منهج تلاميذالشيخ أشرف علي التهانوي
في كتاب أحكام القرآن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:
فتكمن أهمية الدراسة في القيمة العلمية التي احتواها كتاب أحكام القرآن, فقد احتوى كثيرا من العلوم المستنبطة من كتاب الله, بعقول لها مكانتها العلمية العريقة, حيث احتوى على عقول خمسة من العلماء الذين بلغوا شأوا في العلم, فالذي أشرف على مسائل الكتاب وتنقيحها شيخ مشايخ العصر في الهند"حكيم الأمة" أشرف علي التهانوي- لكنه توفي قبل أن يكتمل التفسير في حياته- فكان هو المعين, وتلامذته العاملون, فتلامذته ليسوا قليلي الشأن في التفسير, ففيهم العلامة المحقق الكبير الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي, وفيهم العلامة الفقيه الشيخ المفتي محمد شفيع, وفيهم العلامة الشيخ جميل أحمد التهانوي, وفيهم العلامة المحدث الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي, ولكن ما اعترى الشيخ من الأشغال والأمراض أقعده عن القيام به وحده - فكان له إفادات واستنباطات- ففوض الأمر إلى هؤلاء الجهابذة ليقوموا بهذا العمل الضخم, برعاية منه وتوجيه.
وتهدف الدراسة إلى الكشف عن جهود هؤلاء العلماء وبيان اتجاهاتهم في تفسيرهم"أحكام القرآن", حيث لم يتطرق أحد من قبل بدراسة هذا التفسير على ما أعلمه, ومن أجل الوصول إلى نتائج منسجمة مع هدف الدراسة, فقد تكفلت الدراسة بالإجابة عن السؤال الذي تقوم عليه الدراسة, حيث يمكن تلخيصه بالآتي:
ماهي جهود هؤلاء المؤلفين في تفسيرهم (أحكام القرآن)؟
وللإجابة عن ذلك, تكفلت الدراسة بالبحث عن جهودهم في العلوم الشرعية التي تناولوها في تفسيرهم أحكام القرآن, وذلك ببيان مصادرهم التي اعتمدوها ومنهجهم في الاستنباط و اتجاهاتهم في تلك العلوم.
قامت هذه الدراسة على منهج الاستقراء لكتاب أحكام القرآن, ثم تصنيف الموضوعات والعلوم بما يتناسب وأغراض الدراسة, آخذا بعين الاعتبار المصادر التي استقوا منها تفسيرهم, ثم تحليل المضمون لمعرفة جهودهم واتجاهاتهم وطريقتهم في الاستنباط.
ومن أجل الوصول إلى نتائج تنسجم مع أهداف الدراسة, فقد تم تقسيم الدراسة إلى تمهيد ومقدمة وفصلين وفهارس,وفق التفصيل الآتي:
التمهيد ويشتمل على نبذة تاريخية تمهيدية عن كيفية دخول الإسلام الهند ودور علماء الهند في خدمة الإسلام, ثم المقدمة وتشتمل على مشكلة البحث وأهميتها، وأهداف الدراسة ومسوغاتها، وبيان الدراسات السابقة ومنهجية البحث، ومن ثم خطة البحث.
ثم تلا ذلك, الفصل الأول محتويا على خمسة مباحث لدراسة موجزة لسيرة الشيخ التهانوي وتلامذته, فجاء المبحث الأول- بفروعه الثلاث, السيرة الذاتية, الحياة العلمية, الآثار- للشيخ أشرف علي التهانوي, ثم المبحث الثاني بفروعه للشيخ ظفر أحمد العثماني, ثم الثالث للشيخ محمد شفيع, ثم الرابع للشيخ جميل أحمد التهانوي, ثم الخامس للشيخ محمد إدريس الكاندهلوي.
ثم أعقبه الفصل الثاني بدراسة جهود هؤلاء المؤلفين في هذا التفسير في تسعة مباحث, فبدأ المبحث الأول بالتعريف بمصادرهم في هذا التفسير, وفيه فروع:
فالأولمصادرهم من كتب التفسير, و الثاني: مصادرهم من كتب الحديث, والثالث: مصادرهم من كتب الفقه وأصوله, و الرابع: مصادرهم من كتب العقيدة, والخامس: مصادرهم من كتب التاريخ والسيرة, والسادس: مصادرهم من كتب الموضوعات العامة, والسابع: مصادرهم من إفادات شيخهم التهانويوبعض الشيوخ.
