الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد بن عبد الله صوات ربي وسلامه عليه
أما بعد،،،
هذه أسطر معدودة وأوراق محدودة أضعها في هذا الملتقى في بيان جهود الإمام ابن العربي المالكي في التفسير أذكرها على وجه الإجمال مقتبسا إياها من رسالتي في الماجستير الموسومة بـ ( جهود المفسرين في القرن السادس الهجري )؛ إذ كان الإمام ابن العربي المالكي أحد أعلام هذا القرن من الذين بذلوا جهدا لايباريه أحد، متعلقة بكتاب الله في التفسير وعلومه، أجملها على النحو الآتي:
بداية فقد صنف _ _ في علوم شتى وفنون متنوعة؛ منها ما كان في العقيدة وعلم الكلام، وأخرى في الفقه والحديث والتفسير وعلوم القرآن.
وأما ما يخص دراستنا وهو ما يتعلق بعلوم القرآن وتفسيره فقد كانت له جهود شملت علوم القرآن، شملت المصنفات الآتية باختصار نجملها في هذا الموضع:
- كتاب أحكام القرآن.
- كتاب الأحكام الصغرى: وهو مختصر لكتابه أحكام القرآن.
- خامس الفنون.
- الناسخ والمنسوخ.
- المقتبس في القراءات.
وأما عن جهوده في التفسير؛ فقد كان له من المصنفات ما يأتي:
1- واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل.
2- أنوار الفجر المنير في تفسير القرآن.
والحديث عن هذه التفاسير وبيانها على النحو الآتي:
1- أولا: واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل، المعروف بـ "قانون التأويل في التفسير"، وقد ذكر محقق كتاب قانون التأويل "محمد السليماني" بأنه قد وقف على الجزء الأول بمكتبة دير الأسكوريال (EL – Wscorial) تحت رقم 1264، بخط مغربي يميل إلى الأندلسي103 ورقة، ينتهي عند شرح الآية رقم 248 من سورة البقرة، وقسم آخر من المخطوط بمكتبة القرويين بمدينة فاس بالمغرب تحت رقم (926) تفسير، يبدأ عند شرح الآية رقم (4) من سورة المائدة، وينتهي عند شرح الآية رقم (27) من سورة الأعراف، وذكر أيضا أن بدار الكتب بالقاهرة قد وقف على جزأين من هذا التفسير: الأول تحت رقم 184 تفسير، يبتدئ من الآية رقم (107) من سورة المائدة، وينتهي عند الربع الأخير من سورة الأعراف، والجزء الآخر تحت رقم 184 تفسير، ويبتدئ من أول سورة الحجر إلى آخر سورة الحج، ومن خلال البحث في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية قسم المخطوطات، فقد تمكن الباحث من العثور عليه برقم 92214، وبرقم 80265.
وقد ذكر الأستاذ محمد السليمان أنه قد اطلع على هذه النسخ ودرس محتواها، وخلص إلى عدد من الأمور والقضايا، أحب الباحث بيانها لإثراء البحث، وبيان شيئا من منهج ابن العربي في تفسيره، فكانت هذه الملاحظات على النحو الآتي:
1- إن تفسير واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل آخر مؤلفات ابن العربي تحريرا، إذ صنفه في آخر عمره عندما أصبح يميل إلى الزهد، وشرع في إملائه على أمل مراجعته وتنقيحه عند اكتماله، لكن المنية أدركته قبل أن يحقق رجاءه، ويتم مراده، ونقل عن ابن جزي في تفسيره: "فأما ابن العربي فصنف كتاب أنوار الفجر في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف، تلافاه بكتاب قانون التأويل، إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه".
2- والأمر الآخر: إن هذا التفسير قد نال شهرة في المشرق، ونقل عنه جلة من العلماء منه الإمام الزركشي .
3- والأمر الثالث: وهو المهم والمتعلق بموضوع دراستنا؛ وهو الكلام عن منهج ابن العربي في تفسيره واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل، ومن خلال مطالعة الباحث للقطعة التي أوردها السليماني من تفسير ابن العربي يمكن الخلوص إلى ما يفيد دافع الإمام ابن العربي من تصنيفه هذا التفسير، فقد نقل عن مخطوطته ما يفيد بأن هدفه الإفادة وبيان العلوم الجليلة التي حواها كتاب الله ، إذ أن علومه لا تحصى، وأن من سبقه قد صنف في التفسير لبيان تلك العلوم والوجوه _ وكأنه يجيب سائلا قد قرأ كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي _ وأنكر بعض المتفقهين في زمانه عليه، وحق لهم أن ينكروا، فعمد ابن العربي إلى تصنيف هذا الكتاب إجابة إلى دعوة ذلك السائل، فانتقى من كلام العلماء والمتقدمين من أهل النظر ما علقناه من المشيخة في هذا النوع من تنبيه حسن واستقراء فائدة زائدة وجعله كتابا مختصرا فيه بغية العلم وفائدة المتعلم، سهل التناول وحاضر الفائدة، يخف اكتسابه على الطالب المبتدئ ا.هـ.
وبعد رجوع الباحث إلى كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس فقد ذكر ابن العربي سبب تصنيفه للتفسير، حيث يقول بعد إلحاح طلبة العلم عليه ومحاولته الاعتذار: "والمثل السائر من لحّ حج، فجردت مائة ورقة قانونا في التأويل لعموم آية التنزيل تأخذ بصنيع الشادي، وتبيد الهمم للبادي، فمن وجده فليأخذ به، فإنه لباب الألباب، وشارع عظيم إلى كل باب"، وقد ذكر أيضا محاولة اعتذاره عن تصنيف هذا التفسير فقال: "فاعتذرت فما قبل عذري"
وأما منهجه فهو كما يأتي:
1- بداية يعتبر تفسيرا مختصرا سهل التناول، فحذف الطرق والأسانيد.
