنده، وعملا على تحطيم مواطن التميز فيه، وسعيا إلى تصديع توازنه، لا بغاية تأهيله لتوازن ذاتي مضيف، بل لإعادة صناعته وفق إرادته وما تقتضيه مصالحه من المفاهيم ومن الوعي المزيّف...

تلك بعضُ أبعاد السيطرة في الحضارة الغربيّة، سيطرة لا ترتضي وجود المغاير أبدا، ولذلك قامت دائما على استئصاله من الوجود معها مرة واحدة، وأدواتها في هذه القرون الأخيرة كثيرةٌ، ولعلّ أيسرها وأبعدها عن الصدام، وأحراها بتحقيق أهدافها بطريقة ناعمة، أن يكون لها وكلاءُ في هذه المجتمعات يتبنّون رؤاها، ويحملون رسالتها، ولن تبخل عليهم بالتأييد كلّما احتاجوا إلى ذلك وقبل أن يحتاجوا، ليكونوا المحتكرين للحقيقة والوعي والحداثة دون غيرهم، باعتبار أنه لا حداثة إلا على طريقة الغرب، ولا تقدّم إلا بسلوك سبيلهم. وقد أكّد التاريخ، ولا يزال يؤكّد يومًا بعدَ يومٍ، أنّ هؤلاء المنبتين لا كانوا حداثيين مثل أساتذتهم الذي عشقوهم حدّ النخاع واتخذوهم أسلافا صالحين يترسمون خطاهم في كلّ شيء، ولا قدروا أن يصنعوا رأيًا عامّا مستأثِرا بالقرار في مجتمعاتهم...

ولذلك، فبمجرد أن سقطت أسوار الدّكتاتورية التي كانت تستر عوراتهم، وبمجرّد تهافت أبواق الدعاية التي كانت تلمّع صورتهم، ظهروا في بيداء الفكر الوطنية التي صنعوها عُراةً لا يسترهم شيءٌ، وأيتامًا لا أبا لهم، بعد أن وجدت الدّول الدّاعمة نفسها محرجة أمام الأوطان التي سُلبت خيراتها، ثمّ سُلبت إرادتها وكرامتها، على مرأى ومسمع منها، ومُورست عليها عمليات استئصال ثقافي وتجفيف لمنابع الثقافة والدين، كلّفت من المال الكثيرَ، ولكنّها لم تنتج من الثمار المرجوّة إلا شيئا قليلا. وستريهم الأيام القليلة القادمة أنّ كلّ جهودهم سترتدّ عليهم نفورا وحذرا واشمئزازا.

ولو وقف الأمر عند هذا الحدّ لهان، ولكنّه يأخذ أبعادا غريبة عندما يصل الأمر ببعض هذه "القامات" العلمية السامقة! إلى احتكار الحقيقة الدينيةِ والحقيقة الحداثيّة باسم الحداثة، ولو قال أحدٌ إنّه يحتكر الحداثةَ أو الدّين باسم الدّين، لكانوا عليه لِبدا، طبقاتٌ من الفكر "الإطلاقي" مركومةٌ بعضُها فوقَ بعضٍ، من أنصار "النسبية"...

وقد أعطاهم هذا الاحتكارُ للحقائق كلّها الحقَّ في أن يعيدوا النّظرَ في كلِّ ما يقولهُ "التقليديون" لأنّه مُتخمٌ باللامعقول رغم معقوليته الظاهرة، ولأنه خالٍ من كلّ معنى رغم ما يدّعيه من المعنى. وكُنّا نُمنّي أنفسنا ونحن نسمعُ هذا الخطابَ الاستعلائيَّ أن نرى فكرًا استثنائيّا فيه من الدّسامةِ على قدر انتفاخ الأنا عند أصحابه، غير أنّنا نُصدَم في كلّ مرّةٍ نطأ فيها أرضهم بتلك "الأرض الخراب" التي يعيش فيها "الرّجال الجوف" يتحرّكون بلا اتجاه مثل الذّرات المتناثرة، يعيشون في عزلة قاتلة، خاضعين في الوقت ذاته لحتميات عديدة صارمة. ذلك واقعهم كما يُحدّثنا عنه أدبهم "ما بعد الحداثي"، مسخٌ من الفكر لا تكاد تلمسُ فيه فكرًا، وأوهامُ حياةٍ ليس فيها من الحياة شيء.