ثم انتقلت الدراسة إلى المبحث الثاني منهجهم في التفسير, فتكلمت عن البناء الهيكلي لهذا التفسير, ثم التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي, واشتمل على فروع من عنايتهم بتفسير القرآن بالقرآن, ومن عنايتهم بتفسير القرآن بالحديث ومسلكهم في ذلك, وجوانب اهتمامهم بالحديث الشريف, ومن عنايتهم بتفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين, ومن موقفهم من التفسير بالرأي وجوانب اهتمامهم به.
ثم انتقلت الدراسة إلى المبحث الثالث في قضايا علوم القرآن في هذا التفسير, فتحدثت عن نزول القرآن, ثم أسباب النزول, ثم موقفهم من النسخ, ثم ترجمة القرآن.
ثم انتقلت الدراسة للحديث عن الفقه وأصوله في هذا التفسير في المبحث الرابع, فذكرت أصول الحنفية التي تناولوها, و الموضوعات الأصولية, ثم التمذهب الحنفي عند مؤلفي هذا الكتاب.
ثم اتجهت الدراسة في المبحث الخامس إلى قضايا العقيدة في هذا التفسير, فبحثت الدراسة في الإلهيات, ثم في النبوات, ثم السمعيات.
ثم انتقلت الدراسة إلى المبحث السادس في التفسير الصوفي في هذا الكتاب, ثم تناولت الدراسة في المبحث السابع الإسرائليات وموقف مؤلفي هذا الكتاب منها.
ثم في المبحث الثامن الأسلوب التربوي, وتكلمت فيه عن القواعد الهامة والمبادىء التربوية التي قدمت من خلالها مادة هذا الكتاب العلمية.
ثم ختمت الدراسة الفصل الثاني بالمبحث التاسع عن تقويم كتاب أحكام القرآن, فتكلمت عن مزايا كل مفسر في حصته, ثم القيمة العلمية لهذا التفسير .
توصلت الدراسة في خاتمتها إلى مجموعة من النتائج, حيث تم الإشارة إليها في الخاتمة, كان من أهمها:
1- إن جامعة ديوبند التي تخرج منها المؤلفون نشأت من واقع معاناة المسلمين ضد الاحتلال البريطاني الذي حاول بدوره طمس هوية المسلمين, فتصدى له علماء هذه الجامعة بالبدن وبالقلم.
2- كشفت الدراسة عن كيفية إفادة المؤلفين من شيخهم الشيخ أشرف علي التهانوي.
3-كشفت الدراسة عن جهود ومنهج هؤلاء المؤلفين في استنباط الحكم الشرعي وبيان الأصول والقواعد التيبنوا تفسيرهم عليها, وبيان اتجاهاتهم في العلوم المستخدمة في هذا التفسير.
4- كشفت الدراسة عن القيمة العلمية للكتاب, وذلك ببلوغ الشيخ أشرف علي التهانوي وتلامذته- - مقاما علميا رفيعا رشحهم إلى تولي صدارة التعليم والإفتاء والتصنيف, وبمادة الكتاب العلمية وعلاقتها بالإضافة العلمية, ومواكبتها لمستجدات العصر وإضافتها الجديد, وكان ذلك من خلال دفع شبهة قول بعضهم عن خلو أحكام الحنفية من أدلة النقل, والشمولية في الاستنباط, واشتماله على تحقيقات علمية في كثير من الأحكام, واحتوائه على مجموعة ضخمة من الردود العلمية على بعض العلماء, وإسهامه في الكشف عن جهود واتجاهات المدرسة الديوبندية, وتعريفه واقع المسلمين في ذلك العصر, وكان دواء وبلسما لقضايا ذلك العصر, وجاء حافلا بالعلوم التربوية السلوكية, وغزارة الكتاب بالمراجع العلمية الأصيلة, خاصة كتب الفقه الحنفي, وكشف الكتاب اللثام عن مؤلفات وإفادات لعلماء غير عرب, سواء كانت باللغة العربية أو بغيرها, وقد كشفت الدراسة عن وجود دراسات كتبت في شخص التهانوي وتلامذته , مما أضفى على هذا الكتاب بريقا علميا ساطعا.