أيد الله كل نبى بمعجزة توافق ما برع فيه أهل عصره كالسحر مع سيدنا موسى والطب مع سيدنا عيسى والبلاغة مع سيدنا محمد علي الأنبياء الصلاة والسلام .

وكل معروف بالبلاغة والفصاحة أسلم أو لم يسلم - سواء كان سبب إسلامه سماع القرآن أولاً أو اى سبب اخر ككعب بن زهير ولبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت - لم ينقل عنه معارضته للقرآن ولا استدراكه على آية من الآيات بل منهم من ترك الشعر بعد سماع القرآن كلبيد حين قال لَهُ عُمَر بْن الخطاب يوما: يَا أَبَا عُقَيْل، أنشدني شيئا من شعرك. فقال: مَا كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عِمْرَان، فزاده عُمَر فِي عطائه .(1)

وهذه أمثلة لمن كان سماع القرآن سبب فى إسلامه من المتقدمين والمتاخرين وأمثلة أخرى لمن شهد ببلاغة القرآن ومنعه من الإيمان كبره وجحوده عافانا الله وإياكم.

عن أبي ذر فى جزء من حديث: أن أُنَيْسًا أخا أبي ذر ذهب إلى مكة ثم عاد فقال لأبي ذر: ( لقيت رجلا بمكة على دينك ، يزعم أن الله أرسله . قلت : فما يقول الناس ؟ قال: يقولون: شاعر ؛ كاهن؛ ساحر . وكان أنيس أحد الشعراء . قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم . ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. ) (2)


وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: ( سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي ) (3 )


وَلَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: 90] قَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّ لَهُ لَحَلَأوةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَأوةً، وَأَنْ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، مَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ.(4)


وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: 94] فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ سَجَدْتُ لِفَصَاحَتِهِ، وَسَمِعَ آخَرُ رَجُلًا يَتْلُو فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: 80] فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ.(5)

وَذُكِرَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، إِذَا هُوَ بِقَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَاسْتَخْبَرَهُ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَؤُونَ آيَةً مِنْ كِتَابِكُمْ، فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52] .(6)


وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ، فَقَالَ لَهَا: قَاتَلَكِ اللَّهُ مَا أَفْصَحَكِ، فَقَالَتْ: أو يُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأوحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7] الْآيَةَ، فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَنَهْيَيْنِ، وَخَبَرَيْنِ، وَبِشَارَتَيْنِ (7)

وقال جورج حنا " مسيحى من لبنان" إنه لابدّ من الإقرار بأن القرآن، فضلاً عن كونه كتاب دين وتشريع، فهو أيضاً كتاب لغة عربية فصحى. وللغة القرآن الفضل الكبير في ازدهار اللغة، ولطالما يعود إليه ائمة اللغة، في بلاغة الكلمة وبيانها، سواء كان هؤلاء الأئمة مسلمين أم مسيحيين.(8)

وقال عبد الله كويليام "مفكر انجليزى أسلم عام 1887 " هذا القرآن الذي هو كتاب حكمة فمن اجال طرف اعتباره فيه وامعن النظر في بدائع اساليبه وما فيها من الاعجاز رآه وقد مر عليه من الزمان الف وثلاثمائة وعشرون سنة كانه مقول في هذا العصر إذ هو مع سهولته بليغ ممتنع ومع إيجاز مفيد للمرام بالتمام. (9)

وقال نقولا حنا الأديب الشاعر فى مقدمة قصيدته "من وحى القرآن " قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت .

ومن القصيدة :-
يقولون ما آياته، ضلّ سعيهم ... وآياته- ليست تعدّ- عظام
كفى معجز الفرقان للناس آية ... علا وسما كالنجم ليس يرام
فكل بليغ عنده ظل صامتا ... كأن على الأفواه صرّ كمام
وشاء إله العرش بالناس رحمة ... وأن يتلاشى حقدهم وخصام
ففرّق ما بين الضلالة والهدى ... بفرقان نور لم يشبه قتام (10)



(1) الاستيعاب فى معرفة الأصحاب
(2) مسلم \ باب من فضائل أبي ذر
(3) البخارى \ كتاب المغازى
(4) الحاكم فى مستدركه والبيهقى فى شعب الايمان
(5) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
(6) المصدر السابق
(7) المصدر السابق
(8) من كتاب قالوا عن القرآن
(9) نفس المصدر السابق
(10) من وحى القرآن