2- "مُثقّفون" بلا ثقافة:

لن أذهب بكم بعيدًا إذا أردتُ أن أضربَ مثالا على هذا الإبداع الذي سيُنسينا كلَّ إبداعٍ قبلَه، لأنّ إخواننا هؤلاء الذين احتكروا الحداثةَ والوعيَ والذّكاءَ لا يقدرون على الإيغال في المسائل المنهجية الدقيقة لينسلُوا منها الجديد، بل دأبهم أن يلُوكوا تلك الكلمات التي أضحت باهتةً من كثرة ما استهلكت، بدءًا من المستشرقين أمثال "جولد زيهر" ومرورا ببعض روّاد الحداثة العربية أمثال "طه حسين" وانتهاءً عند بعض أعلامنا الذين تفتقت قريحةُ بعضهم هذه الأيّامَ ليصنع ثورةً منهجية ومعرفية أدخلت التّونسيين التاريخ من فرط عبقريّتها فيقول: لا يجوز أن تقول "الصحابة " لأنّ في ذلك رجْما بالغيب ومن أدرانا بأن الله قد غفر لهم...

وعندما لا يُفرق هؤلاء بين "الماضي المستعمل للإخبار" و"الماضي المستعمل للدعاء" بين مقتضى الإخبار ومقتضى الإنشاء، يُضحي من واجبات العقل، بل ومن عزائمه التي لا تحتاج إلى تردُّد أن يجعلهم وراء ظهره، وأن يرحل للتفتيش عن الحقيقة خارج أرضهم، لأنها مُجدبة لا تكاد تأتي بشيء، ولن يقدر عاقل على أن يتّخذهم قُدوة ولا حاكمين على الدّين ولا على العلماء من هذه الأمة العربية الفصيحة والحكيمة...

أئذا قلت لك: «رحم الله والديك»، فما الذي تفهمه؟ دعاءٌ لهما بالرحمة، أم إخبارٌ بثبوت الرّحمة لهما؟

كذلك إذا قلت «رحم الله الصحابي فلانا» أو «»، فهو دعاء مستمرّ بالرضا للصحابة احتراما لموقعهم وأدائهم...

لم تكن أزمة هؤلاء المعدودين "قدوةً" في التاريخ أو في اللغة وحدهما، بل كانت بالدّرجة ذاتها وربما أكبر في إدراك منطق القرآن وبنية خطابه... وبعيدا عن "التفلسف" وعمليات "الدمغجة"، سأضرب مثلا وحيدا بـ"ادّعاءٍ" أراه هذه الأيّام يتصدّر كثيرا من المجالس ومن صفحات الواب، وهو قول بعضهم إنّ الخمر غيرُ مُحرّم بناء على أن الله قال "فاجتنبوه" ولم يصرّح بلفظ التحريم...

ولن أدخل في كل تفاصيل آليَّات التحريم وأدواته الغائبة عن ذهن الرجل والتي تحتاج مني إلى كتب ودراسات، ولكم ودِدت أن أعقد جلساتِ حوار ومناظرات مع إخواني هؤلاء علّي أتبيّن منهم وجهَ الحقّ أو أبيّنه لهم...

لن أدخل في كل التفاصيل، وإنما سأقتصر على لفظ "اجتنبوه" وأحاول أن أستنطق القرآن نفسه، باحثا عن منطق مساعد على إدراك الحقيقة في هذا الشأن... وقد تُفاجأ أيّها القارئُ الكريمُ عندما تعلم أنّ لفظ الاجتناب ورد في ثماني آيات منها آية تحريم الخمر، وأن هذه الآيات الثماني تتحدّث عن "الاجتناب" في سياق عظائم الأمور من "الشرك" و"الكبائر"، فلو كانت تعني مجرّد "الكراهة" لأضحى الخطاب القرآني مفتقرا إلى المنطق...

والآيات السبع التي وردت فيها لفظة "الاجتناب" غير آية الخمر هي:

" -إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا" [النساء/31].

" -وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" [النحل/36].

" -ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" [الحج/30].

" -وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ" [الزمر/17، 18].

" -وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ" [الشورى/37].

" -يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ" [الحجرات:12].

