ثلاثة أيام([1])

كثيراً ما تمر بأحدنا مواقف فرحٍ أو حزن، تتحرك معها العاطفة بقرار يترجم اللحظة التي مررنا بها في ذلك الموقف، حتى إذا هدأت سَوْرةُ تلك اللحظة؛ بدأ الشخص يعيد حساباته في ذلك القرار الذي اتخذه، أو الكلمة التي أطلقها.

قد تكون تلك الكلمة نذراً شاقاً كلّف بها نفسه! أو قرارَ طلاقٍ لم يُدْرَس، أو موافقةً على مهمة عملٍ لم يتأملها صاحبُها، أو رضىً بالارتباط بشريك العمر في الزواج، في ألوان وصورٍ من القرارات التي تتكرر في حياتنا.

والملاحِظ في السُّنة النبوية يجد صوراً من علاج هذه الحالة التي يسميها بعض الفضلاء: "الاستغراق في اللحظة الحاضرة"، وهذا العلاج يختلف بحسب الموضوع وبحسب الشخص نفسه، إلا أن ثَمة ما يلفت النظر في علاج الشرع لهذه اللحظات - الحزينة والمفرحة - التي قد تعصف بالإنسان في لحظةٍ ما، وهي: إعطاء فرصةٍ مدتها ثلاثة أيام في عددٍ من المواقف التي لا يكاد يسلَم منها أحد، منها:

· إباحة الإحداد([2]) على غير الزوج مدة ثلاثة أيام، كما في الصحيحين من حديث أم حبيبة - - أن النبي قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِد على ميتٍ فوق ثلاث، إلا على زوج؛ فإنها تُحِد عليه أربعة أشهر وعشراً)).
· إباحة الهجر ولو كان لأمر دنيوي ثلاثةَ أيام، كما في الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً: ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا! وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))([3]).
· في قصة عبدالله بن عمرو بن العاص - - حين بالغ في عبادة الصيام، أمره النبي أن يقتصر على ثلاثة أيام من كل شهر، فلم يقنع حينها - وكان شاباً قوياً يجد رغبةً وجلَداً في التعبد - فزاد في الطلب، حتى أوقفه النبي على صيام داود - عليه الصلاة والسلام - الذي كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فكان عبد الله يقول - بعد ما كبر -: "لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ، أحب إلي من أهلي ومالي!"([4])

هذه الأمثلة وغيرها فيها إشارات تربوية ينبغي للمسلم أن يفيد منها في حياته، منها:

أولاً: عظمة هذه الشريعة التي أعطت النفس البشرية مساحة من الوقت؛ تأخذ النفسُ حظها من تخفيف أثر بعض الطباع البشرية التي رُكبت فيها - كالغضب والحزن، وغيرهما - وفي مقابل ذلك: راعت حظ النفس من الترفه، ونهت عن الإشقاق على النفس في التعبد؛ لأن الشرعَ يلحظ معنى الاستمرار مع القلة، فهو خير من الكثرة التي مآلها للانقطاع: ((أدومه وإن قلّ))([5]).

ثانياً: إعطاء هذه الفرصة - الثلاثة أيام - لأمور دنيوية محضة كالهجر، وجبلّية كالإحداد؛ ينبغي أن يستفاد منه في حياتنا اليومية؛ سواء على مستوى العلاقات الأسرية، أو علاقات العمل، وغيرها، فقد يختلف الزوجان، ويحتد النقاش بينهما في مسألة عارضة، فهل من الحكمة والعقل اتخاذ قرار الطلاق، والنفوس مشحونة، والمشاعر متأججة؟!

وقد يتناقش صديقان في مسألة ما؛ فترتفع الأصوات، ويكثر اللغط، فيقرر أحدهما اتخاذ قرار المفاصلة والمقاطعة، ودفن مشروع الصداقة في مقبرة الجدال والخصام!

وفي مجال العمل: قد يقع نقاش بين العامل وصاحب العمل، أو بين الموظف ومديره؛ فترتفع اللهجة، وتعلو لغة الغضب، فيقرر أحدهما - في نفس المجلس - قراراً آنياً؛ إما بفصل العامل من صاحب العمل، أو يطلب الموظف الاستقالة أو الانتقال إلى موقع آخر، ثم عند هدوء سَورة الغضب، يندم أحد الطرفين.

وفي مقام الفرح: يعيش أحدهم حالة مرض، أو مشاعر حزينة، فينذر حينها نذراً شاقاً إن شفي ليفعلن كذا وكذا من الطاعات، فإذا تحقق الأمر؛ بدأ يطرق أبواب المفتين ليجد مخرجاً من هذا النذر الذي عقده في لحظة يأس!

والسؤال: لماذا لا نستفيد من هذه التربية الشرعية لنا في إعطاء النفس فرصة زمنية كافية قبل اتخاذ القرار؟ فنربي أنفسنا على ألا نتخذ قراراً في لحظة غضب أو فرح، وأن نؤجّله إلى ثلاثة أيام إن أمكن، أو على الأقل لا يكون في تلك اللحظات المُتّقِدة، على أن بعض الموضوعات قد تكون بحاجة إلى أكثر من ثلاثة أيام، وهذا منوط بخطورة الموضوع وأهميته.

لقد ذمّت العرب العجلة، وكانت تكنيها "أم الندامات"، "فعليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعتَه"([6])، "والرافق لا يكاد يُسبَق، كما أن العَجِلَ لا يكاد يُلحق: فالعجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يَفهم، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعجل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة"([7]).

وهذا كله فيما لا يحتاج إلى قرار عاجل لا يحتمل التأخير، مع أهمية الاستشارة والاستخارة في كل الأحوال.

وإذا تأنى العبدُ، ودرس قرارَه، واستشار ثم استخار؛ فلا ريب أنه لن يندم مستقبلاً مهما كانت النتائج التي آل إليها الأمر؛ لأنه فعل ما بوسعه، والله الموفق.


([1]) هي محاولة لقراءة أسرار هذا العدد في ضوء السنة، وهي قراءة مختصرة تناسب هذه المقالة، وإلا فهناك بحث أوسع، سينشر مستقبلاً إن شاء الله.
([2]) الشرح الممتع (13/ 393): الإحداد في الشرع: فهو أن تمتنع المرأة عن كل ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره.
([3]) حديث النهي عن الهجر فوق ثلاث ثابت في الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري [البخاري ح(6237)، ومسلم ح(2560)] وأنس [البخاري ح(6065) ومسلم ح(2558)].
ومن المعلوم أن عائشة -- لم تكن تتعمد مخالفة هذا الحديث! لكنها تأولت التزام النذر وشدّته، خاصةً وهي ترى أن صنيع ابن أختها منكر شرعاً، فلم تر أن هجرها غير شرعي، فهي راعت المعنى الشرعي لا هوى النفس، ثم لما تبيّن لها الأمرُ تركته، والله أعلم.
([4]) البخاري ح(1976) مسلم ح(1159) واللفظ له.
([5]) البخاري ح(6464) مسلم ح(782) واللفظ له.
([6]) الرسائل الأدبية للجاحظ (ص: 334).
([7]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 216).

رابط المقالة: ثلاثة أيام - الموقع الرسمي للدكتور/ عمر بن عبد الله المقبل