2- احتوى العديد من علوم القرآن الكريم؛ من تنبيه على المنسوخات والمجملات والمتشابهات.
3- تعرض لأقوال العلماء السابقين وميزها بعبارة الأشياخ، فما كان موافقا أثبته، وما كان فيه تعارض هجره وتركه.
4- راعى في تفسيره الكشف عن مواطن البلاغة.
5- تجد في تفسيره عناية بالتفسير بالمأثور، إذ يقول: "ونقابل ما ورد في القرآن ما ورد في السنة الصحيحة، ونتحرى وجه الجمع بينهما إذ الكل من عند الله..".
وأما الملاحظات التي أوردها وذكرها الأستاذ محمد السليماني على تفسير قانون التأويل فنجملها على النحو الآتي:
1- تتبع ابن العربي آراء المعتزلة وغيرهم من الفرق الضالة، فدفع الشبهة وحرر ما يحتاج إلى تحرير.
2- منهجه في تفسير الآيات يمتاز بالتتبع المحيط بكل الجوانب، فهو يتتبع السورة بالتحليل وتقليب الأوجه، وبيان معاقد المعاني، وطرق استنباطها، وبهذا يجعل من كل سورة كتابا مستقلا.
3- ذكر الكاتب أن هنالك مآخذ على تفسير قانون التأويل منها:
أ - أورد آثارا عن الصحابة والتابعين أقل ما يقال فيها أنها ضيعيفة ولا يعول عليها.
ب – قد أكثر من إيراد آراء المتصوفة تحت عنوان "قال أهل الإشارة"، حيث ذكر إشارات تخالف ظاهر كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ، وما صح عن السلف الصالح.
وبهذا ننهي القول في تفسير ابن العربي ما يعرف بقانون التأويل في التفسير، ولعل الله يهيئ لهذا المخطوط من يظهره ويخرجه من عالم المخطوطات إلى فضاء المطبوعات ليستفاد منه، وينهل العلماء وطلاب العلم من كتاب عرف صاحبه بالفضل والمكانة العلمية المرموقة بين علماء المسلمين قديما وحديثا.
2- ثانيا: وأما مصنفه الآخر في التفسير: وهو ما يعرف بأنوار الفجر المنير في تفسير القرآن، حيث ذكر بعضهم أنه يقع في تسعين سفرا، وآخرين بأنه في ثلاثين مجلدا، وبعضهم في ثمانين جزءاً، وقد ذكر صاحب الديباج المذهب أن ابن العربي المالكي قد صنفه في عشرين سنة في ثمانين ألف ورقة، وتفرقت بأيدي الناس خلال حياته، وقد ذكر بسنده أيضا عن الشيخ الصالح يوسف الخرام المغربي بالإسكندرية في سنة ستين وسبعمائة قال: "رأيت تأليف القاضي أبي بكر بن العربي في تفسير القرآن المسمى أنوار الفجر كاملا في خزانة السلطان الملك العادل أمير المسلمين أبي عنان فارس بن السلطان أمير المسلمين أبي الحسن"، بل وقد ذكر الفلاني(ت 1218هـ) بأنه قد روى تفسير أنوار الفجر بإسناده إلى ابن بشكوال عن ابن العربي مع مجموعة من مصنفات ابن العربي المالكي، وعلى هذا يكون تفسير أنوار الفجر إلى حدٍ قريب منا موجود(حتى القرن الثالث عشر الهجري) ، وبالبحث عن هذا التفسير لم يتمكن الباحث من العثور عليه مخطوطا أو مطبوعا، ولعله من المخطوطات التي فقد أثرها في دور الكتب والمكتبات والمخطوطات، وهذا التفسير _ أعني أنوار الفجر _ قد ذكره ابن العربي المالكي في مصنفاته؛ فقد ورد ذكره في كتابه القبس في شرح موطأ مالك بن أنس جـ4/186: أنه قد فسر القرآن، وأملى هذا التفسير في عشرين عاما ثمانين ألف ورقة، وقد حصل عند كل طائفة منها فن، وأنه قد طلب منهم أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفا مقيدا إياها أصولا تبنى عليها سواها، وينظمها على علوم القرآن الثلاثة: التوحيد والأحكام والتذكير....
وهذا التفسير يعتبر من التفاسير المطولة والكبيرة، إذ يقول ابن العربي المالكي في القبس جـ4/294 عند عرضه لمعجزات النبي محمد وعدّها فيقول: "إلى أن ينتهى في عدها إلى ألف فلتنظر في سطورها في كتاب أنوار الفجر" ، ويعرض أيضا إلى قوله تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(الذاريات:٢١) إلى ذكر الحِكم من حِكم النفس: "وقد أوردنا منها في أنوار الفجر ألف حكمة، وكان ذلك يسيرا جدا" القبس جـ4/312، وهذا إشارة إلى طول نفسه وشمول تفسيره، وقد يذكره أيضا باسم تفسير القرآن (القبس جـ4/387).
فهذه أسطر في بيان تفاسير ابن العربي المالكي والمتعلقة بالمخطوط منها غير المطبوع وضعتها ولعلها معلومة عند الكثير من طلبة العلم.
وأما تفسير قانون التأويل فقد حاولت رفعه لكن لكبر حجمه لم أستطع تحميله،وهوموجود في مركز ودود للمخطوطات على الرابط:
حمل مخطوط : قانون التأويل في التفسير / ابن العربي - مجلة مركز ودود للمخطوطات
هذا والحمد لله رب العالمين
وانظر المرفق.