" -الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى" [النجم:32].

انظر في الآيات مليّا ثم قل لي بالله عليك: ما رأيك في اقتران "الاجتناب" بالكبائر تارةً وبالرجس من الأوثان وقول الزور تارة أخرى، هل هو للدلالة على مجرّد التنفير والكراهة!؟

انظر في الآيات مليًّا، ثمّ قل بلسان الصّدق والوعي، لكلّ الجاهلين بنظام الخطاب في القرآن:

لو كان "الاجتناب" لمجرَّد الكراهة، وهو لا يتجاوز أن يكون دعوةَ استحباب، هل كان من المنطق في شيء أن تقول "يجتنبون كبائر الإثم والفواحش" أو "اجتنبوا الطاغوت" أو "فاجتنبوا الرّجس من الأوثان"؟!

فكيف أتّـَخِذ قدوة من لا يعرف تاريخه، ولا يعرف لغته، ولا يعرف منطق القرآن... جهل مركّب، يصنع أزمةً مركبة، ولكنّ الواعين وذوي العقل الناقد والتحليلي يعرفون ويفهمون...

قد أتفهّم أنّ بعضَ هؤلاءِ أرادوا أن يُبادروا إلى محاولاتٍ فكريّة هدفها إعادة النظر في الوقائع والأحداث والمفاهيم من جهة أخرى غير التي تعوّد الناسُ أن ينظروا منها إلى الأمور. ورغم أهمية هذا المنهج إذا تَجرّد من كلّ أفكار موجِّهة، ومن أيّ حكم مُسبق يُراد تأكيده، فإنّه لم يفِ "عمليا" و"إجرائيّا" بشروط العلم ولم يبلغ في كثير من الأحيان ما أطمعنا فيه من الموضوعية:

أمّا كونه لم يف بشروط العلم في منهجه، فلأنه يعتمد غالبا "روايات" بعينها تتوافق مع اختياراته التي يتخندق وراءها، ولا يزيد على أن يتخيَّر النصوص والروايات التي تناسب موقعَه وتنصر موقفه. ولن أتحدث عن مدى صحة هذه النصوص والروايات، فتلك مشكلة أخرى، ولكني أعالج الأمر منهجيا فأقول: إنّ منطق العلم يقتضي أن أُوازنَ بين تلك الروايات، وأجعلَها كلها إمكانيَّات في نفس درجة الأهمية... أما أن أُعرض مرة واحدة عن كلّ ما يُخالفني، ولا أستحضر إلا ما ينصر خياراتي من المواقف التاريخية، وأبني عليه كلّ رؤيتي للتاريخ، وكلّ قراءتي للوقائع، فإن في ذلك من الخيانة المنهجية ما لا يخفى على ذي وعي...

فعندما تسمع بعضَهم مثلا يقول إنّ الصحابة في موقعة الجمل خاضوا "جميعُهم" حربًا ضروسًا، وتنازعوا إلى حدّ يتجاوز القيم والأخلاق، ثم يأتي صاحب هذا الطرح بالنصوص التي تسند مقالته فقط، ولا يقول إِن رواياتٍ أخرى لا تقِلُّ عما ذُكر عددا وقوة بل وتفُوقها، تعرض وجهة نظر أخرى، تعرف حينها بأنّ الطّرح يحتاج إلى أن يُعاد تصنيعه في مصانع الموضوعية والعلمية حتى يكون سائغا للاستهلاك.

واسمع إذا شئت إلى نصوص تاريخية أخرى تُشكّك في هذا العدد، مثل قول الشّعبي: لم يشهد الجملَ من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غيرُ عليّ، وعمّار، وطلحة، والزّبير، فإن جاءوا بخامس فأنا كذّاب.

أو قول محمد بن سيرين: هاجت الفتنة (متجاوزا موقعة الجمل) وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرة آلاف، فما حضر فيها مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين.

