(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) ، والصلاة والسلام على من أعطي جوامع الكلم فكان بيانه لكتاب ربه شفاء مبهجا ، وعلى آله وصحبه أصحاب العقول والحجا...أما بعد:
الإجماع الذي لا يختلف عليه اثنان من المسلمين أن ما يحصل بنا اليوم هو الإعراض عن التبعية المطلقة لكتاب الله وكما قال ابن القيم –-:

والله ما خوفي الذنوب وإنها لعلى سبيل العفو والغفرانِ

لكنما أخشى انسلاخ القلب عن تحكيم هذا الوحي والقرآنِ

ورضىً بآراء الرجال وخرصها لا كان ذاك بمنة المنان

فنحن لدينا دين كامل ومشكلتنا الحقيقية تكمن بنحو المثل الهندي:(المرعى أخضر لكن العنز مريضة) .....فليس هناك أزخر من كتاب الله معنى ولا أطيب من السنة مسلكا ولا أعظم من فعل السابقين منهجا ...والحق واضح عليه علامات ودلالات والباطل لجلج لا يخلو من خرص واشكاليات ...

وفي الواقع أننا مع وضوح الحق الذي عندنا إلا أن هناك بعض القضايا التي بيننا تصرف الناس عن هذا الكتاب وهي الأمراض التي تجعل العنز لا ترعى من هذا المرعى الأخضر وتكرع من لذيذ مطعمه فلا بد من التنقية والتخلية قبل الترقية والتحلية ...
ومن أول هذه الإشكاليات التي نراها اليوم : تضخيم الخلاف فمن المشكلات أننا أصبحنا نضخم الخلاف وقد لا ندرك أن الخلاف ضرورة بشرية ناتج عن اختلاف العقول والملكات ومن ثم البيئة والثقافات وهو حق واقع كما قال تعالى:(ولا يزالون مختلفين) ، فلن تجتمع الناس على كلمة واحدة وليس ذلك مني دعوة لتمييع بل كما قال الحصري:
وليس كل خلاف جاء معتبرا*إلا خلاف له حظ من النظر

ولكن ما يستحق الخلاف أصلا لماذا نصادره من ساحاتنا ومن مجال نقاشنا ؟؟ ونوسع الصدور للمحتمل؟؟ وما لا نراه محتملا فهل كل وقت مناسب لإثراته ؟؟ أوليس هناك أمر هو تقديم الأهم على المهم؟؟ وخاصة أننا في أمر فقه الواقع وأين الحكمة القرآنية في قوله –-:(غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)؟؟؟

ومن المشكلات أيضا : العصبية وما تجنيه بعدها من كبر أو عناد للحق والعصبية ليس شرطا فيها العصبيية الحزبية ، التي قد يوازيها كذلك العصبية لشيخ أو للمعلم أو لذات...وكم من الناس من أصبح حاله كما قال شيخ الإسلام –-:(قوم اعتقدوا معاني ، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها!)..وكم من هؤلاء من يريد أن يصرف القرآن كله لمعنى في باله أو فكرة يريدها..ويتعصب لرأيه ويلغي رأي غيره ..ولا يعلم أن المسألة معروض بها على ربه ولو انتصر لنفسه أو شيخه أو حزبه فلن تنفعه شهوة ذاته أو غلوه في فكره ...

