وصية جامعة
عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : " اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " رواه الترمذي وقال : حديث حسن ؛ وفي بعض النسخ : حسن صحيح .
هذا الحديث جامع لجميع أحكام الشريعة ، إذ لا يخرج عنه شيء ؛ وهو من القواعد المهمة لإبانته لخير الدارين وتضمنه لما يلزم المكلف من رعاية حق الحق Y وحق الخلق ؛ فقد ذكر النبي e فيه ما يجب على المسلم تجاه ربه Y ، وتجاه نفسه ، وتجاه الناس ؛ وقد فصَّل فيه تفصيلًا بديعًا ، فإنه اشتمل على هذه الثلاثة ، وكل منها جامع في بابه ؛ ومترتب على ما قبله ؛ فالحديث وصيةٌ عظيمةٌ جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده ، فإنَّ حقَّ الله على عباده أنْ يتقوه حقَّ تقاته ، والتقوى وصيةُ الله للأوَّلين والآخرين ؛ قال تعالى : ] وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ [ [ النساء : 131 ] ؛ وأصلُ التّقوى أنْ يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه ، فتقوى العبد لربه أنْ يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك ؛ وهو فعلُ طاعته واجتنابُ معاصيه ؛ ويدخل في التقوى الكاملة فعلُ الواجبات ، وتركُ المحرمات والشبهات ، وربما دَخَلَ فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات ، وتركُ المكروهات ، وهي أعلى درجات التقوى ؛ قال عُمَر بن عبد العزيز t : ليس تقوى الله بصيام النهار ، ولا بقيام الليل ، والتخليطِ فيما بَيْنَ ذلك ، ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله ، وأداءُ ما افترضَ الله ، فمن رُزِقَ بعد ذلك خيرًا ، فهو خيرٌ إلى خير ( [1] ) ؛ وقال طلقُ بنُ حبيب : التقوى أنْ تعملَ بطاعةِ الله على نورٍ من الله ، ترجو ثوابَ الله ؛ وأنْ تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من الله تخافُ عقابَ الله ( [2] ) ؛ وقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتناب المحرَّمات كما قال أبو هريرةَ وسئل عن التقوى ، فقال : هل أخذتَ طريقًا ذا شوكٍ ؟ قالَ: نعم ، قالَ : فكيف صنعتَ ؟ قال : إذا رأيت الشوكَ عدلْتُ عنه ، أو جاوزته ، أو قصرت عنه ؛ قال : ذاكالتقوى ( [3] ) ؛ وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال :
خـلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها وكَـبِيرَها ذَاكَ الـتُّقَى
واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى
لا تَحْقِـرَنَّ صـغيرةً إنَّ الـجِبَالَ مِـنَ الحَصَى
وأصلُ التقوى : أنْ يعلم العبدُ ما يُتَّقى ثم يتقي ؛ وفي الجملة ، فالتقوى : هي وصيةُ الله لجميع خلقه ، ووصيةُ رسول الله e لأمته ، وكان e إذا بَعَثَ أميراً على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً ( [4] ) ، فقوله e : " اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ" مراده في السرِّ والعلانية ؛ أي : وحدك أو في جمع ، أو المراد في أي زمان ومكان كنت فيه ، رآك الناس أم لا ، فإن الله مطلع عليك .
ثم نبه e على تدارك ما عساه يفرط من تقصيره في بعض الأوامر ، والتورط في بعض النواهي ؛ فقال : " وَأَتْبِعْ " أي : ألحق " السَّيِّئَةَ " الصادرة منك صغيرة أو كبيرة - كما اقتضاه ظاهر الخبر - والحسنة بالنسبة إليها التوبة منها ؛ وأيًّا ما كان فالحسنات تؤثر في السيئات بالتخفيف منها ، والمعنى : ألحق الحسنة إياها ؛ توبة أو صلاة أو صدقة أو استغفارًا أو تسبيحًا أو غيرها ، " تَمْحُهَا " أي : السيئة المثبتة في صحيفة الكاتبين ، يعني فلا يعجزك إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة ؛ قال الله تعالى : ] وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[ [ هود : 114 ] ؛ وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ t أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً ، فَأَتَى النَّبِيَّ e فَأَخْبَرَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ U هذه الآية ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلِي هَذَا ؟ قَالَ : " لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ " ( [5] ) ؛ وظاهر قوله : " تَمْحُهَا" أنها تزال حقيقة من الصحيفة ، وقيل : عبر به عن ترك المؤاخذة ؛ ثم إن ذا يخص من عمومه السيئة المتعلقة بآدمي ، فلا يمحها إلا الاستحلال مع بيان جهة الظلامة إن أمكن ولم يترتب عليه مفسدة ، وإلا فالمرجو كفاية الاستغفار والدعاء .
وقوله e : " وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" أي : تكلف معاشرتهم بالمجاملة ، من نحو طلاقة وجه ، وحلم ، وشفقة ، وخفض جانب ، وعدم ظن السوء بهم ، وتودد إلى كل كبير وصغير ، وتلطف في سياستهم ، مع تباين طباعهم ، يقال : فلان يتخلق بغير خلقه ، أي : يتكلف ؛ وجمع هذا بعضهم في قوله : وأن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك ، فتجتمع القلوب وتتفق الكلمة وتنتظم الأحوال ، وذلك جماع الخير وملاك الأمر .
وهذا من خصال التقوى ، ولا تَتِمُّ التقوى إلا به ، وإنَّما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه ، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يظنُّ أنَّ التقوى هي القيامُ بحقِّ اللهِ دونَ حقوق عباده ؛ وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيامِ بحقوق الله ، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته ، إهمالُ حقوق العباد بالكُلِّيَّة أو التقصير فيها ، والجمعُ بَيْنَ القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًا ، لا يَقوى عليه إلاَّ الكُمَّلُ مِنَ الأنبياءِ والصديقين ؛ فحسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين لا يجزون بالسيئة ، بل يعفون ويصفحون ويحسنون مع الإساءة إليهم .
وقد جعل النَّبيُّ e حسن الخلق من أحسن خصال الإيمانِ ، كما روى أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ e قال : " أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا " ( [6] ) ؛ وأخبر النَّبيُّ e أنَّ صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم ، لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصلاة ، ويَظُنُّ أنَّ ذلك يقطعه عن فضلهما ، فروى أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النَّبيِّ e قال : " إنَّ المؤمن ليُدرِكَ بحُسْنِ خُلُقه درجاتِ الصَّائم القائم " ( [7] ) ؛ وأخبر أنَّ حسن الخُلق أثقلُ ما يُوضَعُ في الميزان ، وإنَّ صاحبَه أحبُّ الناسِ إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسًا ، فروى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء t عن النَّبيِّ e قال : " مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " ( [8] ) ؛ وروى أحمد والبخاري في ( الأدب ) وابن حبان عن عبدِ الله بن عمرو t عن النَّبيِّ e قال : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ الْقَوْمُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَالَ : " أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا " ( [9] ) ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا ؛ وقال بعضُ أهل العلم : حُسنُ الخلق : كظمُ الغيظِ لله ، وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر ، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديبًا أو إقامة حدٍّ ، وكفُّ الأذى عن كلِّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكرٍ أو أخذًا بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ ( [10] ) .