ومثل هذا السلوك الذي يفتقد الموضوعية، ويمارس الانتقائيَّةَ والتضليل والخيانةَ المنهجيةَ لنصرة مواقف وآراء شخصيّة يتخندقُ وراءها، يُعرّي هذه النخبَ من كلّ هالاتها الزائفة ويُظهرها صغيرةً جدّا أمام أسلافهم الذين ضربوا المثل في الموضوعية والشجاعة العلمية حين ملؤوا كتبهم بالرواية ونقيضِها ليُثبتوا أنهم أساتذةٌ في هذا المجال، محيلين الأمر عليك تتفكّر فيه بموضوعيّة، غير أنّ الذين حسموا أمرهم لصالح الحطّ من تاريخهم لن يُولُّوا وجوهَهم إلا لما من شأنه أن يزدري بهذا التاريخ، كأنّ النقدَ عندهم هو مجرّدُ تتبّع العورات وإظهار الهنات والثغرات بلا تأسيس يُذكر، ولو كان هناك ما هو أسوأ، لنقلوه ورفعوا من شأنه، والحقيقةُ أنهم فعلوا حتّى ذلك، حين اختلقوا وحرَّفوا وزيّفوا الوقائع في غفلةٍ من الناس وبعد إخلاء السّاحة من كلّ مخالف في إطار حملة تجفيف منابع الدّين كانوا أبطالَها ذات يوم وكانوا أدواتِها الفكريّة وحتّى السّياسيّة.

علما أن هذا "التزيّد" و"المبالغة" في تصوير الوقائع والأحداث المتعلقة بالتاريخ الإسلامي لم يكن منهجًا جديدًا ولا غريبًا في تاريخ الفكر، خاصّةً فيما يتعلّق بالإسلام، بل كانوا فيه تلاميذَ نجباءَ لروّادٍ ملؤوا العالم بالأراجيف ومازالوا يفعلون... لم يقل ذلك ابن هشام، ولا ابن خلدون، ولا غيره من العرب والمسلمين، بل قالهُ كثير من الغربيين المنصفين، ومن هؤلاء "ميخائيل زابوروف" حينَ يضرب مثلا على التشويه التاريخي لعلاقة المسلمين بالمسيحيين في إطار تأجيج حملة العداء بين أهل الديانتين والتعبئة للحروب الصليبية فيقول: «إن الأقاويل عن آلام المسيحيين الشرقيين في ظل حكم السلجوقيين وعن العقبات التي أقاموها في وجه الحُجّاج هي بقدر كبير اختلاقات باطلة تفتّق عنها خيال كتّاب كنسيّين... فأحيانا كثيرة كانوا قصدا وعمدا ينشرون الإشاعات عن مآثم السلجوقيين من كلّ شاكلة وطراز ضدّ المسيحية، لكي تسهم الإشاعة عن الخطر الذي يشكّله "الكفار" على الأماكن المقدسة في تدفق قوات مسلحة جديدة من الغرب» [3].

وأمّا كونه لم يحقّق ما أطمعنا فيه من الموضوعية ولم يختلف كثيرا عن سابقيه الذين يتهمهم بالانتقائية، فلأنه كان في أغلب الأحيان يتّخذ "الإمكانية" الجديدة للتفكير بمثابة "الحقيقة النهائية"، ليكون بذلك قد أخرجنا من تسلّط قديم في تقديره، إلى تسلط جديد في تقديري... وكأنّه يحارب الاستبداد بالاستبداد، وتلك لعمري معضلة أغلب الفكر العربي الذي يزعم لنفسه الحداثة... ولكنه في الأخير يعتمد "مصطلحات" وربما "أدوات" جديدة، ولكن بنفس العقلية التسلطية القديمة التي يدعو إلى التخلّص منها.


3- تجديد من غير مسخ:

وحيث أنّ هذه المواقف المجافية لقواعد التفكير الموضوعي ولأبسط مقتضيات الأمانة العلمية تثير ردّات أفعال مختلفة عند هذا الطّرف أو ذاك، فإنّي أريد أن أرسم مسارات كبرى لكيفية التّفاعل الإيجابيّ معها مستفيدين ممّا فيها من الصّواب لتطوير رؤانا وتعديل مسارات تفكيرنا وتعبيرنا، ويُمكن إجمال هذه المسارات في سبعة:

الأول: أني من حيث المبدأ لست مع التكفير، لأن الشجاعة الفكرية التي يَـمتلكها الإسلام كدين "متعقَّل" و"مفكّر فيه" تؤسس لدين "التفكير" لا لدين "التكفير"...