وكذلك:العلاقنية الكاذبة وعقدة الخواجة وقضية العلم أصل والقرآن فرع....وهذه اشكالية عند الكثير أنه حريص على اثبات زعمه العقلي أو فرضياته الزائفة أو من يجعل العلم أصلا والقرآن لا بد أن يوافق ما جعله هو في ذاته يقينيا وعقدة الغربي ومحاولة التطبع بزيه وصرف القرآن لركبه ..وكلها تتقارب وأصحابها غالبا بينهم رباط ... والعجيب من هؤلاء العقلانين انهم يدعون لأنفسهم مقامات غريبة لم يصل لها أحد من السابقين ويظنون أنهم في عصر يجوز لهم الإختراع!! وكل شيء يجوز به الإبداع!! ولا يدرون أنها شريعة أصلحت الأمة من قرون وهي كفيلة أيضا بالإصلاح ولن تكون عقيما أمام كل المشكلات العصرية ولكن التسارع في الرد وعدم عقلانية النص والأحكام المسبقة التي لا تأخذ روية النظر وحب التقليد وطروء حب المخالفة عقد لن تنتهي ولو بألف كلمة ولكن نحن قوم لنا طريقتنا في الفهم والإستدلال والنص مقدم على كل عقل قاصر والواقع أن الشريعة لا تأتي بما يحيله العقل بل قد تأتي بما يحار فيه ، وليس على المرأ أن يفرض رأيه بعدها على القرآن حرصا واذ به بزعم غيرته يغير عليه فيسلبه معاني الهداية كلها ، ومن هنا كان لا بد من أن نقول أن الذي يريد أن يتكلم في الكتاب الكريم وعلومه لا بد أن يكون ممن تأهل بأهلية شرعية وليس بعض الهواة والمتهوكين وكذا فنحن قوم نستدل ثم نعتقد ولا نعكس هذا السبيل القويم...

وكذلك من الإشكاليات : عجمة اللسان وعقم الفكر وملهيات الحياة والشهوات والشبهات ...هذه المشاكل أصبحت ديدنا يصيب أي مسلم وأي سالك لربه ولقطع كل هذه الحجب والعوالق والعوائق في ظروف المسلم اليومية ولكن لا بد حقيقة من أن نضع أنفسنا على بداية الطريق مع الله وبداية الطريق مع الله لا شك هي عند تدبر كلامه وفهم كتابه المنزل ولا طريق للعابد لكي يلتفت لربه كي تظهر موازين العقل وتنعكس على مرآة قلبه وفكره ، وينزاح بدقيق الفكر كل الشبهات وبروعة الإحساس بالإيمان كل الشبهات وتظهر الحكمة بعد عقم الفكر إلا بمداومة التعلم للقرآن ولا أصدق من قول النبي--:(إنما العلم بالتعلم) ، وبالعلم تنزاح عجمة اللسان ومع التدرج في الفهم والتدبر يظهر من براعة التأمل والفكر ما لا يصفه اللسان بل تذوقه الروح ، وليس للمؤمن شيء يعيش في ظلاله ويسري بروحه بحياة الإيمان مثل : الذكر والفكر المجموعان في قوله:( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) ...فالآيات جمعت بين ذكر وفكر وليس أعظم ذكرا من كتاب الله وهو كتابه المسطور وما أجمل صفاء الذهن أن يتفكر في ملكوت الله وبديع خلقه وهو كتابه المنظور ...ليجد لوحات فنية أخاذة تأخذه إلى الله وتشده إليه بكل قوة وتقربه منه وتشعره بوجوده ويحس بقربه ويستشعر رقابته...

ومن الإشكاليات : فقدان الحس بالكلمات....فللمعاني إحساس والقرآن نزل على قوم يفهمون القرآن ويشعرون وينفعلون به ...فكان الإيمان والترقي في مدارجه سهل على قوم تشعر بالكلام ....وحتى من لم يؤمن به أظهر ثناء عجبا تعترف بهيمنته !!!
هذا الإحساس للأسف مع الحياة المدنية وارهاقها الفكري ومشاغل الحياة المتعددة قد بات يخفو شيئا فشيئا ...ولإعادة هذا الإحساس لا بد أن يكثر الشيوخ والمربون من القراءة من كتب الأدب والإشارة إلى تجارب هامة ودقائق الفهم واثارة العاطفة والأحاسيس في الكلام والعناية بالنحاية العاطفية الخطابية والمثيرات لهذه البواعث وهو العلاج الرباني الناجع فقد روى البخاري في حديث عن الصديقة عائشة – وعن أبيها- والذي فيه أنها قالت:(إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا)...
وهذه كلمات من أخيكم لعلها مبعثرة ولكن يستحق أن نناقش هذه الأفكار والآراء ومن ثم من لديه ما يضيف أو يستدرك او ينقض او ينقد فالكل على الرحب والسعة وهو ما أتمناه أن يزيح أحبتنا غبار الجهل بوابل علمهم أو يزيدوا الكلام بواسع فضلهم ...وان وجدوا خيرا دعوا لأخيهم وبارك الله بكم ...