[1] - رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 964 ) .

[2] - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ( 453 ) بإسناد رجاله ثقات .

[3] - ذكره السيوطي في الدر المنثور : 1 / 61 ، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب التقوى .

[4]- جزء من حديث رواه مسلم ( 1731 ) من حديث بريدة t .

[5]- البخاري ( 4687 ) ، ومسلم ( 2763 ) .

[6]- رواه أحمد : 2/250 ، 472 ، وأبو داود ( 4682 ) ، والترمذي ( 1162 ) وصححه ، وابن حبان ( 454 ) ، والحاكم : 1 / 3 .

[7]- رواه أحمد : 6 / 90 ، 133 ، 187 ، وأبو داود ( 4798 ) ، وابن حبان ( 480 ) ، والحاكم : 1 / 60.

[8] - رواه أحمد : 6 / 442 ، 446 ، 448 ، وأبو داود ( 4799 ) ، والترمذي ( 2002 ، 2003 ) ؛ ورواه البخاري في ( الأدب المفرد ) رقم ( 270 ) ، وابن حبان ( 481 ، 5693 ، 5695 ) .

[9] - رواه أحمد 2 / 185 ، 218 ، والبخاري في ( الأدب المفرد ) رقم ( 272 ) ، وابن حبان ( 485 ) .

[10]- ذكره المروزي في ( تعظيم قدر الصلاة ) : 2 / 863 رقم ( 876 ) .