الثاني: أن أغلب المسلمين، حتى من يتّهمهم بعضُ نخبنا ببداوة الفكر الديني، يميزون بين ما يسميه بعضهم بالنص الأول في مقابلة النص الثاني، أي بين القرآن والاجتهادات البشرية في تفسير القرآن. ولذلك فأغلب هؤلاء المتَّهمين بالبداوة هم أعداء التقليد والتسليم للأشخاص على حساب الحقّ المتيقن، لولا أن بعض المدارس الفكرية في بلادنا لا تعترف بحقّ يقينيّ، بناء على مقتضيات ما بعد الحداثة في نفيها للمطلقات والقطعيات،ولولا إيمان الجميع بأن القرآن غيرُ تفسيراته، لما رأيت آلاف التفاسير تُولدُ على ضفاف القرآن في كلّ جيل، يكتشفون الجديد، وينقدون مقولات أسلافهم، ولكن في إطار منطقٍ إسلاميٍّ وبأدوات القرآن وفي وفاءٍ كلّيّ لطبيعته كمرجع دينيّ عربيّ اللغة والمزاج، وليس في إطار منطق غربيًّ مسقَط باعتباره المنطق الوحيد والأخير للبشرية على حدّ رؤية "فوكوياما".

الثالث: أن "التفكير" هو الذي يُملي عليّ أن "أتهم" مقولات كثيرٍ من هذه النُّخب، اتهام "الناقد" لا اتهام "المخوّن"، لأنهم وهم يحاولون قصر مراجعتهم لما يتعلق فقط بالتفسيرات، يخفون ممارسات فكرية ونصوصا تدعو حتى إلى مراجعة القرآن ذاته! من حيث أنه نصٌّ لا يتعالى على النقد والتفكيك في بنيته وألفاظه قبل حتى دلالاته ومعانيه...

الرابع: وهي استكمال لما ورد في الملاحظة السابقة من المناورة والمخاتلة، ذلك أنّ كثيرين ممن يدْعون إلى مراجعة التفسيرات الموروثة، راحوا يمارسون بأنفسهم عمليات تفسير جديدة لا يحكمها لا منطق النص ولا منطوقه، متعسفين على اللغة في كثير من الأحيان، مستشهدين بروايات ضعيفة وجدت هوى في أنفسهم، مكرّرين مقولات أساتذتهم من المستشرقين حتى أنك لو قارنت كتابات هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم حداثيين، لم تجدها تخرج في شيء عما كتبه هذا المستشرق أو ذاك...

الخامس: أن اعتماد الأدوات التي ولدتها العلوم الإنسانية لتحليل النصوص واعتبارها أدواتٍ نهائيةً متعالية على النقد مغالطة كبيرة في تاريخ العلوم، لأن العلوم الإنسانيةَ نفسَها لم تُسَلِّم لأي منهج على أنه نهائي، ويكفي دليلا على ذلك أنها لم تستقرَّ قط على منهج واحد... فأي المناهج سنعتبره المنهج الحاسم والنهائي في تحديد الحقيقة الدينية وتقييم التجربة الفكرية الإسلامية: هل هو المنهج "الفللوجي" أو المنهج "البنيوي" أو المنهج "الأركيولوجي" أو المنهج "التفكيكي"؟...

السادس: إنّ هذا الاضطراب المنهجي الذي تعرفه العلوم الإنسانية في عصر ما بعد الحداثة ليس من حقه أن يُمارس الوصاية على المنهج الداخلي لتحقيق وتحليل النص الإسلامي، بناء على مقوماته الفكرية وعلى مرجعياته القيمية... وهو وحده الكفيل بضمان "حيوية" النص الديني حيوية أصيلة وغير مشوّهة لخصوصيته وتميزه التي لا تعترف بها "التفكيكية" وكل مناهج ما بعد الحداثة التي من واجبي أن أتعرّف عليها وأستفيد منها، ولكن ليس من حقِّها أن تُمارس عليّ تسلطا ووصاية...

السابع: أن الإسلام بما هي مشروع ديني وحضاري مستمر ومتجدد، يمتلك من داخله الأدوات والآليات الكفيلة بأن تجعله قادرا على مواكبة المتغيرات والاستجابة لمختلف التحديات، والتفريق المنهجي الداخلي بين ما قال الله ورسوله، وما قاله زيد أو عمرو خير شاهد على ذلك...

ألم يقل مالك: كلّكم راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر...

ألم يقل أبو حنيفة: فإذا بلغ الأمر فلانا وفلانا، فهم رجال ونحن رجال...

ألم يقل الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب...

إنّ أزمة بعض مثقفينا هو أنهم عوض أن يستفيدوا من منتجات الفكر البشري في شتى المجالات، ويحاولوا تنزيلها في واقعهم بما يتناسب مع خصوصيته، راحوا يسقطون هذه المناهج المستوردة دون أي نقد أو تحليل، وكأنها حقائق جاهزة... ثم يلومون التقليديين تقليديتَهم... فهل هناك من فرق بين من يقلّد السلف ومن يقلد الغرب؟

إنّ للتعامل مع النصّ القرآني مقتضيات منهجية وأخرى وجدانية لا يُمكن التفريط فيها بحال داخل الحقل الإسلاميّ، وسأنطلق من آيتين أعتبرهما في تقديري حاسمتين في هذا الشّأن:

- "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء: 65].

- "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [الأحزاب: 36].

فللإيمان وفق هذه الآيات مقتضيان:

- مقتضًى فكريٌّ تشريعي، وهو الرجوع إلى الله في كلّ ما هو محلّ نزاع واختلاف في التقديرات مما له علاقة بشؤون الدّين..

- مقتضًى نفسيٌّ وجداني، وهو التسليم الكلي لله ورسوله...

وإنّ الذي يتبعون في تعاملهم مع النصوص سياسة تأويلية فاسدة قوامها اجتزاء النصوص من سياقها، أو اعتماد الضعيف منها دون موازنته بغيره، أو إسقاط الدلالات البعيدة عليها واستبعاد القريب منها دون مسوّغ وجيه من دلالات اللغة ولا مرجّح ظاهر من قواعد الشرع، إنّما يُحاولون الالتفاف على النصّ ودلالاته الراجحة بمقتضى فلسفة التشريع وروح اللغة وقواعدها وشواهد التاريخ وسيرته... فإن من أعجزه ردّ النص وأزعجته الدلالة بتبعاتها ومسؤولياتها، فليس أسهل عليه من أن يدافع على النصّ بعد أن يُجرّده من كل دلالة ثقيلة فيها تكليف لا يطيقه، ويذلك يضمن لنفسه الانتماء في الوقت الذي يريح نفسه من التكليف...

وهيهات أن يكون انتماء حقيقي دون عناء... وهيهات أن يكون إيمان دون تسليم "فعلي" لله عزّ وجلّ قائم على محاولة تفهّم الحكمة من الحكم، ولكن مع التسليم لله حتّى ولو لم يُدرك الحكمة من كلّ حكم، لأنّ التسليم "بالحكمة" الكاملة لله الشارع مطلقا، تغني عن الحكمة الجزئية في حكم فرعي قد تغيب عنك الآن وهنا، وقد يُدركها غيرك في وقت ومكان آخرين، بل إنّ ما قد تظنّه نهاية "الحكمة" في تشريع ما، قد يكون بمرّ الأيام مجرّد وجه من وجوه الحكمة، ويكفي دليلا على ذلك بعض الأمثلة الواضحة لكل من ترك العناد وأسلم للحق:

- لقد حرَّم الله الخمر لحكمة دلّ على بعضها في ذلك الزمان بما يتناسب مع القدر المعرفي المتوفر لهم، وتأبى حكمة الله إلا أن نكتشف مع مرور الزمن أبعادا أخرى لهذه الحكمة التشريعية نقدر اليوم أن ندركها بحكم تطور المعرفة البشرية، من ذلك ما أثبته تقرير المنظمة الصحية العالمية منذ أشهر أن الخمر هو أكبر قاتل للإنسان قبل الإيدز والمخدرات وغيرها...

- والأمر نفسه يقال عن الربا، حيث كان السبب الأخلاقي لتحريمه واضحا في أذهان الناس حتّى في لحظة التشريع الأولى، ثم تَمرّ القرون متتالية، ويبدأ التشكيك في وجاهة تحريم الربا، وتطلع علينا الدعوات إلى اعتماده أساسا من أسس الاقتصاد التي لا مناص منها، وأن ما نظنّه شرًّا فيه إنما هو وهم من الأوهام التي خلفتها قرون "الرجعية"، وتأتي الإجابة مدوّية من مشرق الأرض ومغربها، وبلغة الاقتصاد ذاته، أزمة بعد أزمة تنادي في الناس أن اتركوا ما حرّم ربّكم، فلو كان فيه خير ما حرّمه عليكم، وقد كانت الدّراسات المتخصصة منذ مطلع القرن الماضي تتنبّأ بهذه النتيجة التي سيعود بها الربا وكل المعاملات غير المشروعة على الإنسان والاقتصاد، وكان الذين يسمعونها من المتشككين يقولون: "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ" [الأعراف: 82] ولا ينسون لقب "الرجعيون"، ورغم كلّ الحقائق الواضحة بلغة الأيام والويلات والأزمات فإنهم لا يزالون يردّدون الألقاب ذاتها....

- وليس بعيدا عن هذه الحقيقة مسألة العلاقات الجنسية غير الشرعية والزنا، لأنه "فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" [الإسراء: 32]، وقد حاق بالبشرية السبيل السيئ الذي حذّر منه القرآن: أمراض خبيثة تفتك بالبشرية في كل مكان، ورغم ذلك فإنّ العفاف مازال محلّ سخرية في مجتمعاتنا، ويتجرّأ من يعدّون أنفسهم أرباب التقدمية والحداثة في أوطاننا للمناداة بالقطع مع كلّ ما له علاقة بالعفاف لأنه رجعية، حتّى ولو كانت عواقبُه وخيمةً كما نرى ونعلم يقينا، بل إنّ بعض الذين يعدون أنفسهم رواد الحداثة في الفكر الإسلامي المعاصر ومالكي الرؤية الوفية لمنهجه، يشكّكون حتّى في تَحريم الفاحشة في أبشع صورها، وتسمعهم يقولون: إن القرآن لم يُحرّم الشذوذَ الجنسي وكل العلاقات الجنسية المثليّة، وإنما حرم الإكراه عليها فقط...

كلّ ذلك وغيره مما ليس الآن مجال ذكره مفصّلا لم يدفع بهؤلاء الأذكياء الذي فهموا من النصوص التشريعية المحكمة ما لم يفهمه منه حتى النبي المرسل، وهؤلاء بهذه التأويلات المتكلفة خير مثال على ذلك الفكر الملتفّ على النص، والذي لا يتورّع عن أي نوع من التأويل حتّى ولو لُوِيت فيه أعناق النصوص ليّا، ماداموا يجدون من يسمع لهم، بل ومن يعتبرهم "المفكرين" بامتياز...

وفي الختام، فإنّنا إذا أمعنّا النّظر في الممارسات الفكرية داخل الحقل الإسلامي، فسنكتشف أنّنا بإزاء نوعين سلبيَّيْن من التفكير المعاصر في الإسلام:

- تفكير يسعى إلى خنق الإسلام وإلى حرمانه من مجاله الحيوي، حيث يَمنع عنه كلّ أشكال التطوير والتجديد بما يضمن فعاليَّته المستمرة، ويُحقّق مقولة صلاحيته لكل زمان ومكان في أرقى أشكالها العملية وأكثرها أصالةً (أقصد بها الجدّة، ولكن وفق منطقها لا منطق غيرها).

- وتفكير يسعى إلى إفراغ الإسلام من كلّ مضمون، ويُؤَسّس لقراءات تأويلية لا ضوابط لها، بما يجعله تابِعًا لكلّ الأفكار والمقولات الحادثة، لاهِثًا وراءَ إرضاء الآخر حتّى ولو على حساب ثوابته ومقولاته الأساسية، حقلا لكلّ التّجارب المنهجية حتّى تلك التي أظهرت إفلاسَها عند الآخرين.


* د. رياض الجوادي: دكتوراه في أصول الفقه، ودكتوراه في علوم التربية

الهوامش:
[1] سبينوزا، (1994م)، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط. ثالثة: ص 244.
[2] انظر ابن عاشور، الطاهر، (1393هـ)، التحرير والتنوير، الدّار التونسية للنّشر: 1/28-29.
[3]انظر زابوروف، ميخائيل، (1986)، الصليبيون في الشرق، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو: 35.